الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ليس هكذا تسوى قضية القدس!

ليس هكذا تسوى قضية القدس!

جواد البشيتي

السلطة الفلسطينية، ومع أنَّها تَعْتَبِر القدس الشرقية أرضًا محتلة إسرائيليًّا، تبدو حريصة على تشجيع المسلمين على زيارة الحرم القدسي بمسجديه (“الأقصى” و”قبة الصخرة”). وهي في توجهها هذا تلقى دعمًا من مؤسسات ومنظمات وجهات إسلامية دولية عدة؛ فالفكرة الجوهرية الكامنة في هذا التَّوجُّه هي أنَّ زيادة أعداد الزوار المسلمين للقدس الشرقية والحرم القدسي تمثِّل شكلًا (عربيًّا وإسلاميًّا) من أشكال مقاومة الاحتلال الإسرائيلي للمدينة المقدسة، ورفضًا للأمر الواقع الإسرائيلي، ولسياسة التهويد، ولضمِّ إسرائيل إليها، وإعلانها جزءًا من عاصمتها الأبدية الموحدة.
والمفارقة أنَّ السلطة الفلسطينية تعلن استعدادها لتقديم كل ما يلزم من تسهيلات لاستقبال أكبر عدد ممكن من الزوار العرب والمسلمين للقدس والمسجد الأقصى وهي التي لا تملك من السلطة الفعلية ما يسمح لها بالوفاء ولو بنزر من وعودها وتعهداتها!
وقد رأينا إسرائيل (أو بعضها) تفتعل أزمة في العلاقة مع الأردن؛ وكان ذلك حين شرع الكنيست يناقِش مشروع قانون، تقدَّم به النائب موشي فيغلين، وهو عضو في حزب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويَنُص (مشروع القانون هذا) على “بسط السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى”؟
البرلمان الأردني “قرَّر” طرد السفير الإسرائيلي، واستدعاء السفير الأردني؛ ودعا النواب الحكومة إلى تقديم مشروع قانون يلغي اتفاقية وادي عربة، إذا ما أَقَرَّ الكنيست السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى؛ وكان للسلطة الفلسطينية موقِفًا يَعْدِل الموقف الأردني في غَضَبِه من إسرائيل، وعليها. وبموجب اتفاقية وادي عربة، يتولَّى الأردن الإشراف على المسجد الأقصى.
“القدس الشرقية”، وفي القَلْب منها يَقَع “الحرَم القدسي”، الذي يَضُم المسجد الأقصى، وقُبَّة الصخرة، والفناء الواسع بين المسجد والقُبَّة، هي جزء من أرضٍ فلسطينية، احتلتها إسرائيل من الأردن، في حرب 1967؛ ثمَّ وسَّعَت حدود “القدس الشرقية” بضَمِّها مناطق مجاوِرة لها إليها؛ ثمَّ وَحَدَّت القدس الشرقية والقدس الغربية ، التي كانت جزءًا من إقليم دولتها قبل الحرب، مُعْلِنَةً “القدس الكبرى الموحَّدة” عاصمة أبديةً لها؛ وهذا عَنَى ضِمْنًا بسط السيادة الإسرائيلية حتى على المسجد الأقصى؛ وإسرائيل لم تُعْلِن قَطْ ما يمكن أنْ يُفْهَم منه أنَّ “الأقصى” مستثنى من سيادتها هذه.
حتى في اتفاقية وادي عربة، التي أسَّست للسلام بين الأردن وإسرائيل، لم نَرَ ما يمكن أنْ يُفْهَم منه أنَّ الأردن قد اقْتَطَع “المسجد الأقصى” من القدس الشرقية المشمولة بالسيادة الإسرائيلية؛ ولَمَّا صَوَّر السلام مع إسرائيل على أنَّه نُتاج تفاوض، أساسه مبدأ “الأرض في مقابل السلام”، لم يَقُلْ قَطْ أنَّ “الأقصى” جزء من تلك الأرض التي استعادها، أو كان يعتزم استعادتها؛ فكل ما حَصَلَ عليه لم يتعدَّ قبول إسرائيل إشراف الأردن على المسجد الأقصى؛ وهذا الإشراف (الإداري الشكل والمحتوى) لا يتناقَض مع استمرار السيادة الإسرائيلية (والتي هي في أصلها “احتلال”) على “الأقصى”، بصفة كونه جزءًا من “القدس الشرقية”، بصفة كونها جزءًا من “القدس الكبرى الموحَّدة، والعاصمة الأبدية لإسرائيل”.
وبين ملك الأردن ورئيس السلطة الفلسطينية وُقِّعَت، في عَمَّان، “اتفاقية” في شأن “الأماكِن المقدَّسة في القدس”، وُصِفَت بأنَّها “اتفاقية تاريخية”. وهذه الاتفاقية عُرِّفَت، مع موقِّعيها، على النحو الآتي: “اتفاقية بين جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدَّسة في القدس، وفخامة الرئيس محمود عباس، رئيس دولة فلسطين، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية”.
الملك، وبصفة كونه “صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدَّسة في القدس”، وقَّع “الاتفاقية”؛ أمَّا “الرئيس (أيْ عباس)” فوقَّعها بصفة كونه، أيضًا، “رئيس دولة فلسطين”.
وكان تساؤل عن كلمة “الوصاية”، لجهة معناها الذي يرتضيه “منطق الاتفاقية”، أيْ “منطق كل اتفاقية” تُبْرَم بين “أطرافها السامية”.
وفي عبارة، أو عبارتيِّ، “الأماكن المقدَّسة في القدس”، كان التساؤل: “عن أيِّ قدس تتحدَّث الاتفاقية؟”، و”هل الأماكِن المقدَّسة هي الإسلامية والمسيحية فحسب؟”؛ لأنَّ الاتفاقية نفسها عَرَّفَت “المسجد الأقصى”، المشمول برعاية “صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدَّسة في القدس”، على أنَّه مُقام على مساحة 144 دونمًا، ويضم الجامع القبلي ومسجد قبة الصخرة، وجميع مساجده ومبانيه وجدرانه وساحاته وتوابعه فوق الأرض وتحتها والأوقاف الموقوفة عليه أو على زواره (ويُشار إليه بـ”الحرم القدسي الشريف”)”؛ وإنَّ “حائط المبكى”؛ وهذا أمْرٌ لا ريب فيه، ليس إلاَّ جزءًا من تلك “الجدران”؛ وما يشمل “الكُل” يجب أنْ يشمل “الجزء”.
وما أثار حفيظة إسرائيل أيضًا كان عبارة “تحتها”؛ لأنَّها تعني أنَّ “الاتفاقية” ترفض، ضِمْنًا، حلًّا من قبيل أنْ تكون لإسرائيل التلمودية السيادة على “تحت” هذا “الحرم القدسي الشريف”.
إنَّ “الدور الهاشمي” في القدس إنَّما هو، على ما ورد في “الاتفاقية”، “دور الحماية والرعاية والإعمار للأماكن المقدَّسة (منذ سنة 1924)”. وهذا إنَّما يعني أنَّ “الحماية”، وبمفهومها، أو معناها، “التاريخي”، لا تعني حماية هذه الأماكن من إسرائيل، التي لم تكن موجودة سنة 1924، وإنْ كان وجودها، مع مخاطره على هذه الأماكِن، كامنًا في “وعد بلفور”، وفي “الممارسات اليهودية” لسلطة الاحتلال البريطاني في فلسطين.
لقد اعترف الرئيس عباس، بتوقيعه هذه “الاتفاقية”، للعاهل الأردني بِمِلْكِيَتِه (الحصرية) لهذه الصفة، التي شرحت “الاتفاقية” كيفية اكتساب الملك لها إذْ قالت: “بناءً على دور الملك الشريف الحسين بن علي في حماية ورعاية الأماكن المقدَّسة في القدس وإعمارها منذ سنة 1924، واستمرار هذا الدور.. في ملك المملكة الأردنية الهاشمية من سلالة الشريف الحسين بن علي حتى اليوم، انطلاقًا من البيعة (أيْ بيعة أهل القدس وفلسطين له في 11 آذار سنة 1924) التي بموجبها انعقدت الوصاية على الأماكن المقدَّسة للشريف الحسين بن علي؛ وقد آلت الوصاية على الأماكن المقدَّسة في القدس إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين..”.
ووجه الشبه بين اليوم والبارحة، في هذا الشأن، إنَّما هو “الاحتلال”؛ ففي سنة 1924 كانت فلسطين خاضعة للاحتلال البريطاني؛ واليوم، يخضع إقليم دولة فلسطين (الافتراضي) والذي يشمل، أيضًا، القدس الشرقية، للاحتلال الإسرائيلي.
السيادة على القدس الشرقية لِمَن؟ إنَّها ليست لإسرائيل، ولا للأردن؛ إنَّها، وُفْق هذه “الاتفاقية”، لـ “الدولة الفلسطينية”؛ فهذه الدولة هي التي يحقُّ لها فحسب بسط سيادتها على كل القدس الشرقية، وعلى “الأرض المقام عليها المسجد الأقصى (الحرم القدسي الشريف)”، بصفة كونها جزءًا من إقليم هذه الدولة. وهذه السيادة تشمل حتى “حائط المبكى”، و”تحت” الحرم القدسي.
لإسرائيل التي ما زالت تحتل القدس الشرقية، مع الحرم القدسي، تقول “الاتفاقية”: الملك هو، وحده، صاحب الوصاية وخادم الأماكن المقدَّسة في القدس، و”دولة فلسطين” هي، وحدها، صاحبة السيادة على القدس (الشرقية) والحرم القدسي.
قبل هذه “الاتفاقية”، اعترفت إسرائيل للأردن (في معاهدة وادي عربة) بحقِّه في رعاية (أي في الاستمرار في رعاية) الأماكن المقدَّسة (الإسلامية والمسيحية) في القدس؛ وقُبَيْلها، اعترفت القمة العربية في الدوحة بالدور الهاشمي التاريخي في القدس.
لكن كل ذلك يَفْقِد أهميته، أو كثيرًا منها، ما بقي الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية؛ وهذا إنَّما يشدِّد الحاجة إلى “اتفاقية” لحلٍّ نهائي ودائم لمشكلة القدس (الشرقية) مع حرمها القدسي.

إلى الأعلى