الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الحج رحلة تربوية عظيمة “2″

الحج رحلة تربوية عظيمة “2″

أحمد محمد خشبة :
من عظيم فضل الله علينا ومنته أن جعل عقيدتنا وشريعتنا من الروافد الأساسية في تربية النفس وتقويمها والرقي بالذات نحو مدارج الكمال ومعالي الأمور.
فالإيمان بالله كفيل بغرس الهيبة في النفوس لعظمته وجلاله سبحانه .. والإيمان بالملائكة يربي فينا المراقبة الذاتية .. وتأمل معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى يفيض على النفس شعوراً بقرب السميع العليم البصير فلا تجنح نفس المؤمن للخطأ ويطرد اليأس عنا معاني الحكيم العليم الخبير .. وهكذا في سلسلة من النور والبهاء والعزة تستمد من هذه الأسماء والصفات لله الكبير المتعال وهي جديرة بالدراسة والتأمل من العلماء المسلمين.
وأما الشريعة الغراء فلها ما للعقيدة من أثر سامي، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتعود على الانضباط والإتقان، والزكاة مدرسة للبذل والعطاء وطهرة للنفوس، والصيام يعلم الصبر بأنواعه ويوحد مشاعر المجتمع في حالة يعز نظيرها. وهذه القضية عامة في جل العبادات غير أن لها ظهوراً ومزيد جلاء في عبادة عظيمة تعاقب على أدائها الأنبياء والصالحون وسيبقى ولع المسلمين بها وشوقهم إليها إلى أن يأتي أمر الله سبحانه؛ وهذه العبادة هي الحج التي تجعل للعبد فرصة الخروج من ذنوبه وآثامه كيوم ولدته أمه كما صح بهذا الخبر عن النبي (صلى الله عليه وسلم.(
.. واليوم نكمل ما بدأناه في حلقة سابقة حول آثار الحج التربوية على الفرد والأمة ما يأتي:
8 ـ التربية على الاستسلام والخضوع لأمر الله تعالى والمجاهدة فيه:
ويكون هذا بإيثار محاب الله ومرضاته على رغبات النفوس وشهواتها؛ مما يقود إلى مرتبة أعلى ومنزلة أسمى حين لا يكون للعبد إيناس ولا استئناس إلا بما يرضي الرب سبحانه؛ وحينها يبلغ إيمان المسلم درجة عالية عزيزة بفضل الله وتوفيقه.
9 ـ تعميق معاني الأخوة الإيمانية والوحدة الإسلامية:
فالحج مؤتمر إسلامي عالمي كبير، تتحقق فيه الوحدة في مصدر التلقي وفي قصد القلب وعمل الجوارح وفي الزمان والمكان واللباس والذكر والمناسك، وتذوب فوارق اللغة واللون والإقليم بين المسلمين في حالة هي الأصل ﻷن اﻷصل هو وحدة المسلمين ﻻ تفرقهم وتشتتهم واختلافهم.
10 ـ ربط الحجيج بأسلافهم:
حيث تحمل أعمال الحج في مضامينها ذكرى أبينا إبراهيم عليه السلام ورحيله بزوجه هاجر وابنه الرضيع إسماعيل عليه السلام إلى مكة وماكان من أمرهم مروراً بباقي الركب الميمون من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وصولاً إلى حجة الوداع مع خير الرسل وخاتمهم، ثم استكمالا للمسيرة مع الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين إلى وقتنا هذا وكم في سير أولئك الكبار من دروس وعبر وكم فيهم من قدوة ومعتبر.
11ـ الإكثار من ذكر الله تعالى:
والحج شعيرة يملئها الذكر ويمنحها مزيداً من الجلال والبهاء؛ قال سبحانه:فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (البقرة (198 . ، وفي الحديث:)إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله في الأرض).
12 ـ التعود على النظام والانضباط:
فللمناسك ترتيب ونظام لا يقبل الإخلال بهما؛ وكم في الناس من مزاجية واضطراب لا تنضبط إلا بالحج.
13 ـ التربية الإيمانية:
ومنها :التربية على النفرة من المعاصي واجتناب الذنوب:(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ).
التربية على الاجتهاد في الطاعات واستغلال الوقت: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ((البقرة ـ197).
التربية على الدعاء والمسألة ولذة مناجاة الله : (خير الدعاء دعاء عرفة (وفي الحج ست مواضع قمينة بإجابة الدعاء فضلاً من الله ومنة وهي: الطواف، الصفا والمروة، يوم عرفة، عند المشعر الحرام، بعد رمي جمرة العقبة الصغرى، بعد رمي جمرة العقبة الوسطى علماً أن الحج كله سوق رائجة رابحة للدعاء والابتهال والاستغفار.
التربية على الاستقامة بعد الحج وغفران الذنوب وتبييض الصحائف، قال الحسن البصري ـ رحمه الله:(الحج المبرور أن يرجع زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة، ويشهد لذلك قوله تعالى : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ((محمد ـ17).
14 ـ تربية النفس على لدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
فاجتماع الناس وجهل بعضهم أحكام الحج فرصة سانحة لدعوتهم وتصحيح مفاهيمهم وتقويم سلوكهم؛ كما أن وجود البدع والمنكرات وربما الشركيات يحتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال شجاع بن الوليد: (كنت أحج مع سفيان؛ فما يكاد لسانه يفتر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهباً وراجعاً(.
15 ـ وفي الإحرام تربية:
حين يحرم المسلم نفسه ما أباحه الله من متع الدنيا ومتاعها وزينتها لغير المحرم، فكيف بالمحرمات على الدوام؟ ولم ينغمس البعض في حرام لا مرية فيه بينما يتحرز من حلال حرم عليه مؤقتاً؟.
16 ـ وفي التلبية تربية: ففيها تحقيق توحيد القصد وإجابة أمر الله ومعاهدة على الطاعة إثر الطاعة ومخالفة لطريق المشركين؛ فإذا لبى الواحد داعي الله السنوي فما باله يتكاسل عن داعي الله اليومي؟ .الصلاة.
17 ـ التربية على صدق العزيمة وقوة الإرادة:
فمن حج البيت فقد أرغم هواه وغالب لذة الراحة والدعة ومضى لأمر يعلم مشقة غير ملتفت لمخذل أو مرجف أو صارف وما أكثر الصوارف !وما أعلى صياح المخذلين بالحجج الواهيات والتوهيمات الساقطات!..
18 ـ التربية على هجر العوائد وقطع العلائق وتغيير نمط الحياة:
فالعوائد ما اعتاده الواحد من سكون ورخاء، والعلائق ما تتعلق به القلوب من دون الله من ملاذ الدنيا وأناسها، ويكون هجرها بقوة التعلق بالمطلب الأعلى وهو رضا الله سبحانه وسلعته الغالية.
19 ـ وفي الحج تدريب عملي:
فالحاج هو المسؤول عن إتمام المناسك لا غيره؛ وقد يكون في حملة أو رفقة فيتولى بعض أمرهم ويتاح له من التطبيق العملي والتدريب المكثف ما لم يكن متاحاً له بغير الحج.
20 ـ وفي الحج تربية على التعلم والتعليم:
فالحاج يتعلم مناسك الحج ومحظوراته وقد يحضر دورة قبل الحج أو يسأل مفتياً في أثناء الحج وحسن السؤال نصف العلم؛ وقد يضبط الأحكام ويحمل من الفتاوى وكتب العلماء ما ينقلها لغيره .
اللهم يسر لنا حجاً مبرورا وسعيا مشكوراً واغفر اللهم لكل من تلهفت نفسه وتاقت للطواف والوقوف والصلاة خلف المقام …برحمتك يا حنان يا منان … يا رب العالمين … وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.
*khashaba1971@hotmail.com

إلى الأعلى