الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية .. رعاية سامية ونجاح مستمر
الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية .. رعاية سامية ونجاح مستمر

الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية .. رعاية سامية ونجاح مستمر

مسقط ـ العمانية:
الموسيقى كالتاريخ تسافر فيها الألحان من أسوار الفخامة في موسكو عابرة السهول المغربية والاندلسية مارة بأمجاد بابل لتصل الى جبال الهملايا متخطية كل الحواجز الجغرافية وبالمثل ينتقل عرض الاوركسترا بحرية تامة من الارتجالات “تقاسيم وراجا” الى القواعد الصارمة للالحان الغربية المصاحبة ومن الاحترافية الى الحميمية ومن التجانس الى التعدد الصوتي ليعكس تقنيات متقدمة ومهارة موسيقية فائقة للعازفين والعازفات من اعضاء الاوركسترا. وايماناً من حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بدور الفنون في ارساء الثقافة والسلام والتعاون بين الأمم ويقينه بضرورة تطويع الموسيقى كأداة انسانية مهمة في نشر قيم انسانية مثل السلام والتسامح والتعايش بين الشعوب وهي المبادئ العظمى التي ننعم بها في السلطنة تحت ظل قيادة جلالة السلطنة المعظم الحكيمة عمل جلالته ـ اعزه الله ـ منذ ثلاثين عاما على تأسيس فرقة اوركسترا عالمية محترفة يتكون جميع اعضائها من العمانيين .
وأدرك جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الأثر الثقافي لتأسيس الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية وأكد على ضرورة الحاجة للموازنة بين الثقافات ، بين الحداثة والتراث مع علم جلالته المسبق أن تأسيس الاوركسترا لا يعني اهمال او اغفال تقاليدنا وتراثنا إذ يقول جلالته ابقاه الله ” نحن نحاول الحفاظ على تراثنا الموسيقي في عمان ، لا يمكنني تفضيل لون على آخر او الفصل بين الأعمال ، تعجبني الموسيقى الأندلسية والتركية والايرانية والكثير من الموسيقى الهندية والافريقية ، أتمنى أن تثمر كل هذه الجهود المبذولة لتطوير الموسيقى ، وأن تنجح في تحقيق غايتي المتمثلة في رفع مستوى الوعي الثقافي لدى الافراد بوجه عام ، ومستوى التعليم الموسيقي بوجه خاص”.
يقول تقرير للأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية بمناسبة مرور ثلاثين عاما على تأسيسها : ” فكرة إنشاء الأوركسترا جاءت في بداية الثمانينيات من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس وتولى جلالته بأفكاره النيرة مهمة وضع الأسس المناسبة لدراسة أفضل السبل لإنجازها “. وأضاف التقرير إن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ أبقاه الله ـ اسدى توجيهاته السامية بتأسيس الاوركسترا في سبتمبر عام 1985م تحت اشراف مباشر من لدن جلالته حيث تم اختيار مجموعة من الموسيقيين الشباب الموهوبين بناء على مهاراتهم الموسيقية في مجالات الالحان والايقاعات والانغام حصل المرشحون المنتقون جميعا على دراسات مكثفة في الموسيقى سواء داخل السلطنة او خارجها برعاية الحرس السلطاني العماني. واستقبلت الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية الدفعة الاولى من الطلاب الشباب في عام 1985 ، وتولى فريق من الحرس السلطاني العماني بمساعدة مجموعة من مدرسي الموسيقى البريطانيين وبقيادة مسير أعمال مدير الاوركسترا زيارة العديد من المدن والقرى في السلطنة للبحث عن المرشحين المناسبين واظهر من تم اختيارهم وعائلاتهم حب المغامرة وخوض هذا المضمار الجديد بالنسبة لهم وتم تسجيل 1300 شخص وقلص العدد الى 250 شخصا وبعد ذلك تم اختيار 100 شاب منهم لمباشرة التدريب وخضعوا لتعليم اللغة الانجليزية ونظريات الموسيقى خلال الستة اشهر الاولى من التدريب. وفي بداية تأسيس الاوركسترا تم اختيار طاقم المعلمين من المملكة المتحدة اذ اتخذت الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية قرارا باتباع المنهج البريطاني وربطت المعدلات الاكاديمية والتحصيلية باختبارات المجلس الموحد للمدارس الملكية للموسيقى في بورتلاند في لندن وهو مؤسسة مرتبطة أصلا بالكليات الموسيقية الرئيسية في المملكة المتحدة وهذه التنظيمات والارتباطات الاكاديمية في حد ذاتها تمنح الطلاب العمانيين حساً عمليا مميزا بارتباط ادائهم بالاختبارات والمعادلات الدولية وبعد ذلك حصولهم على شهادات الدبلوم من اكبر وافضل المؤسسات الموسيقية في العالم وظل هذا التنظيم حتى وقتنا الحالي وتمكن العديد من أعضاء الأوركسترا من اجتياز اختبارات المجلس الموحد بمستوياته الثمانية وبجميع الآلات الموسيقية وحققوا مستويات الدبلوم والليسانس والزمالة. بعد مضي بضعة أشهر على تأسيس الاوركسترا قامت أوركسترا لندن السيمفونية بزيارة للسلطنة في شهر ديسمبر عام 1985 وأحيت ثلاث حفلات موسيقية احتفالا بافتتاح قاعة عمان في فندق قصر البستان التي كانت مجهزة بأحدث الأجهزة الضرورية لإقامة الحفلات الموسيقية وظلت المكان الافضل للأوركسترا لإقامة حفلاتها . وقد ساعدت زيارة اوركسترا لندن السيمفونية للسلطنة الموسيقيين العمانيين أعضاء الاوركسترا في وضع المعايير اللازمة للعزف في قاعة عُمان وشهد يوم الاول من يوليو عام 1987 تقديم الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية حفلها الموسيقي الاول في قاعة عمان بفندق قصر البستان برعاية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه -السامية ومنذ ذلك الحين قدمت الاوركسترا أكثر من 140 حفلاً موسيقيا خاصا وعاما داخل السلطنة وخارجها واصبحت سفير عمان الموسيقي الى العالم فقدمت عروضها في اشهر القاعات المرموقة في دولة الامارات العربية المتحدة والبحرين والمملكة المتحدة وبلجيكا والمانيا وفرنسا وسويسرا وكوريا الجنوبية .وفي شهر يوليو عام 1988 أحيت الاوركسترا حفلها الاول امام عامة الجمهور وكان ذلك بمثابة الانطلاقة الثانية لها وفي شهر سبتمبر من نفس العام تم توظيف المزيد من الشباب في الاوركسترا وشهد هذا العام استقبال اول دفعة من الفتيات بالاوركسترا واصبح لدى الاوركسترا خليط رائع من الشبان والشابات في جميع الاقسام . وتتبع الاوركسترا نظاما تعليميا محددا يبدأ في شهر سبتمبر وينتهي في شهر يونيو يقام خلاله العديد من الحفلات الموسيقية العامة مع قادة موسيقيين ضيوف وعازفين منفردين بالإضافة الى اقامة الحفلات الخاصة أمام المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم وخلال الاجازة الصيفية يسافر العديد من العازفين الى أوروبا لحضور دورات في العزف الموسيقي لزيادة خبرتهم والعمل مع موسيقيين من مختلف الدول والثقافات بالإضافة الى ذلك تقيم الاوركسترا رحلات خارجية تحيي خلالها حفلات موسيقية خارج البلاد. ويقع المقر الرئيسي للأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية بولاية السيب بمجمع المقامات وهذا الاسم هو الكلمة العربية المرادفة للنمط الغربي بالسلم الموسيقي ، ويحتوي المجمع على مقرات سكنية وفصول دراسية وقاعات للتدريبات الموسيقية على المستوى الفردي والجماعي ومسجد ومطعم ومرافق ترفيهية بالإضافة إلى المبنى الإداري ، وتوجد في مجمع ” المقامات ” أيضاً مدرسة أكاديمية يتم فيها تعليم المواد العلمية والادبية والموسيقية باللغة الإنجليزية مثل الرياضيات والعلوم والموسيقى وهي تحت اشراف واعتماد وزارة التربية والتعليم بالسلطنة وعندما يحصل الطالب على معدل جيد في المستوى الثامن في آلته الموسيقية يتم إلحاقه بالأوركسترا الرئيسية كعضو أوركسترالي. وتضم الأوركسترا حاليًا طاقمًا تعليميًا من عدة جنسيات، حيث تم تحديد لكل آلة موسيقية مدرس خاص يتولى تعليم مجموعته من الموسيقيين والإشراف عليها ، كما يعطي دروسًا فردية وجماعية لإعداد الطلاب لدخول الاختبارات ، كماأن هناك مبادرة جديدة لتدريب قادة أوركستراليين عمانيين، حيث تخرج أحدهم بنجاح بدرجة الماجستير من المملكة المتحدة ، كذلك يساعد تدفق القادة الأوركستراليين الضيوف والعازفين المنفردين لينعشوا الأوركسترا بالتعامل مع وجوه جديدة ذات خبرات عالمية تقدم تدريباً متخصصاً عالي الجودة ، كما ساعدت الدراسات الخارجية العديد من الموسيقيين العمانيين في الالتحاق ببرامج تعليمية في الكليات الموسيقية البريطانية لصقل مهاراتهم. والى جانب برامجها فإن الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية تضمن حصول الموسيقيين على التعليم والانضباط الشامل في المجالات الأكاديمية المهمة الأخرى ومنذ تأسيسها في عام 1985م وفّرت الأوركسترا الفرصة للطلاب لمتابعة الدراسات الأكاديمية بجانب تعليمهم الموسيقي كما أن التوظيف مستمر في المدرسة والاوركسترا الرئيسية وتخطط الأوركسترا حاليا لاستقبال أكثر من خمسين طالبا في المستقبل القريب.
وتمتلك الأوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية تنوعاً كبيراً من الآلات الموسيقية الخاصة بالأوركسترا ويمكنها تلبية جميع متطلبات المعزوفات الموسيقية ولدى كل آلة في الاوركسترا موظف خاص يهتم بها بعد العزف كما انه يقوم بالتدريس وتقديم النصيحة والعزف ومتابعة احتياجات اعضاء الاوركسترا ..وتتكون الأوركسترا بشكل عام من أربعة أقسام وهي الآلات الوترية ، آلات النفخ ، النحاسيات والإيقاع موزعة على آلات فردية وهناك آلات مألوفة كالبيانو والأرغن والهارب لا تُصنف ضمن العائلة الكبيرة للأوركسترا وتعتبر آلات ترحيبية للمجموعة الموسيقية بين فترة وأخرى حيث اشتهرت هذه الآلات الثلاث أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في الموسيقى السيمفونية. ويقارب عدد عازفي الأوركسترا السيمفونية بشكل عام حوالي 80 عازفا وتشكل عائلة الآلات الوترية حوالي 60 عازفا من هذا العدد وبصفة عامة تعتبر الآلات الوترية أساس تناغم الألحان الموسيقية والتي تنقسم إلى خمسة أقسام بطبقات صوت مختلفة عبر المحيط الصوتي الواسع. وبدءا من القمة يوجد حوالي 30 آلة كمان مقسمة إلى جزأين لكل منها 15 عازفاً بالإضافة إلى 12 آلة فيولا و10 آلات تشيللو و8 آلات الدبل باص ، كذلك يوجد عدد كبير من الآلات الوترية التي تمنح الوزن الضروري لصوت الأوركسترا، كما أن قسمي الكمان يكملان بعضهما البعض، حيث يميل الكمان الأول إلى عزف الألحان بينما يقوم الكمان الثاني بأداء دور مهم من حيث تساوي قوة العزف مع الألحان في النبرة الغليظة ويدعم تناغم الألحان ، ويكون قسم آلة الفيولا في منتصف الآلات الوترية (الفيولا تشبه الكمان الكبير) ويجعل الألحان قوية وغنية، ويوجد قسم الباص في نهاية هذا القسم وتقدمه آلة التشيللو (تعزف بشكل غنائي عند الحاجة) وآلات الدبل باص التي تعتبر أكبر الآلات الوترية حجما. وعائلة آلات النفخ والنحاسيات أقل بكثير في العدد وتضيف لونا ولحنا إلى الأوركسترا ويمكنها إضافة قوة هائلة للأوركسترا السيمفونية ، ويتكون قسم آلات النفخ من آلة البيكلو واحد بالإضافة إلى آلتي فلوت وآلتي كلارنيت وآلتي أوبوا وآلتي باسون مع آلات إضافية مثل كور أنجلاس ، أوبوا دامور وباس كلارنيت وكونترا باسون. تعتبر الألحان التي تقدمها آلات النفخ جميلة ومميزة حيث إن آلة البيكلو يمكنها العزف بصوت عال تميزه الأذن ، بينما لآلة الباسون الغليظ يضاعف قوة آلات التشيللو والدبل باص وتتميز آلة الأوبوا بلحن حزين ويمكنها العزف بشكل جيد أمام آلة الفلوت الحساسة بنبرتها المتواضعة والرشيقة . وترجع أصول آلات الفلوت والأوبوا والباسون إلى فترة العصور الوسطى بينما أُضيفت آلة الكلارنيت في وقت لاحق إلى الأوركسترا العصرية (يعد موزارت من أوائل من استخدموا آلات الكلارنيت) وتتميز بلونها البني الداكن وبصوت جذاب ومؤثر جدا ، كما تعود أصول الآلات النحاسية والنفخ إلى موسيقى الهواء الطلق وغالبا ما ترتبط بأنشطة متعلقة بالفروسية، حيث كانت مثل هذه الآلات مثالية للهواء الطلق لقوة صوتها وقامت محكمة القرن السابع عشر في فرنسا بتجميع هؤلاء الموسيقيين في مجموعة موسيقية سميت “موسيقى الإسطبلات العظيمة” ومن هنا شقت هذه الآلات طريقها إلى الأوركسترا السيمفونية. ويعتبر الهورن الفرنسي أفضل مثال لهذه الآلات لارتباطه بالصيد وارتباط الترومبيت بالصداحين والمناسبات الاحتفالية وتضم الآلات النحاسية في الأوركسترا العصرية آلتي ترومبيت وعدد آلتي إلى ثلاث آلات ترومبون وعدد أربع آلات هورن فرنسي وآلة تيوبا واحدة ، مرة أخرى تشمل الآلات الإضافية آلة باص ترومبون وترومبيت عالي. عندما يتم عزفها سويّا، تُصدر عائلة الآلات النحاسية صوتا قويا واستثنائيا يطغى على الأقسام الأخرى في الأوركسترا ويضيف وزنا هائلا إلى الذروة السيمفونية. وترجع أصول الآلات الإيقاعية والطبول في الأوركسترا إلى موسيقى الهواء الطلق وتعتبر هذه الآلات ضرورية جدا للأوركسترا السيمفونية وتشمل عادةً آلتي تمباني أو “كِتِل درامز” وبما أنها أقل شيوعا فإنه يُضاف إليها في كثير من الأحيان آلات الصنج والمثلث والطبل الكبير والطبل الجانبي. ولم تشتهر آلات الهارب في موسيقى العصرين الباروكي والكلاسيكي إلا أنها ظهرت بانتظام في موسيقى العصرين الرومانسي وما بعد الرومانسي وكان البيانو القيثاري القديم ضروريا جدا في موسيقى الأوركسترا في العصر الباروكي إلا أنه اختفى في نهاية القرن الثامن عشر. وتساهم كذلك آلة الأرغن أحيانا في التركيبة الأوركسترالية ويضيف البيانو لونا إلى الموسيقى الرومانسية الحديثة واوركسترا القرن العشرين إلا أنه يتم تعويضها من خلال وجود حصة الأسد من معزوفات الكونشرتو المنفردة ـ حوار بين العازف المنفرد المحترف وباقي الأوركسترا. إن النجاح الذي حققته الاوركسترا السيمفونية السلطانية العمانية طوال الثلاثين عاما الماضية والتي تضم بين جنباتها شبابا وشابات عمانيين يستحقون الثناء على التزامهم وتفانيهم نحو فنهم يعزى الى التوجيهات السديدة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ورؤيته السامية الثاقبة وثقته الكريمة في أبناء عمان وفي نجاح تأسيس هذه الاوركسترا ورعايته الكريمة الدائمة لها .

إلى الأعلى