الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محمد المحروقي يعيد وصل ما انقطع من حكايات زنجبار في كتابه “من الفرضاني”

محمد المحروقي يعيد وصل ما انقطع من حكايات زنجبار في كتابه “من الفرضاني”

مذكرات سجلت في عام 1992م خلال رحلة بحثية

مسقط ـ العمانية:
صدر للأكاديمي والباحث العماني محمد المحروقي عن مؤسسة بيت الغشام بمسقط كتاب ” من الفرضاني: يوميات رحلة إلى زنجبار وممباسا والبر الأفريقي”، وهو عبارة عن مذكرات سجلت في عام 1992م خلال رحلة بحثية قام بها المحروقي إلى زنجبار، وقدّم لها في عام 2006 لتصدر أخيرا في العام 2014م. ويسرد الكتاب بلغة لا تخلو من الطرافة أحداث الرحلة على مدى اثنين وعشرين يوماً امتدت من الأول من يوليو وحتى 22 من الشهر نفسه من عام 1992م. يشير المحروقي في مفتتح كتابه إلى أن الهدف من الرحلة إلى زنجبار – التي وصفها بالأرض الحبيبة تارة وبالفردوس المفقود تارة أخرى – ينقسم إلى شقين: موضوعي وآخر ذاتي، أما الموضوعي فهو التنقيب في أرشيف زنجبار عن ديوان شعري وعن قصيدة ضائعة للشاعر العماني أبي مسلم البهلاني، الذي أنجز فيه تاليا رسالته العلمية التي حملت عنوان “أبو مسلم البهلاني شاعرا”، أما السبب الذاتي الذي يفوقه أهمية فهو تلبية رغبته الدفينة في مشاهدة المكان الذي سمع عنه في طفولته، وعن حكايات المهجر الجميل، و”أغاني الطفولة التي ترقد في مكان مكين من ذاكرة الطفل” الذي كانه. يستند الكتاب في مادته على “دفتر بنفسجي” صغير ابتاعه المحروقي من زنجبار وحرص على تسجيل مشاهداته فيه خلال مراحل مختلفة من الرحلة، ثم أهمله كما يبدو لما يزيد على عقد من الزمان، وعندما عاد إليه وجد فيه من المتعة والطرافة ما أحب أن يشارك قارئه إياهما.
ويقول المحروقي في تفسير كلمة “الفرضاني” في عنوان كتابه انها “مأخوذة من الكلمة العربية “الفُرضة” وهي: “محط السفن من البحر” كما ورد في القاموس المحيط، وكما يشيع في الكتابات التاريخية وفي الاستخدام اللهجي. وعندهم هي مكان للترفيه على شاطئ البحر كان قديما ميناء للسفن. أما الآن فهي مقصد المستجمين من الأهالي والزوار يقصدونه بعد العصر إلى بُعيد المغرب” ويضيف: “وقد أسميت هذه السلسة بهذه التسمية إشارة إلى تمازج الأثرين، العربي والأفريقي الذي أنجب ثقافة أخرى تتصل بالاثنين بدرجة وشيجة. وبسبب الفارق الزمني الطويل بين تدوين الملاحظات، وإعادة كتابتها ضمن كتاب، فقد اعتمد الكاتب كليا على دفتر ملاحظاته، بعدما اكتشف عجز ذاكرته عن تذكر تفاصيل مهمة من حكايات ومواقف حدثت في مناطق مر بها في أول رحلته قبل اقتنائه للدفتر، ولم يعد متيسرا استعادتها من الذاكرة المحضة، يقول: “… دفتري البنفسجي لا يسجل لحظات من تلك الرحلة الجميلة، وأجد أن الذاكرة – التي طالما تغنيت بها – لا تسعفني بتكوين مشهد متكامل”، ثم يقول في السياق نفسه: “لهذا السبب أو غيره بقيت الصفحات الخاصة بزيارة (ممباسا) بيضاء كالثلج، ولا يحضر في الذاكرة سوى لقطات متفرقة لأماكن ووجوه خبرناها في هذه الرحلة”. ومثلما أسقط الدفتر ملاحظات ومشاهدات لبعض المناطق، فإنه أثبت في المقابل إشارات سريعة قد لا تكون ذات أهمية كبيرة للقارئ، منها على سبيل المثال المبالغ التي صرفها الباحث ومرافقوه في ممباسا على وجبة غداء أو في شراء بعض الفاكهة. أراد المحروقي لهذه المذكرات أن تصل إلى القارئ كما كتبها لأول مرة محتفظة بدهشتها الأولى بعين طالب شاب يسافر لأول مرة، ولم يبدُ أنه أحدث تغييرات كبيرة على ما أثبته في دفتره البنفسجي، رغم أنه سافر بعد تلك المرة ( الأولى) إلى زنجبار ورآها بعين أخرى، مكتفيا ببعض سطور لا تجاوز صفحة واحدة في كل من المقدمة التي أطلق عليها عنوان “مفتتح غير مهم”، والخاتمة التي أسماها “مختتم يمكن الاستغناء عنه”، وقد كتب الاثنتين المقدمة والخاتمة
في بيدفورد في العام 2006م. ولا يستطيع قارئ هذه المذكرات أن يغفل ملاحظة الفارق الزمني الطويل بين اللحظات الثلاث: التدوين المتزامن مع الرحلة في يوليو من العام 1992م، وكتابة المقدمة والخاتمة في بيدفورد في يوليو من العام 2006، ثم إصدار الكتاب في العام 2014م، فللكتاب على حجمه الصغير (59 صفحة) ثلاث ذاكرات متباعدة. ويبقى كتاب “من الفرضاني” كتابا مهما يضاف إلى أدب الرحلات في عمان، ورابطا أدبيا يوصل ما انقطع في تاريخ الجغرافيا العمانية، عبر رحلات البحث العلمي التي يقوم بها الطلبة العمانيون؛ سعيا خلف هواجسهم البحثية ورغباتهم الكامنة في السير على خطى الأجداد وذكريات الأمس وأغاني الطفولة التي أسهمت في تكوين حكايات الصغر.

إلى الأعلى