السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / قضايا / قضايا: الصين وإسرائيل كيف عبرت تل أبيب سور الصين العظيم؟
قضايا: الصين وإسرائيل كيف عبرت تل أبيب سور الصين العظيم؟

قضايا: الصين وإسرائيل كيف عبرت تل أبيب سور الصين العظيم؟

مقدمة:
يشير بعض الباحثين إلى أن مدينة “هاربين” الصينية كانت تضم أعداداً كبيرة من اليهود في النصف الأول من القرن العشرين، حيث كان هؤلاء يعدون المدينة بمثابة ملاذ لهم في وسط الفوضى والحروب والثورات التي شهدها العالم في تلك المدة .ويقول (نائب رئيس مركز الأبحاث اليهودية في أكاديمية هيلوجيانج للعلوم الاجتماعية) لي شو كسياو: إنّ اليهود قدموا إلى الصين منذ عام 1899 على الأرجح، وذلك وفق ثلاث موجات أو مراحل من الهجرات حيث كانت الموجة الثانية من المهاجرين عام 1917 إثر الثورة البلشفية في روسيا، أما الموجة الثالثة بعد ذلك بـ12 عاماً إثر نزاع صيني روسي على الحدود فيما قدّر عدد اليهود آنذاك بـ20 ألف يهودي. و يقول بان جوانج (أستاذ التاريخ في معهد الدراسات الأوروبية والآسيوية في مدينة شنغهاي): إن معظم اليهود الروس قدموا إلى الصين أصبحوا فيما بعد عماد الطبقة الوسطى بعد أن آتت جهودهم أكلها، لكن الأوضاع والتطورات السياسية التي سادت بعد ذلك جعلت من العسير على اليهود مواصلة الحياة في الصين، مما أدى إلى خروجهم من جديد في أوائل الخمسينيات.
ــــــــــــــ
بدأت العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين الصين واسرائيل في عام 1992، بالرغم من أن اسرائيل كانت الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي سارعت بالاعتراف بجمهورية الصين الشعبية في بداية خمسينيات القرن الماضي. يومها قال رئيس الوزراء الاسرائيلي الأسبق دافيد بن جوريون إن القارة الآسيوية مهمة من الناحية الاستراتيجية بسبب الكثافة السكانية ورأى ان الصين والهند ستصبحان في غضون عدة عقود دولتين عظميين، على حساب الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة اللتين ستفقدان تدريجيا نفوذهما على الساحة الدولية. وفي العام 1954 صرح وزير الخارجية الصيني شو ان لاي ، بان بلاده على وشك انشاء علاقات دبلوماسية مع اسرائيل. الا ان جملة من الاسباب، منها موقف إسرائيل من الحرب الكورية دفع الصين الى اعتبار اسرائيل حليفة للامبريالية وعلى هذا الاساس اتخذت الصين مواقف داعمة للحقوق العربية والمعادية للاحتلال الاسرائيلي في مؤتمر باندونغ في 1955 وساندت مصر ضد العدوان الثلاثي عام 1956، ورفضت طلب وفد الحزب الشيوعي الاسرائيلي اثناء حضوره للمؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي الصيني في سبتمبر 1956 والداعي الى اقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل.
وتدهورت العلاقات تماما بين الطرفين في الستينيات بسبب وقوف اسرائيل عام 1962 مع الهند ومدها بكافة انواع الاسلحة في حربها مع الصين، واقامتها لعلاقات وثيقة مع تايوان ومع كل دول جنوب شرق اسيا الموالية للولايات المتحدة والمعارضة للصين. وشهد عقد الستينيات اقامة العلاقات السرية بين الصين ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، عندما زار ياسر عرفات وجهاد الوزير ( من فتح) بكين بناء على دعوة من شو ان لاي أثر لقاء الزعيمين في قمة دول حركة عدم الانحياز التي عقدت في الجزائر(1964) وتبعه استقبال بكين لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية احمد الشقيري عام 1966 والتقى بالرئيس ماو تسي تونج ووزير الخارجية شو ان لاي وغيرهما من القيادة الصينية واعترفت بكين يومها بالمنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني وافتتاح مكتب تمثيلي يتمتع بكامل الحقوق الدبلوماسية لها في العاصمة بكين، ودعم المقاومة الفلسطينية في نضالها ضد الاحتلال الاسرائيلي عسكريا وماديا، ويمكن القول بان الصين كانت آنذاك قد تبنت تماما الاهداف والمطالب الفلسطينية الداعية الى تحرير الاراضي الفلسطينية التي احتلتها اسرائيل واقامت عليها دولتها عام 1948 . وبعد حرب 67 وقفت الصين الى جانب الدول العربية في نضالها الهادف الى استعادة الاراضي المحتلة. الا أن السبعينيات شهدت تحسنا ملحوظا في علاقات اسرائيل بالصين حيث صوتت اسرائيل لصالح قبول الصين في الامم المتحدة اكتوبر 1971 ، كما ساهم التقارب الصيني – الأميركي، وخاصة بعد زيارة الرئيس الأميركي نيكسون للصين عام 1972، تهيئة الأجواء لأي تقارب بين بكين وتل أبيب، ناهيك عن بعض التطورات الأقليمية، خاصة معاهدة كامب ديفيد ، ونهاية الحقبة الماوية وسقوط الجناح اليساري في الحزب الشيوعي الصيني والمتمثل بما عرف بعصابة الاربعة عام 1976 ، وسيطرة الجناح الانفتاحي على قيادة الحزب والدولة ممثلا بدنج شياو بنع عام 1978 ، حيث اتسمت السياسة الصينية بالمرونة والانفتاح والتعاون مع القوى الغربية، وبدى على سياسة الصين الخارجية بوادر تحول سريع مع نهاية عقد السبعينيات وراحت تميل نحو مد جسور اعادة الثقة واقامة العلاقات مع الدول التي كانت بالامس تعتبرها من القوى الرجعية الموالية للامبريالية الاميركية كاسرائيل وكوريا الجنوبية، واتخذت مواقف معتدلة وانتهجت سياسة مرنة إزاء العديد من المشكلات الدولية بصفة عامة والصراع العربي – الإسرائيلي بصفة خاصة، بالإضافة الى تفاقم الخلاف بين موسكو وبكين، خاصة توغل موسكو في شرق آسيا، ونظراً لأن إسرائيل تقف في وجه التوغل السوفيتي في تلك المنطقة فإن الصين وجدت نفسها تقف إلى جانب إسرائيل. لقد شهدت تلك الفترة أول اتصال رسمي معلن بين إسرائيل والصين وكان ذلك عام 1978 عندما اجتمع مندوب الصين الدائم في الأمم المتحدة مع وكيل وزارة الخارجية الإسرائيلية، بالإضافة الى الاتصالات العسكرية السرية التي سنتحدث عنها لاحقا . في اوائل الثمانينيات، نشرت وسائل الاعلام الغربية معلومات مفادها ان اسرائيل والصين تقيمان تعاونا معينا في المجالين الامني والتكنولوجي. وفي الوقت ذاته، طرأ تحول تدريجي وحذر على موقف الصين الرسمي من اسرائيل، مع تأييد الحكومة الصينية لمعاهدة كامب ديفيد، وفي تصريحات المسؤولين الصينيين بالاعتراف باسرائيل. في سبتمبر 1988 ، تم اول اتصال رسمي على مستوى عال بين الصين واسرائيل، وذلك على هامش اجتماعات الجمعية العامة، حيث اجتمع وزير الخارجية الاسرائيلي شمعون بيريز مع نظيره الصيني تشيان تشي تشن. وفي يناير 1989 التقى وزير الخارجية الصيني تشيان تشي تشن مع نظيره الاسرائيلي موشي ارنز في باريس حيث دلت التصريحات انذاك على امكانية اقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ومع ذلك ظلت الصين ترفض اقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع اسرائيل. وعقد الجانبان عددا من جولات الحوار التي عقدت بين البلدين في هونج كونج ادت في نهاية المطاف الى انشاء مكتب تمثيلي لاكاديمية العلوم الانسانية الاسرائيلية ببكين في فبراير 1989، في الوقت الذي فتحت الصين فيه مكتبا سياحيا لها في تل ابيب يقوده دبلوماسي من وزارة الخارجية الصينية. هذه التطورات كانت مدفوعة بعدد من التغيرات التي شهدتها الخارطة الدولية، مثلا إقامة موسكو وعدد من دول حلف وارشو علاقات لها مع اسرائيل، ثم انهيار الكتلة السوفيتية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول النظام الدولي من ثنائي القطبية الى احاديها ودفعت في اتجاه إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين في 1992 في اعقاب انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991
وسقوط الشاه وبحث إسرائيل عن أسواق بديلة لصناعاتها الحربية. بعدها تطورت العلاقات بين الجانبين في مختلف المجالات، خاصة العسكرية والتجارية. ازداد حجم التبادل التجاري بينهما باطراد خلال السنوات، حيث بلغ في 2013 اكثر من ثمانية مليارات دولار. وكانت الدولتان قد وقعتا على 3 اتفاقات للتعاون المصرفي بينهما كانت اخرها عام 2010، كما وقعتا في العام ذاته على اتفاق للتعاون في مجال البحث والتطوير واخر للتعاون في مجال المواصفات للتسهيل على عملية التبادل التجاري بينهما. الا ان العلاقات اصيبت بنكسة عقب اقدام اسرائيل عام 2000، الى الغاء صفقة لتزويد الصين بطائرات فالكون من جانب واحد، واضطرت الى دفع تعويضات للصين، قدرها 350 مليون دولار نتيجة لضغوط من الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، الذي هدد بتقليص المساعدات العسكرية لاسرائيل، ولغاء مؤتمر كامب ديفيد في صيف عام 2000 . ردت الصين بسرعة على الخطوة الإسرائيلية ، خاصة بتبينها للقرارات المضادة لإسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي مجلس الامن الدولي، على سبيل المثال تصويتها في مجلس حقوق الانسان الدولي في اواخر عام 2009، لصالح تقرير (جولدستون) حول عملية الرصاص المصبوب في قطاع غزة. الا ان المياه عادت الى مجاريها حيث زار قائد الاسطول الصيني اسرائيل في شهر مايو عام 2011 ، وما اعقبها من زيارة وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك للصين في الشهر التالي، و زيارة رئيس اركان الجيش الصيني لاسرائيل في اب اغسطس من العام ذاته وزيارة نتنياهو في 2013 لبكين الذي عبر عن أمل إسرائيل في أن تصبح شريكاً تجارياً قوياً للصين. وذهب أبعد من ذلك، ليعبر عن رغبته، خلال لقائه الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، في أن تتحول إسرائيل إلى «مختبر أبحاث» للصين.
كان ذلك مصحوبا بالحضور العسكري الصيني في الشرق الاوسط ضمن قوات حفظ السلام في المنطقة، وارسلت بكين في اواخر عام 2008 ايضا قوة بحرية صغيرة الى خليج عدن، لتشارك في المساعي الدولية لمكافحة القرصنة البحرية، كما اجرت الصين تدريبات عسكرية مشتركة مع تركيا في خريف عام 2010، ثم ارسلت سفنا وطائرات لاجلاء مواطنيها من ليبيا في اوائل عام 2011.
العلاقات العسكرية بين بكين وتل ابيب:
شهدت علاقات إسرائيل العسكرية مع الصين انتعاشا كبيرا منذ الثمانينات، خاصة مع شعور الصين بحاجتها إلى التكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، والتي استفادت كثيراً من التعاون الاستراتيجي مع واشنطن، فضلا عن تراجع مبيعات الأسلحة الإسرائيلية في تلك الفترة إلى جنوب إفريقيا وأميركا اللاتينية. وإضافة إلى تشابك المصالح الأمنية والعسكرية بين الصين وإسرائيل، فإن إسرائيل تنظر باهتمام إلى السوق الصيني الواسع والمتعطش للسلع والخدمات المتقدمة، الذي يمكن لإسرائيل أن تحتل موطئ قدم فيه. يقول آمنون بارزيلاي الصحفي في “هآرتس” الإسرائيلية في كتابه “اختراق سور الصين: قصة العلاقات العسكرية لاسرائيل مع الصين” الصادر في 1999 ، في مطلع 1978 ، زار آيزنبرج وزير الدفاع وايزمان وقال له “يمكنني ان افتح امام وزارة الدفاع الباب إلى الصين “. حدث ذلك بعد اكثر من عام على موت الزعيم الصيني ماوتسي تونج. وكانت الزعامة الجديدة برئاسة دينج سيانج بينج ، اكثر برجماتية ،وكانت مستعدة للحصول على استثمارات وتقنية متقدمة من دول كانت تعتبر حتى ذلك الحين في مصاف الاعداء. كانت لآيزنبرج آنذاك علاقات اعمال متعددة في معظم دول شرق آسيا، الا ان تركيزه انصب على تايوان و ليس الصين. وقد اسفر التقارب بين الولايات المتحدة والصين في بداية السبعينيات، ليس عن تغيير الخريطة السياسية فحسب ، بل ايضا الخريطة الاقتصادية. و يضيف المؤلف ” زار رئيس الوزراء مناحم بيجن في 18 مايو 1978 شركة الصناعات الجوية في اللد في معيته وزير الدفاع عزرا وايزمان ونائبه موردخاي تسبوري والعميد افرايم بوران والعقيد آيلان تهيلا. والتقى بيجن بمدير عام شركة الصناعات الجوية جبرائيل جيدور ورئيس مجلس الادارة اسرائيل سحروف. واستعرض جيدور أمام الضيوف إنجازات الشركة واختراق منتجاتها لأكثر من اربعين دولة. استمع بيجن باهتمام ثم علق قائلا: أن ما قلته رائع، والنتائج التي حققتها باهرة ومؤثرة ولكن لو كنت تستطيع ادخال الصناعة الجوية إلى الصين. واندهش مسئولو شركة الصناعات الجوية، فالصين تعتبر خارج نطاق الحسابات الإسرائيلية،لانها على قائمة وزارتي الخارجية والدفاع السوداء لانها تشكل خطر على إسرائيل نفسها ان باعتها السلاح والمعلومات والتقنية المتقدمة، علاوة على أن الصين صديقة للدول العربية واحدى زعامات العالم الثالث، وهي تصف اسرائيل في خطابها الرسمي “بالكلب النابح للإمبريالية الاميركية”. اضف إلى ذلك انه لم تقدم أية دولة غربية على بيع سلاح للصين.
ويضيف المؤلف في 22 فبراير 1979 ، انطلقت طائرة وعلى متنها ثلاثون مسئولا أسرائيليا من وزارة الدفاع الإسرائيلية يرافقهم رجل الأعمال آيزنبرج باتجاه بكين في رحلة سرية جدا. وكما خرج الوفد سرا دخل بكين سرا . بيجن ووايزمان وديان قرروا ان تكون الرحلة إلى الصين في اطار العلاقات التصنيعية، وليس بين الحكومات. ضم الوفد مدير عام وزارة الدفاع يوسف معيان ورئيس شعبة دعم التصدير الامني في وزارت الدفاع اسحاق شبيرا ورئيس قسم الشؤون الدفاعية بوزارة الدفاع حاييم كرمان، ورئيس شعبة الاتصالات الخارجية في الموساد دافيد قمحي، ومجموعة كبيرة من رجال الصناعات الامنية ومن بينهم، من الصناعات الجوية جيدور رئيس الوفد ، د. مائير دفيرو نائب مدير عام شعبة البحث والتطوير، ود. نينو ليفي مدير عام شركة التا، ود. بن تسيون نافيه مدير هيئة تطوير الوسائل القتالية، وعقيد احتياط آهرون بيت هالحمي نائب مدير عام الصناعة العسكرية المتسقة مع الانتاج، وكان ضمن المسافرين ايضا آيزنبرج واثنان من رجاله، يوناتان زوخوفيتسكي وشالوم آرياف. وفي وزارة الدفاع تشكل فريق دراسة لجمع واعداد المادة المعلوماتية عن الصين برئاسة اسحاق شيمور ورافي إسرائيلي الاستاذين في الجامعة العبرية. ساد أحساس أن العلاقات السياسية في طريقها للتطور بين بكين وتل أبيب. ودعم هذا الاحساس سلسلة الاحداث التي وقعت في الصين بداية من عام 1979. ففي الأول من يناير اعلنت العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والصين . وفي 16 يناير ترك الشاه ايران فاسحا الطريق لتغير سياسي كبير في إيران تحت قيادة الخوميني. وفي 29 مارس وقعت مصر واسرائيل على اول اتفاقية كامب ديفيد للسلام. إلا ان التطور الاهم كما يعتقد بارزيلاي، نشوب الحرب بين الصين وفيتنام في العام 1978، التي أثبتت تخلف القدرات العسكرية الصينية. يومها وقفت موسكو بقوة خلف فيتنام،
وكانت موسكو قد الغت اتفاقية المساعدات السوفيتية للصين عام 1968، ناهيك عن الحصار الغربي للصين. كل ذلك جعل الامور الامنية على رأس أولويات الزعامة الصينية الجديدة. وكانت أهم رسالة نقلها آيزنبرج ان إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي يمكنها في ذلك الوقت ان تساعد الصين في إعادة بناء جيشها والرد على التحدي الذي تجده في جيش فيتنام. عاد اعضاء الوفد سرا إلى “إسرائيل” ومع عودة الوفد وفي حوزته المعلومات من مصدرها الاصلي حول الاحتياجات العسكرية للصين، رتبت وزارة الدفاع لإرسال وفد ثان ، و خرجت بعده وفود اخرى تضم خبراء من صناعات السلاح الإسرائيلية وكبار الضباط بالجيش. كما توجه إلى الصين مديرا عموم وزارات الدفاع والمالية، يوسف معيان ويعقوف بيئمان.
مع بداية الانفتاح الخارجي للصين، بدا ان المؤسسة العسكرية الصينية تريد تحديث ترسانة الجيش الصيني القديمة من الاسلحة السوفيتية الصنع ، وهي مستعدة لانفاق ملايين الدولارات التي يمكن أن تحصل عليها من خلال مبيعات الأسلحة الصينية لإنفاقها بعد ذلك على عملية تحديث الجيش. وأوضحت مجلة “جينز” العسكرية ان التعاون بين الصين و إسرائيل في مجال التسليح ، يعود الى ما بعد حرب يونيو 1967 حيث اشترى الصينيون كميات كبيرة من غنائم الجيش الإسرائيلي من اسلحة الجيوش العربية سوفييتية الصنع، وأنه يوجد في الصين عدد كبير من رجال الاعمال الاسرائيليين وان البعثة العسكرية في سنغافورة هي التي تتولى مهام تنسيق العلاقات العسكرية بين بكين وتل أبيب بل أن حكومة سنغافورة تقوم بدور الوسيط التجاري بين الجانبين ، الصيني والاسرائيلي في هذه الصفقات. وفي الوقت نفسه تقوم مجموعة من الخبراء العسكريين الاسرائيليين تتألف من 24 شخصاً بالتناوب لفترة كل ثلاثة شهور بالتوجه الى الصين للمساهمة في تطوير نموذج حديث للدبابات السوفييتية من طراز T-54 & T-62 & T-55 ،كما حصلت الصين على أسلحة ومعدات عسكرية متطورة من الشركات الإسرائيلية لإنتاج الأسلحة، مثل شركة الصناعة الجوية وشركة رفائيل “شركة تطوير القتال” وشركات اخرى وسلمت الصين، مقابل أخذ المعدات الإسرائيلية كميات من مواد الفاناديوم والتيتان والحديد والصلب التي تحتاج إليها إسرائيل في صناعتها العسكرية. وبدا المجال العسكري والصفقات العسكرية هي المجال الأوسع الذي شيد فوقه صرح العلاقات الصينية الإسرائيلية في كافة المجالات المختلفة.
عمليا ثمة العديد من العوامل التي دفعت بدورها الى تعميق وتعزيز التعاون الصيني الإسرائيلي في المجالات العسكرية، اولاهما نمط العزلة الدولية التي كانت مفروضة على الصين مما جعلها البلد المؤهل لان يكون عميلا ممتازاً للصناعات العسكرية الإسرائيلية لكونها تسعى جديا الى تحديث قواتها العسكرية دون ان تعتمد كليا على القوتين العظميين ، كما أن القيود التي تفرضها الموازنة العامة الصينية على شراء الاسلحة الجديدة، ورغبة الصين ان تكون مصدرا للاسلحة لا مستورد لها، بالاضافة الى احتياجاتها الضخمة من قطع الغيار وآليات تطوير وتحديث ترسانة الاسلحة الشرقية التي تمتلكها كلها محددات ساهمت في تدشين الروابط والاتصالات العسكرية بين الجانبين. والعامل الثاني يكمن في التغيير الذي حدث في الاستراتيجية العسكرية والتكتيكية داخل المؤسسة العسكرية الصينية، التي كانت تقوم قبل الانفتاح على نظرية ماوتسي تونج عن الحرب الشعبية وما يستلزمها من جيش ضخم وباتت الان تطبق نظرية الاحتراف وما يقتضيه ذلك من وجود قوة عسكرية اصغر حجما وتتميز باستيعاب التقنية المتقدمة والمهارة الفائقة وادخال مستويات تسليح جديدة.
في يناير 1980 أعلن راديو موسكو ان إسرائيل ستساعد الصين للاسراع بتحديث جيشها، واعربت الصين عن ثقتها التامة فيما طورته إسرائيل من أسلحة ، لكنها ارادت امتلاكها وانتاجها بنفسها، كما فعلت مع ما حصلت عليه من السلاح السوفييتي. وقدمت وزارة الدفاع الإسرائيلية عرضا بيع المعلومات ضمن بيع انظمة التسليح التي انتجت في إسرائيل واضطرت الصين للموافقة. وتم توقيع اتفاق بين الدولتين لشراء المعلومات والأسلحة. نشرت وكالة تاس السوفييتية في اغسطس من العام نفسه، تفاصيل بنود صفقة ادعت بان الصين تسعى إلى ابرامها مع إسرائيل وذلك للحصول على 54 مقاتلة من طراز كفير وعدة مئات من دبابات ميركافا ،بالاضافة الى مدافع ذاتية الحركة، وعربات مدرعة، وصواريخ جبريئيل المضادة للسفن، الى جانب معدات واجهزة الكترونية متنوعة وتقدر قيمة الصفقة بحوالي بليون دولار ، ولقد ايدت تلك الرواية مجلتا “الايكونومست” البريطانية و”نيوزويك” الأميركية . الا أن واقع صناعة السلاح في “إسرائيل” قد ادت الى تأجيل الصقة ، فمثلا في العام 1980 ، لم يكن لدى الجيش الإسرائيلي نفسه ، حسب تقديرات عديدة. من دبابات ميركافا ما يتجاوز 100-150 دبابة مما يشير منطقيا إلى صعوبة توريد مئات عدة منها إلى الصين وينطبق ذلك بدرجة اقل إلى حد ما على الصواريخ جبريئيل. وحسب تصريحات غربية اشترت الصين من “إسرائيل” انظمة مراقبة للدبابات ومدافع للدبابات
وأجهزة اتصال وأنظمة قتالية اليكترونية، وساعدت “إسرائيل” ايضا في تطور مقاتلات للصين. إن التعتيم الذي فرضته الصين واسرائيل على العلاقات بينهما استمر لخمس سنوات. وفي عام 1984 أوردت مجلة “جينز” البريطانية المتخصصة في الشؤون العسكرية ان صفقات السلاح بين الصين واسرائيل بلغت 3.5 مليار دولار . وحسب تقديرات اخرى ، وصل معدل مبيعات السلاح “اسرائيلي” للصين ضعف ذلك. ” في العام 1985 ، باعت إسرائيل اسلحة ومعدات للصين في صفقة استهدفت تحديث الدبابات الميدانية من طرازT 62 السوفييتية الصنع. وفي ذلك الحين أضاف الصينيون الى تلك الدبابات مدافع “إسرائيلية” من عيار 105 ميليمترات، كما شملت الصفقة أجهزة اتصال رادارية ،ونظما دفاعية خاصة بالصواريخ جو/ جو وأجهزة إطفاء الحرائق، وأجهزة الليزر والأشعة فوق الحمراء للرؤية الليلة، وكذلك الأنظمة الباليستيكية التي تعمل بالكمبيوتر لتحديد الهدف. ليس هذا فحسب بل يقال إن الفنيين الاسرائيليين وفروا، فيما بعد، التقنية اللازمة لقذائف الدروع القادرة على اختراق الواجهة الامامية للدبابة السوفييتية T-72 . في اواخر العام 1987، ذكرت مجلة جينز العسكرية، أن الصين واسرائيل قد توقعان قريبا صفقة بمليارات الدولارات، تقوم “إسرائيل” بمقتضاها بتزويد الصين بكميات كبيرة من العتاد الحربي وتقنية صناعة السلاح، مقابل حصولها على الفحم والحرير الصيني، وأشارت المجلة الى أن ظهور مدافع الدبابة ”الإسرائيلية” من عيار 105 ميليمترات على الدبابة السوفيتية من طراز T-62 في أحد العروض العسكرية في بكين.
وذهبت مصادر اخرى الى أن إسرائيل تساعد الصين بشكل سري في بناء خط دفاعي على طول حدودها مع الاتحاد السوفييتي، البالغ 6679 كيلومتراً، حيث يقوم مئات من الخبراء الاسرائيليين بالعمل في هذا المشروع، الذي تبلغ تكاليفه مليارات عدة من الدولارات وهو يهدف الى حماية الحدود الشمالية للصين ويشمل المشروع عددا من إجراءات المراقبة المتقدمة إضافة الى معدات الكترونية حديثة جدا. بل وأكدت المصادر تلك ان الخبراء الاسرائيليين يساعدون الصينيين كذلك في تحديث التقنية المتعلقة بالصواريخ متوسطة وبعيدة المدى، وأنهم بدأوا في تعزيز النظام الدفاعي الصيني على الحدود مع الاتحاد السوفييتي منذ العام 1985، وأن انظار الصينيين اتجهت الى إسرائيل في هذا المجال اعتبار من العام 1982 بعد أن قام الاسرائيليون بتدمير نظام الصواريخ السورية المضادة للطائرات في وادي البقاع اللبناني ، وأن إسرائيل اكدت أن هذه التقنية التي تبيعها للصين لا ترتكز على تلك التي حصلت عليها من الولايات المتحدة الأميركية. ذكرت مصادر عسكرية غربية أن الصين قامت في العام 1990 بتطوير صاروخ بحري مشتق من صاروخ جبريئيل الإسرائيلي بالاشتراك مع إسرائيل كما تسعى الصين الى استخدام الأنظمة الالكترونية الجوية الخاصة بالطائرة “لافي” الإسرائيلية التي الغى مشروع انتاجها، لإدخالها في الجيل الجديد من الطائرات الصينية المحلية قيد التطوير. وأضافت ان رابين وافق في حينها على الاستمرار في تطوير النموذج التجريبي الثالث من الطائرة “لافي” لاثبات كفاءة رادارها ومدى وفائه لاحتياجات الجانب الصيني. بل وكشفت مصادر أميركية تعمل في مكتب الاستخبارات والبحث التابع للخارجية الأميركية عن قيام خبراء اسرائيليين بمساعدة الجانب الصيني في تحديث دبابات الميدان سوفييتية الصنع T-52 وغيرها من الدروع الصينية وتطوير وسائل التوزيع التفاعلي للدبابات الصينية، وتحسين قدرات الصواريخ التكتيكية والمدفعية والطائرات الصينية. وسرعان ماظهرت للملاء صور من التعاون بين الجانبين مثلا إعلان الصين عن تصنيع نموذج من رشاش عوزي الإسرائيلي المعروف، والتي تنتجه هيئة التصنيع العسكري الصيني “نورينوكو” بترخيص على ما يبدو من الشركة الإسرائيلية الأم ، وقد تم عرض هذا الرشاش للمرة الأولى في معرض “آسيا نديكس، الذي افتتح في الصين في نوفمبر 1987 حيث جاء في وصف مواصفات الرشاش انه نموذج تصديري خاص لأغراض الصيد والرياضة. وقد تم تطويره للوفاء بالقانون الاميركي بما يسمح ببيعه في الاسواق الأميركية المدنية. إضافة الى الكشف عن تطوير الصين لصاروخ أرض / جو من طراز HQ-61 يمكن استخدامه على متن السفن الحربية او إطلاقه من القواعد البرية المتحركة، وتوزيع الصين صور جديدة لدبابة “تايب 80″ يظهر عليها المدفع عيار 105 مليمترات بوضوح، وعلى الرغم من أن إسرائيل ليست الدولة الوحيدة في العالم التي تنتج هذا المدافع البريطاني المنشأ، إلا انها تعتبر في مقدمة الدول المرشحة لتزويد الصين به، نظرا الى تجربتها في إدخال هذه المدافع على الدبابات سوفييتية الأصل (والتي تنتج الصين نماذج مشتقة عنها) وعدم توفر المعلومات العملية حول قيام أطراف اخرى ببيعها الى الصين في السنوات الأخيرة ، وأخيراً كشفت “الصنداي تايمز” اللندنية عن أكبر عملية لبيع تقنية صاروخية متقدمة الى الصين، حيث تم في ظروف من السرية التامة، إبرام صفقة لتزويد القوات المسلحة الصينية برؤوس حربية جديدة للصواريخ. وبأسلحة خارقة لدروع الدبابات صنعتها، “إسرائيل” واشارت وثائق “الصنداي تايمز” الى أنه في نوفمبر 1987، توصلت إسرائيل الى اتفاقية عسكرية سرية مع الصين، والى ارسال فريق من كبار الخبراء العسكريين الاسرائيليين الى العاصمة بكين.
بدأت المرحلة الحاسمة في صفقة السلاح الإسرائيلية الى الصين في العام 1987، اثر مبادرة قام بها مسؤولون شيوعيون صينيون في هونج كونج للوساطة بين ميرجاف الذي اعاد فتح القنصلية الاسرائيلية في هونج كونج في 1985 ورجل الاعمال “الإسرائيلي” جافني ، صاحب شركة “ليريك انترناشونال” التي كانت لها علاقات بصفقات اسلحة دولية، خصوصا الى الفلبين وتايلاند، من جانب وشركة “نورينكو” من جانب آخر لإبرام صفقة اسلحة بين “إسرائيل” والصين والاتفاق الذي تم إبرامه بين مسؤولين اسرائيليين ومسؤولين عن شركة نورينكو نص على ان الجانبين توصلا الى فكرة جديدة لإنتاج صواريخ مضادة للدروع يتم تصحيح مسارها وذات تصميم غير محدد توجه بأشعة الليزر، وتحمل رؤوسا حربية ثاقبة لدروع الدبابات وإنتاج قذائف للمدفعية توضع على الدبابات من عيارات 155 ميليمترا و 130 ميليمترا و120 ميليمترا ، وقد وقع الاتفاق عن الجانب الصيني مدير إدارة التسويق في شركة “نورينكو” ياومنيغ دوان ،ومدير إدارة التطوير التجاري في الشركة دانغ دي ها، ووقع الاتفاق عن شركة “دوبيا” الاسرائيلية مديرها هنري لاي ومستشارها بي بلومنتال . وعقب إقامة العلاقات الدبلوماسية ، جرى بلورة أطر ومجالات التعاون الصيني الإسرائيلي في المجالات العسكرية في المستويين التاليين. الاول ، التعاون الصيني الإسرائيلي في تطوير نظام رادار الفاكون ، ويعد هذا النظام حديثا وضروريا للقيادة والسيطرة. ومبيعات السلاح خلال الخمس سنوات الماضية 92-1997 كانت متمحورة حول تطوير وتشغيل هذا النظام الذي يشابه نظام الاواكس الاميركي.
والثاني، التعاون في مشروع إنتاج الطائرة المقاتلة F-10 عبر استخدام منظومة الاتصالات والتوجيه في الطائرة لافي.
إن التوازن الدقيق الذي حكم السياسة الصينية الشرق اوسطية بين الجانبين العربي والاسرائيلي والسعي الى تطوير العلاقات مع الجانبين بشكل لا يكون لأي منهما تأثير سلبي على الجانب الآخر. قد بدا واضحا في قرار إنشاء علاقات كاملة مع “إسرائيل” في 24 يناير 1992 أي بعد أقل من ثلاثة شهور فقط من بدء مؤتمر السلام العربي الإسرائيلي في مدريد في اكتوبر 1991. الا ان هذه السياسة الصينية ” المتوازنة ” لم تعد يرضي إسرائيل، خاصة مع تأزم الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ورغبة “إسرائيل” في تحييد كافة مصادر الخطر والتهديد الاستراتيجي لأمنها الداخلي. ولذا كانت قضية التعاون العسكري التقليدي وغير التقليدي بين الصين وكل من إيران وسوريا ، من اكثر القضايا سخونة وإثارة للجدل في علاقات بكين و تل ابيب وكان أيضا من المواضيع الأثيرة خلال الزيارات الرسمية التي تمت بين مسؤولي البلدين بعد إعادة العلاقات بعد قضية تدعيم العلاقات الثنائية في المجالين المدني والعسكري. كان زيارات معظم المسؤولين الاسرائيليين ، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ،الذي زار الصين مؤخرا في محاولة لتوسيع العلاقات بين الجانبين ، تشمل في جانب هام منها تعهد الصين بعدم تزويد إيران والدول العربية بالأسلحة والتقنية التقليدية، وغير التقليدية ، وقد بدأ ذلك واضحا حينما طلب نتانياهو من القيادة الصينية الامتناع عن تزويد ايران بالتقنية والأجهزة المتطورة الضرورية سواء لتطوير منظومة صواريخها متوسطة وبعيدة المدى ، او تدعيم القدرات النووية الايرانية. وحث كوريا الشمالية على وقف تعاونها في مجال تصدير وتقديم تقنية الصواريخ متوسط وبعيدة المدى إلى دول المنطقة. والجهود “الإسرائيلية” في هذا السياق لم تقتصر على الجانب الصيني فحسب بل امتدت لتشمل أكثر من مستوى، ويأتي في مقدمتهم قيام الكونجرس الأميركي بأخذ زمام المبادرة، وتولى فرض عقوبات على الدول التي تحاول تصدير تقنية عسكرية متطورة الى ايران، والعديد من الدول العربية مثل سوريا وليبيا بتأثير من اللوبي الصهيوني، و حث الزعامة في كوريا الشمالية لمنع تصدير الصواريخ متوسطة المدى الى سوريا، وهو البند الذي أدرج على كافة محادثات المسؤولين الأميركيين مع نظرائهم الكوريين، وتطور الموقف الأميركي الى غض النظر عن التعاون العسكري الإسرائيلي مع الصين.
وعمليا كما يقول المؤلف آمنون بارزيلاي، لم يفلح الجانبان الصيني و الاسرائيلي في إزالة الخلافات بشأن الموقف من إيران على وجه التحديد، لكونه يرتبط بغايات سياسية واقتصادية متنامية للصين في المنطقة، على الرغم من المزاعم الإسرائيلية من أن البلدان التي توصف بالأصولية لا تتورع عن استخدام الصواريخ ضد “إسرائيل” ، وإذا كانت لديها قوة نووية فلن تتردد في استخدامها أيضا، فإن تلك المزاعم لم تحمل الجانب الصيني ومن قبله الروسي بوصفها من اكبر موردي السلاح الى سوريا وايران على تصديقها والعمل وفقا لها. يكاد يماثل فشل نتانياهو في هذه القضية مع المسؤولين الصينيين ، فشلا مماثلا حينما قام العام 1997 بزيارة لروسيا وطالب خلالها صراحة من قادة الكرملين بوقف كافة مجالات التعاون التقليدي وغير التقليدي مع دول الشرق الاوسط وفي مقدمتهم ايران وسوريا، رغم الاغراءات القوية التي قدمت في تحقيق ذلك ، أهمها محاولات “إسرائيل” المباشرة وغير المباشرة لتعويض موسكو عن خسائرها المادية حال الامتناع عن التعاون مع البلدين.فالقادة الروس ومن بعدهم الصينيون لم يتفقوا مع الرأي الإسرائيلي بأن النظام السياسي في طهران غير عقلاني ومن الصعب الحكم على تصرفاته الخارجية، وأن مزاعم إسرائيل عن نيات ايران توجيه ضربات صاروخية سواء الى البلدين (الصين وروسيا)، أو حتى الى إسرائيل وعواصم أوروبية أخرى ، بالإضافة الى العواصم العربية ثم القاهرة.. هي نوع من الهواجس التي ليس لها أي اساس من الصحة او المصداقية.
يكاد يكون المحدد الأميركي كما يقول الصحفي آمنون بارزيلاي هو الاقل ثقلا في مردوده سلبي على العلاقات الصينية الإسرائيلية من مثيله الخاص بالسياسة الصينية الشرق أوسطية. في السابق كان هناك ثقل محوري للمحدد الاميركي في علاقات البلدين (الصين / “إسرائيل”) لكون الإدارات السابقة كانت رافضة تماما المسألة قيام إسرائيل ببيع اسلحة وتقنيات عسكرية أميركية الى الصين أو اية جهة اخرى بدون إذن مسبق من الولايات المتحدة والتي وصلت قمتها حينما قامت إسرائيل بين عامي 1992/1993 ببيع الصين تقنية متقدمة خاصة بالصواريخ الأميركية باتريوت ،وما تلاها من تداعيات سلبية في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، كانت بداياتها نقل ريتشارد كلارك مساعد وزير الخارجية الأميركية للشؤون السياسية و العسكرية آنذاك الى وظيفة اخرى في خطوة تأديبية هي الأولى من نوعها، لكونه لم يتجاوب مع تقارير أجهزة الاستخبارات عن خرق إسرائيل للقوانين الأميركية التي تحظر على إسرائيل نقل تقنيات عسكرية أميركية الى طرف ثالث بدون علم الولايات المتحدة ، ثم ما تلا ذلك من اجراءات اتبعتها الإدارة الأميركية لإجبار إسرائيل ودفعها للاستجابة لاولويات الاستراتيجية الكونية الأميركية، بما فيها سياساتها تجاه الصين . الولايات المتحدة غضت الطرف كثيرا عن تجارة الأسلحة الإسرائيلية للصين، حيث اعتبرت واشنطن أن مبيعات الأسلحة الإسرائيلية تساهم في توطيد أركان الدول اليهودية وتزيد من مكانتها الإقليمية والدولية.ولكن مع نهاية الحرب الباردة أدركت واشنطون أن العلاقات العسكرية بين تل أبيب وبكين تشكل تهديداً لمصالحها في آسيا، حيث تساعد الصين على لعب دور عالمي متزايد على نحو يهدد النفوذ الأميركي. وقد ارتبط التشدد الاميركي تجاه تنامي العلاقات الإسرائيلية الصينية ، بالعديد من المحددات التي يمكن بلورتها في اثنين كما يقول آمنون بارزيلاي: أولهما التوتر الذي اعترى العلاقات الأميركية الصينية منذ بداية عقد التسعينيات على خلفية أحداث العنف في ميدان (تيان مين) وثانيهما المردود السلبي للتعاون الصيني الإسرائيلي على جهود الولايات المتحدة ودول اخرى في إشراك الصين في قضية الحد من انتشار تقنية الصواريخ المتقدمة، وفق الالتزام بالخطوط العامة التي تقررها أنظمة الرقابة على تقنية الصواريخ بالإضافة الى التحديات التي تضعها أمام جهود الولايات المتحدة في تطوير أنظمة مضادة للصواريخ الباليستية. من وجهة النظر الأميركية تعتبر صادرات الصواريخ الصينية مثيرة للمشاكل ليس لكونها موجهة اساس إلى مناطق الاضطرابات في العالم والتي تسعى الولايات المتحدة الى تهدئتها فحسب ، بل أيضا من حيث تعاون الصين مع دول العالم الثالث في مجال تقديم المساعدات الفنية والتقنية لتصنيع الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى مثل كوريا الشمالية وباكستان، بدلا من نقل أنظمة كاملة باعتبارها السمة المميزة للصادرات الصينية المرتبطة بالصواريخ وهو ما يضفي على جهود الولايات المتحدة الخاصة بمراقبة وكبح تلك الصادرات قيود شديدة، ويحدي فاعليتها في هذا السياق.
غير أن أبعاد ومضامين هذان المحددان ، قد تراجعت بشكل كبير بسبب التطورات الشديدة التعقيد التي شهدتها علاقات الصين وإسرائيل مع الولايات المتحدة ، التي باتت تغض الطرف كثيرا على قيام إسرائيل بإعادة تصدير أسلحة وتقنيات عسكرية متقدمة الى الصين. وفقا لهذا التطور باتت الولايات المتحدة معنية أكثر بتطوير علاقات متنامية مع الصين وعدم الخضوع للضغوط التي يمارسها الكونجرس على الادارة لمنع أفضلية الدولة الاولى في التعاملات الاقتصادية في التجارة الأميركية الخارجية مع الصين. ويضاف الى ذلك أنها باتت اكثر خضوعا واستجابة للسياسة الإسرائيلية والقوى المناصرة لها داخل الكونجرس عما سبق.
على الرغم من أنّ الصين قد حافظت تقليدياً على سياستها الخارجية الداعمة للقضايا العربية، إلاّ أنّ النفوذ السياسي الصيني على الصعيد العالمي يكاد لا يرى إذا ما تمّت مقارنته بنفوذها الاقتصادي، وكعادة العرب في إهمال المكاسب وتوسيع دائرة صداقاتهم ومصالحهم للضغط على إسرائيل فإنّ العرب أهملوا الصين التي كانت حتى أواخر السبعينيات أبرز مقاطع عالمي لأسرائيل على كافة الأصعدة. فيما عكست نظرة إسرائيل الاستراتيجية لتطورات العالم اتّجاها جديداً يقضي بتوسيع دائرة أصدقائها حلفائها والتغلغل في مناطق النفوذ والقرار، فإذا لم تكن الصين ذات تأثير سياسي عالمي اليوم فإنّها حتما ستكون في الغد وعليه فإنّ إسرائيل لا توفّر فرصة لمد نفوذها نحو روسيا والهند والصين وأوروبا عدا أميركا وبريطانيا حيث قواعدها التقليدية .

محمد نجيب السعد
باحث أكاديمي عراقي

إلى الأعلى