الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هل يدخل “الاشتراكي ساندرز” البيت الأبيض

هل يدخل “الاشتراكي ساندرز” البيت الأبيض

أ.د. محمد الدعمي

” يطرح ساندرز في برنامجه أفكاراً غير نمطية في تاريخ الانتخابات الأميركية، إلا أن أهمها هو إدعاؤه بأن جبروت المال في الولايات المتحدة هو أكبر قوة تدميرية في أميركا لأن عبادة الدولار Cult of the dollar إنما يقود أميركا الى متاهات “لاأخلاقية”، خاصة عندما يتغلب “رأس المال” على “الديمقراطية الأميركية”، فيختطفها باتجاه خفض الضرائب على أصحاب المليارات،”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت المقالة المعنونة “هل يحيل ترامب الانتخابات الى سيرك” (الوطن 15 سبتمبر، 2015) قد ركزت على واحد من أهم المرشحين الجمهوريين في السباق الرئاسي للبيت الأبيض، دونالد ترامب، نظراً لأنه مثل ظاهرة غير مسبوقة، نسبياً، في تاريخ الانتخابات الرئاسية الأميركية. إلا ان هذا المرشح اليميني، الذي يحظى بأعلى تقديرات التفضيل حتى اللحظة، لايمكن قط أن ينفي حقائق عدة فرضها العصر الجاري علينا، ومنها احتمالات دخول رجل “اشتراكي” مؤسسة الرئاسة لأكبر دولة رأسمالية في العالم، الولايات المتحدة الأميركية.
هذا هو الأستاذ الجامعي “بيرني ساندرز” Bernie Sanders الذي يستحق إلقاء الضوء عليه وعلى برنامجه الانتخابي “الشجاع” الذي يكتسب صفته هذه من مجموعة من الأفكار التي تعد “ثورية” في أميركا. وإذا كانت هذه “السجية الثورية” وراء عدم فوز ساندرز في الانتخابات الرئاسية القادمة، فانها تلقي الضوء على ما يقض مضاجع قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي من مشاغل ومخاوف، قلق وحذر. وبكلمات أخرى، يشكل برنامج ساندرز الانتخابي نقداً ملتوياً لمؤسسة الرئاسة الأميركية، زيادة على نقده للنظام الرأسمالي عامة، ذلك النظام الذي تفتخر الولايات المتحدة بتمثيله عالمياً.
يطرح ساندرز في برنامجه أفكاراً غير نمطية في تاريخ الانتخابات الأميركية، إلا أن أهمها هو إدعائه بأن جبروت المال في الولايات المتحدة هو أكبر قوة تدميرية في أميركا لأن عبادة الدولار Cult of the dollar إنما يقود أميركا الى متاهات “لاأخلاقية”، خاصة عندما يتغلب “رأس المال” على “الديمقراطية الأميركية”، فيختطفها باتجاه خفض الضرائب على أصحاب المليارات، بدلاً عن خفضها عن الطبقات الوسطى والدنيا. هذا هو جوهر فكر الحزب الجمهوري الذي يناقضه ساندرز، فالحزب الجمهوري يؤمن بأن تغذية الأغنياء وخفض الضرائب عنهم وعن ممتلكاتهم يضعف من حركة التقدم والازدهار الاقتصادي: فالى المزيد من الإعفاءات الضرائبية لأصحاب المليارات.
وعلى نحو معاكس لهذا الخط الجمهوري في التفكير، يذهب ساندرز الى أنه من المعيب “على أميركا” أن لا تملك برنامجاً للضمان الصحي يشمل جميع المواطنين، بينما يوجد مثل هذا البرنامج، للجميع، في دول أقل غنى وثروات من أميركا، كالسويد والدنمارك وكندا. وبرأيه مبعث وسبب هذا الخلل هو أن ديمقراطية أميركا أضحت ديمقراطية العناية بالرأسماليين، بدلاً من العناية بالطبقات الأدنى مدخولاً، كالطبقة الوسطى التي يناضل ساندرز لدعمها.
لهذه الأسباب ينحي ساندرز بلائمة اختلال النظام التعليمي العالي في أميركا على ذات التوجه الاقتصادي والحكومي بالأغنياء فقط. لذا فانه، وكأستاذ جامعة، يعلن بأن هناك أعدادا كبيرة من الشبان المتوقدين ذكاءً وفطنة لا يلتحقون بالجامعات والكليات نظراً لعدم تمكنهم من دفع الأجور التي تتطلبها الدراسة في هذه الجامعات، ناقداً غياب العدالة الاجتماعية المتسببة بذلك. وآية ذلك، برأيه، هي أن هناك الملايين من الأميركان الذين يضطلعون بأكثر من عمل واحد أو وظيفة واحدة كي يلحقوا بركب الأميركان الذين يحافظون على أكثر من عمل واحد أو وظيفة واحدة كي يلحقوا بركب الضرائب والقوائم التي لا تنقطع، الأمر الذي يقود الى عزوف الشبيبة عن الالتحاق بالكليات والجامعات، على سبيل الالتحاق بسوق العمل لتلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم، بدلاً عن الجامعة.
لا يتوقف “بيرني ساندرز” عند هذا الحد في هجومه على دكتاتورية رأس المال والرأسمالية، إذ أنه يتهم هذا النظام الذي تنقصه العدالة الاجتماعية بـ”لا أخلاقية” تخريب الطبيعة وتدمير بيت الإنسانية المشترك، الأرض، بسبب عدم تمكن النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي تقوده واشنطن من لجم جشع أصحاب الرساميل الأسطورية وهم منغمسون في تدمير الأرض واستهلاك مواردها عبر التلوث، جرياً وراء تراكم المزيد من رأس المال.
يرنو ساندرز الى تحقيق الهدف الأساس لإصلاح مجتمعه، وهو إصلاح يقوم على مبدأ أن المجتمع المتحضر لايمكن أن يضم أناساً لايملكون حقوق الذهاب الى الجامعات أو الذهاب الى المستشفيات للتمتع بحماية طبية كاملة.
وغالباً ما يجد بيرني ساندرز نفسه في زاوية خانقة مع الصحفيين، عندما يسألونه: كيف يمكن تغطية الضمان الصحي لجميع الأميركان؛ أو تغطية التعليم الجامعي المجاني، إذ لم تكن الضرائب تجهز الدولة بما يكفي من المال لهذه الأغراض. هو لا يجيب بوضوح على هذه التساؤلات، ربما بسبب خشيته من محاربة الرأسماليين الكبار له، خاصة في هذه الأشهر، محاولاً الوصول الى خط انطلاق الانتخابات الرئاسية العام القادم بدون جروح أو كدمات موجهة اليه من أدوات رأس المال. وإذا ما تمكن رجل أسود دخول البيت الأبيض في الانتخابات السابقة، لن يكون من المستحيل دخول رجل “اشتراكي” اليه كذلك.

إلى الأعلى