الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في توطيد العلاقة بخير جليس .. صلاح الدنيا والآخرة

في توطيد العلاقة بخير جليس .. صلاح الدنيا والآخرة

سعود بن علي الحارثي

لا أشعر بتلك الحالة من الاطمئنان والراحة والسعادة في كليتها وشموليتها كما أشعر بها وأنا برفقة الكتاب, أنيس الوحدة ومبدد الوحشة والوفي دائما وأبدا للصداقة والعشرة, حتى وأنا غارق في زحمة العمل ومشاغل الحياة منصرف للوفاء بمتطلبات الأسرة وحقوقها, في السيارة أو المكتب أو المنزل أو في الأماكن العامة لا يكاد الكتاب يفارق يدي, وإن اقتصر الأمر على حمله ومرافقته وتأمل عنوانه وألوانه وهيئته والتعرف على مؤلفه والمجال أو الحقل الذي يتضمنه فذاك مما يعد عندي بمرتبة لوحة فنية جمعت من صور الإبداع ودقائق عناصره ما يأخذ بشغاف الفنان المبدع ويستحوذ على مشاعره وأحاسيسه فيظل يدقق في تفاصيلها لساعات دون أن يشعر بمرور الزمن وحركته, أصفف الكتب على طاولة المكتب أو في السيارة وفي غرفة النوم, فتجري عقارب الزمن وبمعيتها تنسحب الأيام والأشهر والسنة فلا أجد الفرصة والوقت لقراءتها أو مطالعة بعضها على أقل تقدير, فأحس بتأنيب الضمير والألم على أيام مرت لم تمكنني فيها الظروف من الوفاء بالتزامات الجدول الذي وضعته لمطالعة وقراءة العناوين التي تضمنها, وكنوع من ردة الفعل والتفاعل مع هذا الواقع أقوم بإجراء المناقلات بين تلك الكتب التي تشعرني بشيء من التجديد والراحة وكأنني أنهيت فعلا قراءة ما صرفته عن ناظري برهة من الوقت, كتب المكتب آخذها إلى السيارة وكتب اختارها من مكتبتي أحملها معي إلى المكتب وهكذا هو الحال, كتب ترحل معي أينما أسير إحساس غامر بالراحة والسعادة والألفة والحميمية جمعتني بالكتاب منذ كنت صغيرا, أجمعها من معارض الكتب ومن المكتبات ومن الأصدقاء ومن أسفاري إلى دول مختلفة, أقتني الكتب وأصففها في مكتبتي وأتلذذ بمشاهدتها والتواصل مع مؤلفيها وكتابها, تختلف الألوان وتتباين جودة الورق والجلد والطباعة, كتب كثيرة تحمل دور نشر متعددة ومن دول ومؤسسات وقارات مختلفة تعبر من حيث تعدد أشكالها وألوانها وتواريخ طباعتها وانتماءاتها إلى تطور أجهزة وأساليب الطباعة ودخول النظم والوسائل التقنية والمعلوماتية والحاسب الآلي بقوة إلى هذا المجال الخصب والوفير بالمنتج العلمي والمعرفي والثقافي. أواصل القراءة متنقلا من بستان إلى آخر, لا أقف في طابور وقاعة انتظار لإنهاء معاملة أو مراجعة طبيب, ولا أخذ أسرتي إلى مجمع تجاري أو ترفيهي أو زيارة أرحام إلا وذلك الأنيس في يدي يمتص ساعات الانتظار والقلق فلا أشعر بها وهي تودع عالمنا لتصبح من الماضي في حركة دقيقة ومتوازنة, يعالج لحظات القهر وارتفاع الضغط كلما طالت ساعات الانتظار يشغلني عن متابعة ومراقبة مشاهد لا أود رؤيتها كأن تنجز معاملة من وصل للتو لأن له صديقا أو قريبا ميزه عن الآخرين الذين جاءوا قبله بوقت طويل أو لأنه من أصحاب الوجاهات والنفوذ والمال فلا تعوق معاملته عائق ولا يؤخره عن إنجازها الفوري معوق, أو أن ينشغل الموظف المكلف بإنهاء معاملات المواطنين والتعامل معهم بتهذيب بنقاله متنقلا من الواتسب إلى التويتر والرسائل أو الإجابة على مكالمات تولد من رحم الفراغ وانعدام المسئولية والمظاهر الزائفة, أو التعامل مع المراجعين بشيء من الغلظة والشدة والاستهتار .. أعترف بأن عائدي من المطالعة ضعيف وحصيلتي من تلكم القراءات وتجميع الكتب لا تصل إلى الطموح والتطلعات, فاستيعابي بطيء وذاكرتي كثيرا ما تخذلني وقراءاتي ترتبط أكثر ما ترتبط بالمتعة والهواية والشغف بالكتاب, ومع ذلك فأنا أشعر بالراحة وأراني من ذوي الحفوظ إن وفقني ربي ووجهني إلى هذه الهواية فانشغلت بها عن غيرها من بواعث اللهو والمظاهر الخادعة والهوايات والبدع التي تستنزف الوقت والمال والسلوكيات والقيم, ولا عائد منها ينفع الإنسان, فلا هي تفضي إلى خدمة الوطن ولا تحقق المصالح العليا للمجتمع, لا في ثقافة أوعلم أوأخلاق أو مال أو مبادرات نافعة بل العكس هو الصحيح .. إنني أفضل الكتاب على ما عداه وإن كان الأثر أقل مما هو مؤمل .كما ذكرت, أجل الشخص الذي يوجه ساعات فراغه ويستثمر بعضا من وقته في المطالعة وفي تعزيز علاقته بالكتاب, أتمنى أن أرى جل أبنائنا وبناتنا وفي رفقتهم الكتاب أينما ساروا وارتحلوا , أتوق إلى تلك المشاهد والصور التي ألتقطها ويتحدث عنها الآخرون في أوروبا وبلدان الغرب بالأخص حيث نرى الناس والكتاب لا يفارقهم: في وسائل النقل, وفي الطوابير وفي المناطق والمواقع التي يقضون فيها إجازاتهم, نراهم منسجمين مستمتعين برفقة الكتاب, بمحاوره ومضامينه وبياناته وأسلوبه الشيق وطريقة عرضه, بما يحتويه من ثقافات الشعوب والحضارات وآدابها وعلومها وتاريخها .. تنطلق وسائل النقل العام بأقصى سرعتها, تقف في المحطات الواحدة تلو الأخرى, تدخل جموع البشر وتخرج, وآخرون ممسكون بالكتاب غارقون في صفحاته يأخذون بما فيه من رحيق العلم والمعرفة .. لا تعنيهم تلك المشاهد والصور والمواقف في شئ إلى أن تصل محطاتهم ويأتي دورهم, أجمل النصائح التي يقدمها لي صديق هي تلك التي ترشدني لاقتناء أو تصفح كتاب قيم قرأه هو فأعجب به وتفاعل مع مضمونه وموضوعه واستحسن أن يقدمه إلى صديق يدرك مكانة الكتاب في نفسه وفي جدوله اليومي, وقدر بأن نصيحته سوف تدخل السعادة والبهجة إلى قلبه, وأنفس الهدايا المقدمة من صديق أو قريب هي الكتاب مهما كان موضوعه أو مضمونه أو عنوانه .. وقد اعتدت تكليف أي مسافر تربطني به معرفة وأعلم مسبقا وجهته, اعتدت تكليفه بأن يحضر لي معه كتابا أساعده في عنوانه أو أترك له مسألة الاختيار إذا كان ملما بعالم الكتب خبيرا بمؤلفيها مولعا بالقراءة والإطلاع, دون تردد مني أو خجل يرتبط بمسألة التكليف وإشغال المسافر عن أهدافه. هي رسائل أوجهها إلى الآباء والأمهات والمربين بمناسبة انطلاق فعاليات وأنشطة معرض الكتاب في مسقط, عودوا أبناءكم على المطالعة والقراءة, خذوهم إلى معرض الكتاب وإلى المكتبات العامة والخاصة, أقيموا مكتبات ولو صغيرة في منازلكم, حببوهم في الكتاب كونوا حريصين على نشوء علاقة وثيقة بينهم وبين جليس المتنبي الذي وصفه ب (( خير جليس)), ففي ذلك خير الدنيا والآخرة, العلم والثقافة والمعرفة ومعهما تأتي قوة الشخصية والعمق في التفكير والاعتماد على النفس والقدرة على اتخاذ القرارات والانتصار للقيم الأخلاقية والإنسانية والشعور بالمسئولية وتعزيز دورها في الحياة العامة, وفي ذلك صلاح للوطن ومنافع جمة للمجتمع, أيها الشباب تسلحوا بالعلم والمعرفة بالاعتماد على القراءة والمطالعة, عززوا ثقافتكم ومعلوماتكم ومهاراتكم وقوموا أخلاقكم وساهموا في بناء بلادكم وأنفسكم وفي إعلاء شأنكم, تداركوا أوقاتكم الضائعة وجهودكم وطاقاتكم المهدرة ووجهوها نحو العلم والمعرفة وتأكدوا بأن الكتاب هو المعول عليه أولا وأخيرا في تحقيق الغايات والأهداف الكبيرة …

إلى الأعلى