الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب :ادفع بالتي هي أحسن

رحاب :ادفع بالتي هي أحسن

هناك امرأة تقوم جارتها باستمرار بإلقاء القمامة أمام باب شقتها، فتخترق تلك الروائح الكريهة والأذى باب وجدران شقتها. في البداية كانت تحسن الظن بجارتها وتطلب منها بكل أدب وكياسة أن تضع قمامة بيتها بعيدا، في مكانها المخصص. ولكن الجارة المتعنتة لم تستجب لها، واستمرت تتصرف نفس التصرف يوميا وتمعن في ذلك وتصر عليه إصرارا كما لو كان باب جارتها مكانا للفضلات. وبدأت تلك المرأة تعيش حالة من الضجر والامتعاض، وتكدس المشاعر السلبية في عقلها وفي جسدها، واحتلت تلك التصرفات الخرقاء محل تفكيرها وسيطرت عليها أفكار عدائية ومشاعر انتقامية تجاه تلك الجارة المزعجة. سألتني تلك المرأة ماذا تفعل حيال تصرفات جارتها؟ هل تترك شقتها؟ هل تشتكيها إلى الجهات المعنية؟ هل تفرغ غيظها وتفتك بتلك الجارة الرعناء؟ أخبرتها بأنها لو تصرفت بسلبية تجاه جارتها فكأنما توجه إليها مأسورة بندقية محشوة بالذخيرة القاتلة، لأن ردة فعلها تكون افراغ لطاقة سلبية تراكمت في عقلها الباطن بفعل الامتصاص والتكديس. ولكن هناك أسلوب تعلمناه من نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ الذي أرسله الله رحمة للعالمين وهو خير معلم وقدوة في التعامل مع صعبي المراس من الناس، ومن بين الأساليب الكثيرة التي نتعلم منها فن التواصل مع النوع الصعب من البشر، أسلوب تعامله مع رجل يهودي كان يؤذيه بإلقاء الشوك والقمامة أمام بيته، ولكنه صلى الله عليه وسلم كان يحتسب ويصبر و يقابل ذلك بطاقة الحب والتسامح ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) وفي أحد الأيام لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم قمامة اليهودي أمام بيته، فسأل عنه، فقيل له أنه مريض، فزاره صلى الله عليه وسلم للاطمئنان على صحته، وقد كان ذلك سببا لإسلامه. إن هذا المبدأ خير علاج للطاقة السلبية التي تصدر من بعض الناس غير الأسوياء. كل سلوك مشين لا يمكن أصلا أن يصدر عن شخص سوي، فهناك شخصيات من الناس تعاني أمراضا نفسية في شكل حقد أو اكتئاب أو حسد أو كراهية، وخير مداواة لهم؛ اتباع أسلوب (ادفع بالتي هي أحسن).
إن الحب ومقابلة السيئة بالحسنة ومخالقة الناس بخلق حسن هي طاقة نورانية نستمدها من الله نور السموات والأرض. تحضرني قصة قرأتها في كتاب عالم العقل الباطن الأميركي د. جوزيف ميرفي في كتابه تسخير قوة عقلك الباطن في حياتك العملية؛ تتناول القصة شخصا كان يعمل نادلا في فندق سياحي يرتاده سياح من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وكان من بين الذين يرتادون ذلك الفندق باستمرار مليونير بخيل ومتغطرس تجمعت في شخصه كل الصفات المذمومة، وكان يلحق الأذى بكل العاملين، وينتقد تصرفاتهم على مرأى ومسمع من نزلاء الفندق، ويتذمر باستمرار وكان ذلك النادل يتعامل معه كل يوم، ويلقى منه النقد وسوء المعاملة والشتائم، ولكن النادل صمم أن يطبق أسلوب تعلمه من رجل دين ويقوم على مبدأ (مقابلة السيئة بالحسنة) وهو أسلوب كوني في التعامل مع الأشخاص صعبي المراس، فبدأ ذلك النادل كل مساء قبل أن ينام يخاطب عقله الباطن الذي يتواصل من حيث لا يشعر مع كل العقول قائلا: إن الله يهتم بأمره. أنا أرى الخير بداخله وهو يرى الخير بداخلي. واستمر ذلك النادل طيلة شهر كامل يدرب نفسه على هذا الأسلوب متحررا من مشاعر البغض والكراهية. وفي غضون أقل من شهر بدأت معاملة ذلك الشخص البغيض تجاه عمال الفندق تتغير، وبدأ يشكر ذلك النادل ويثني عليه ويمتدح أسلوب تعامله مع الناس، وعند مغادرته للفندق أعطاه مكافأة 500 دولار. إن الأشخاص السلبيين الذين يتصرفون بكبرياء أو بعنجهية أو بكراهية أو يكيدون الشر لغيرهم؛ هم أشخاص غير اسوياء، يؤذون أنفسهم أكثر بكثير مما يتأذى منهم الآخرون، وتتآكل نفوسهم من الداخل وما تلبث تلك الكراهية والحقد أن تعبر عن نفسها في شكل أمراض نفسية جسمية ثم ما تلبث أن تقضي عليهم.
ذات يوم جمعتني ظروف سفري إلى مصر بعالم جليل ورجل أعمال ناجح هو المرحوم الدكتور حسن عباس زكي الذي توفي في العام المنصرم عن عمر 98 سنة. كان حديثه معنا أنا وزملائي مفيدا وإيجابيا للغاية، وفي نهاية زيارتنا له سألناه أن يُسدي لنا نصيحة مختصرة، وبسرعة بديهة قال: عندما تقابل شخصا ما أو تجمعك ظروف العمل معه أو تخالطه، اجعل عقلك مركزا على أفضل صفة فيه، حاول أن تكتشفها ثم اعمل على ايقاظها، وسوف تظهر لك واستدل بقول الله تعالى( ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى