الخميس 25 مايو 2017 م - ٢٨ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تسوية ماذا في سوريا؟

تسوية ماذا في سوريا؟

”.. ما إن بدأ الأميركيون يتحدثون عن مبادرة جديدة بشأن سوريا ـ ربما بالتنسيق مع إيران ـ حتى بدأ البعض يتراجع عن تصريحاته باتجاه التسوية. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان عاد وقال إن تصريحاته بعد صلاة العيد فسرت خطأ بأنه يقبل بدور للنظام السوري في مرحلة انتقالية من اي تسوية.”
ـــــــــــــــــــ

منذ بدأت موجة هجرة اللاجئين السوريين إلى أوروبا عبر حدود تركيا مع بلغاريا او بحرا من شواطئ تركيا إلى شواطئ اليونان والبلقان أصيبت “الجهود السياسية” بالحمى لإيجاد حل ما في سوريا. صحيح ان رمي روسيا بثقلها العسكري في سوريا ربما قلب موازين كثيرة، خاصة مع تردي وضع ما تسمى “المعارضة المعتدلة” المدعومة من الغرب والقوى الإقليمية. ومع وصول الأزمة (انسانيا) إلى ابواب أوروبا، سارع العالم بالبحث عن حل! رغم أن السوريين يقتلون ويشردون منذ أربع سنوات. المهم أن الكل يتحدث الآن عن تسوية، وبدا أن أطرافا كانت تتشدد في ضرورة “اسقاط النظام” لم تعد تتمسك بهذا الشرط لأي تسوية، وصدرت تصريحات من قادة دول كبرى ودول اقليمية تتحدث عن مشاركة الرئيس الأسد في فترة انتقالية ضمن خطة تسوية.
وما إن بدأ الأميركيون يتحدثون عن مبادرة جديدة بشأن سوريا ـ ربما بالتنسيق مع إيران ـ حتى بدأ البعض يتراجع عن تصريحاته باتجاه التسوية. فالرئيس التركي رجب طيب أردوغان عاد وقال إن تصريحاته بعد صلاة العيد فسرت خطأ بأنه يقبل بدور للنظام السوري في مرحلة انتقالية من اي تسوية. والفرنسيون تشددوا بعدما كانوا أول من أبدى تغييرا في موقفهم عادوا للتشدد ـ وهذا طبع الفرنسيس عامة، في انتهازيتهم المنافقة. وعلى هذا المنوال سار أغلب القادة الأوروبيين، يتأرجحون بين ما يبدو لينا أو تصلبا في موقفهم من تسوية ما للأزمة في سوريا. بالطبع كل من هذه الدول له مصالح يسعى للحفاظ عليها، وآخر همه هو سلامة سوريا كبلد أو مصالح شعبها وتخفيف معاناته أو حتى وقف القتال والدمار. وتصريحاتها بشأن مواقفها ما هي إلا أدوات للحفاظ على تلك المصالح وتحقيق مكاسب أفضل في “مزاد تصريحات التسوية”.
لكن، تسوية ماذا في سوريا؟ هل هي تسوية يستعيد بها الروس مكانتهم في الساحة الدولية للمرة الأولى بعد نهاية الحرب الباردة، وذلك عبر ترتيب مع القوة العظمى الوحيدة التي تبقت ـ الولايات المتحدة؟ أم هي تسوية تأخذ في الاعتبار مصالح أطراف إقليمية تورطت بشكل مكثف في أزمة سوريا وتبحث عن مخرج لا يكلفها أكثر ويحقق بعضا من أهدافها الأولى على الأقل؟ أم تسوية تحول البلد إلى “سورياستان” على غرار ما حدث مع العراق من قبل ويحدث في ليبيا وغيرها الآن (والتعبير يعود إلى حالة الأفغنة الناجمة عن التدخل العسكري الدولي وانتعاش الإرهاب)؟ في الأغلب، فإن الإجابة عن السؤال الأول هي كل ما تلاه. ويزيد البعض أن أي تسوية ستفضي بالضرورة إلى تقسيم سوريا الحالية على أسس طائفية وعرقية وحسابات مطامع إقليمية ودولية.
لا شك أن أي تسوية في سوريا الآن هي جزء من اتفاق إيران مع القوى الغربية، المعروف إعلاميا باتفاق النووي الإيراني، حول قضايا المنطقة كلها تقريبا وليس فقط برنامجها النووي. ولا يمكن تصور أن تغيير الموقف الروسي جاء بدون ادراك موسكو لهذه الحقيقة. فالمصالح الروسية في سوريا قائمة منذ بداية الأزمة، والتدخل الأميركي/الغربي في الأزمة السورية يهددها منذ أكثر من أربع سنوات، فلماذا تتحرك عسكريا الآن مستخدمة القوة كورقة إلا إذا كانت ترى أن هناك تسوية مع قوة الطرف الإيراني المستمدة من تفاصيل غير معلنة لاتفاق طهران مع الغرب؟ هذا هو ما يجري الآن على الأرجح، وإن لم تكن النتائج محسومة بالضرورة فمهما كانت السيناريوهات وتفاصيل الصفقات فإن الأوضاع على الأرض تفرض نفسها.
تلك الأوضاع على الأرض هي ما يخص سوريا نفسها، أرضا وشعبا وشكل حكم ومستقبل بلد متماسك أو مفتت. أغلب الظن أن هذا لا يهم كثيرا لدى كافة “الأطراف المعنية” إلا بقدر ما يخدم مصالحها أو يتقاطع معها. أما الشعب السوري، الذي أصبح نصفه تقريبا مشردا في الخارج والداخل، فينطبق عليه المثل القائل “له رب اسمه الكريم”. وسوريا كبلد ربما تجد من بين سكانها ـ خاصة فصائل المعارضة ـ من يقترح لها ما اقترحه الأميركان من قبل للعراق (وإن لم يجهدوا أنفسهم في تنفيذه وتركوه للعراقيين المتناحرين ليفعلوه) من تقسيمات على أسس عرقية وطائفية: أكراد وشيعة وسنة. حتى ذلك لا يمكن أن يكون واضحا ومحددا بالنسبة لسوريا الآن، مع تجاذبات إقليمية ودولية حتى داخل تلك التقسيمات التي يتحدث عنها البعض الآن مع رواج الكلام عن التسوية.
ربما مرت للأسف النقطة التي كان يمكن عندها أن تظل سوريا بلدا موحدا له سيادة كاملة على اراضيه، وذلك قبل نحو عامين. وليس هنا، ولا الآن وقت تفصيل الأسباب ولا على من تقع المسؤولية. لكن، في ظل الحديث عن تسوية ما في سوريا، هذه نقطة مهمة يتعين لمن يريد أن يفهم ويستنتج أن يأخذها في الاعتبار حتى يمكن تصور أي تسوية ممكنة الآن. ومرة أخرى، ولا أظنها أخيرة، فالخاسر في أي تسوية هو سوريا ـ بلدا وشعبا وأرضا. وبمرارة شديدة نقول إن أهم بلدين في المشرق العربي (العراق وسوريا) دخلا بالفعل في حالة الأفغنة سابقة الذكر.

د.أحمد مصطفى كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى