السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / سوريا .. المواجهة وفضاء الاحتمالات

سوريا .. المواجهة وفضاء الاحتمالات

علي عقلة عرسان

روسيا الاتحادية تحارب مع “جيش الأسد الذي يحارب الإرهاب”، هكذا قال الرئيس بوتين، وقال إنه من الخطأ عدم الوقوف مع من يحاربهم “جيش الأسد” الذي يحارب الإرهاب. وأكد بكلام لا لبس فيه: “نحن سنحارب تنظيم الدولة، والمجموعات الإرهابية الأخرى”، بالتنسيق مع سوريا. والإرهابيون، بهذا المعنى، هم “كلّ من حمل السلاح بوجه الدولة” هؤلاء هم الإرهابيون، كما قال الرئيس الأسد عدة مرات، بمن فيهم طبعًا، وعلى رأسهم، تنظيم الدولة “داعش”. وبينت موسكو أن الأهداف التي قصفتها الطائرات الروسية في سوريا يوم الأربعاء ٣٠/٩/٢٠١٥ أهداف محددة ومنسقة مع دمشق.. ومن ضمن أهداف ضرباتها، كما أعلن الكرملين في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، “مساعدة القوات السورية في مواقعها الضعيفة”. و”سنحارب من يحاربه جيش الأسد، وحتى نمنع أي هجوم للمسلحين”. وفي الطرف المقابل، قالت الولايات المتحدة الأميركية إنها ستحارب الإرهاب “داعش”، وستحارب ما دام الأسد في السلطة، وستدعم “المعارضة المسلحة المعتدلة” وتحميها.. وهي معارضة تحمل السلاح وتقاتل “جيش الأسد”، حسب تعبير الرئيس بوتين، وتريد أن تُسقط النظام.
وهذا يعني، أن كل المسلحين الذين يحاربون، أو يتحاربون في سوريا، بمن فيهم الجيش العربي السوري، دون استثناء، يدخلون في دائرة الأهداف التي يهاجمها طيران التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وطيران روسيا الاتحادية، الذي دخل المعركة مؤخرًا بتنسيق وتعاون مع الطيران السوري.
أفلا يبدو المشهد “سياسيًّا، واستراتيجيًّا، وعملياتيًّا”، في ظل مواقف مسؤولي الدولتين الأعظم وتصريحاتهم، وهي تصريحات تدخل في باب ثوابت الموقفين، واضحًا بصورة تامة؟! وحين نتذكر تلك التصريحات الصادرة عن المعسكرين “اللذين يرفعان راية محاربة الإرهاب، ويستظلان بها”، يتبين لنا أن الحرب في سوريا وعليها، أو “من أجلها، لفرض حل سياسي فيها؟!”.. سوف تستمر حتى آخر سوري؟! ويزيد في الطين بِلَّة تقاطع آخر، نستذكره ونجريه بين موقفين: “أميركي ـ أوروبي”، وروسي.. حيث يوصلنا إلى استنتاج هدف مشترك في النهاية، سواء أقصد الطرفان ذلك بوعي منهما وتصميم وتنسيق، لتحقيق ذلك الهدف، أم أنه جاء نتيجة منطقية لما رسخ في التكوين والذاكرة الجمعية والوعي الثقافي، وأخذ يملي مواقف سياسات واستراتيجيات وتحركات، ظاهره فيه الرحمة وداخله فيه العذاب.. وليس هو بالضرورة هدف متحالفين، بل هدف “عقائديين، مذهبيين”، ينطوي على رسيس عداء تاريخي قديم، تجاه العرب والإسلام، وعلى أبعاد تاريخية متجددة لمطامع ومصالح، تتقارب وتتنافر وتتضاد أحيانًا، ولكن تقاطعها يعني لنا، نحن العرب والمسلمين، شيئًا ينطوي على استهداف واقع تاريخي إسلامي، “ثقافي وحضاري”، وربما هدفًا أو حلمًا أو ذاكرة مشروعة لعرب ومسلمين، قد تتاجر بها منظمات سياسية، وجهات تنظيمية، ولا تمثل الإسلام كما أشارت مرجعيات دينية ودول إسلامية، ولا تتحلى بالمسؤولية.. وهو ما أشار إليه الوزير لافروف في الأمم المتحدة، حيث قال: “.. إن الإرهابيين يخططون للسيطرة على أراضٍ ممتدة من البرتغال وحتى باكستان، ويجب محاربة ذلك بفعالية”.
فنحن نذكر أنه في الحرب العالمية الأولى كانت محاولات تفاهم بين القوى الكبرى المتحالفة “روسيا القيصرية وفرنسا وبريطانيا” لتقاسم تركة الرجل المريض، حيث أرادت روسيا أن تأخذ البوسفور والدردنيل والقسطنطينية، وتسمح لفرنسا وبريطانيا بتقاسم بلاد الشام والعراق ومصر.. إلخ، ونذكر أن حرب العنصري جورج W بوش، التي دمرت العراق وقسمته عمليًّا، وأشاعت الفوضى فيه وفي المنطقة.. انطلقت مع الوصف الذي أطلقه عليها، هو وحليفه توني بلير، بأنها حرب “صليبية مقدسة”، وكان من نتائجها ما كان، وما زال يتفاعل باستمرار، من فوضى مدمرة، “سميت خلاقة؟!”، وإرهاب، وفِتن عرقية، وطائفية، وذهبية، سنية شيعية، في المنطقة كلها. فمن المؤكد أن الكنيسة الأرذوكسية الروسية، وصفت التدخل الروسي في سوريا بأنه “حرب مقدسة”، وباركته، حيث “نقلت وكالة انترفاكس الروسية عن رئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة، فسيفولود تشابلن، قوله “القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة” اليوم، وربما تكون بلادنا هي القوة الأنشط في العالم التي تقاتله، إن التدخل المسلح ضروري لأن “العملية السياسية لن تؤدي إلى أي تحسن ملحوظ في حياة الأبرياء المحتاجين إلى الحماية العسكرية”.
ووقف راهبان روسيان يباركان طائرة حربية متجهة إلى سوريا. وهذا الوصف من الكنيسة الروسية للتدخل الروسي في سوريا بأن “القتال ضد الإرهاب حرب مقدسة”، تم تناوله بشيء من التجاوز أو التصحيح أو التحريف، ووقوف راهبين روسيين يباركان طائرة حربية متجهة إلى سوريا، أثار تداعيات، والكثير من المشاعر.. وكان عليهم أن يدركوا جيدًا ما يعملون، وما يهدفون إليه، وما يتركه ذلك من آثار على مشاعر العرب والمسلمين؟!
واستدعى مواقف، ويستدعي مقارنات.. حيث ذكّر بحرب السيئ الذكر، جورج بوش “الصليبية المقدسة؟!”على العراق. وفي تعقيب على من قالوا، ومن يقولون “إنهم يريدون في سوريا دولة موحدة وديمقراطية علمانية”، ومنهم الوزير جون كيري، قال الوزير لافروف، يوم الأربعاء ٣٠ أيلول سبتمبر ٢٠١٥، في مؤتمر صحفي في الأمم المتحدة: “إننا أيضًا نريد سوريا دولة موحدة ديمقراطية وعلمانية”. ولكن لم أعرف، أهي الديمقراطية التي تدخل في باب المقدس الكنسي، أم العلمانية؟! وما هي أبعاد إضفاء ذلك النوع من التقديس، على هذا التدخل؟!
قالت روسيا، في تسويغها للتدخل العسكري في الشأن السوري، إنها تخوض حربًا استباقية، لأن أكثر من ٢٥٠٠ من مواطنيها يحاربون في سوريا، وقد يعودون إلى روسيا.. ولذا فهي تحارب حربًا استباقية، وحربَ دفاعٍ عن النفس. وتحت هذا العنوان الفضفاض، كان ما قامت به الولايات المتحدة الأميركية مرات ومرات، في بلدان ومواقع كثيرة.. وكان هذا أيضًا ما قالت به بلدان أوروبية بشأن الأزمة/الحرب في سوريا، عندما قررت التدخل من دون موافقة سوريا، ومن دون تنسيق معها. وكان هذا وما زال، هو ما تقوم به دولة الكيان العنصري الإرهابي “إسرائيل” دومًا، من عدوان سافر، وهجمات على مواقع سورية، بذريعة الدفاع عن النفس، وما تشنه من حروب استباقية تحت عناوين وادعاءات مشابهة.
لقد أشار الرئيس بوتين، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى شرعية تدخل روسيا الاتحادية في الحرب الدائرة في سوريا، حيث إن ذلك تم استنادًا إلى طلب رسمي من الدولة السورية، جاء في رسالة رسمية من الرئيس بشار الأسد، تضمنت طلب التدخل “المساعدة”. وقد أكدت ذلك رئاسة الجمهورية العربية السورية، في بيان رئاسي، بتاريخ2015-09-30 جاء فيه: “أن إرسال القوات الجوية الروسية إلى سوريا تم بطلب من الدولة السورية، عبر رسالة أرسلها الرئيس الأسد للرئيس بوتين، تتضمن دعوة لإرسال قوات جوية روسية، في إطار مبادرة الرئيس بوتين لمكافحة الإرهاب”.. وجاءت تصريحات مسؤولين روس، على رأسهم وزير الخارجية لافروف لتشير إلى عدم شرعية التدخل الأميركي في الشأن السوري، لأن ذلك لم يكن بطلب من سوريا، ولا بموافقة منها.. فأشار إلى “غياب الأساس القانوني لأعمال التحالف في سوريا، حيث لا يمكن شن الضربات دون قرار من مجلس الأمن، وموافقة الجانب السوري”.
فهل هذا يضعف الموقف الأميركي الذي استمر تدخله في سوريا ضد “داعش” ما يقرب من سنة، من غير أن يلقى احتجاجًا دوليًّا؟! وقد لقي، على العكس من ذلك، ترحيبًا مشوبًا بتنغيص، بمعنى من المعاني، حيث قيل إن أي تدخل ضد الإرهاب مرحب به، ويجب أن تم ذلك بتنسيق مع سوريا وتعاون مع جيشها. وهو أمر لم يكن مقبولًا، بصورة رسمية معلنة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.. في حين تم إعلام سوريا بالضربات الأميركية من خلال العراق، وبصورة بدت كأنها مبادرة عراقية سكتت عنها الولايات المتحدة الأميركية.. مستهينة بالموقف السوري، وبالسيادة السورية، وربما بمواقف من يدعمها أيضًا. لقد أصبحت السيادة السورية في مهب الريح، على الأقل بعد مرور سنتين على بداية الأزمة/الحرب.. حيث اختُرقت الحدود البرية بآلاف المسلحين، وتمت السيطرة على معظم المعابر الحدودية “الشمالية، والشرقية، ومن ثم الجنوبية”، وفُقدت السيطرة عليها تدريجيًّا.. أما بشأن استباحة الطيران للأجواء السورية، ففي المقدمات المزمنة كانت الاستباحة الإسرائيلية، التي اتضح، في زيارة نتنياهو لموسكو، بعد التدخل الروسي، بأنها استباحة مستمرة، وربما مستقرة بصورة ما في الذاكرة السياسية للدول الكبرى، حتى لتكاد تكون حقًّا مشروعا، ومصلحة “إسرائيلية” يجب المحافظة عليها؟! وأنها مقرّة، أو شبه مقرّة دوليًّا، وسوف تستمر، بتنسيق عسكري “روسي ـ إسرائيلي” أيضًا، ومن خلال هيئة شكلت لهذا الغرض، تحت مسوغ “حماية مصالح إسرائيل في هذه الحرب”، كما قال الرئيس بوتين.. أما ما هي “مصالح إسرائيل”، فبقيت من المسكوت عليه. أما الاستباحات الأخرى للمجال للجوي السوري، الذي يدخل في مجال السيادة، فهي متعددة: أميركية، بريطانية، فرنسية، أسترالية، تركية، أردنية، إماراتية، وما شئت أن تذكر من ذلك؟! وهذا أكثر ما وصلت إليه السيادة السورية، للأسف الشديد، من انتهاكات، حيث أصبح من المحرج الحديث عن سيادة الجمهورية العربية السورية على أراضيها وأجوائها ومياهها.
إن التدخل العسكري الروسي في سوريا ما زال في بدايته، والأهداف التي قصفها الطيران الروسي، في مناطق من سوريا، شملت مواقع في محافظات حمص، وإدلب، وحماة، واللاذقية، والرقة، ودير الزور..
و”قالت موسكو إن الأهداف التي ضربت محددة ومنسقة مع الجيش السوري.”، وكانت الجهات الرسمية في سوريا قد قالت، عدة مرات من قبل: “إن كل من يحمل السلاح على الدولة هو إرهابي تجب محاربته..”. وهذا يعني أن كل التنظيمات المسلحة، من دون استثناء، تدخل في مجال الأهداف التي يهاجمها الطيران الروسي بالتنسيق مع الطيران السوري.. لكن تمت الإشارة روسيًّا، وعلى لسان وزير الخارجية، إلى استثناء الجيش الحر من ذلك الاستهداف، لأنه جزء من الحل. وترك هذا الأمر تفاعلات عدة، وتغيرت لهجة التصريحات السياسية التي كانت مرحبة بالتدخل الروسي، على أن يتركز قصفه لتنظيم الدولة، تغيرت إلى شيء من التشكيك في النوايا، والأهداف.. بل وإلى نوع من التوعُّد المضمَر من جانب قيادة التحالف، وإلى تهديدات مكشوفة من جانب بعض الدول العربية والإسلامية، منها السعودية وباكستان، وإدانات من بينها ما جاء في بيان الأسيسكو “المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم”، التي لروسيا فيها موقع مراقب. لكن أهم ما يستدعي التوقف عنده ما قاله البيت الأبيض. في تصريح يقول: “إن روسيا ستدفع تكاليف ضرباتها في سوريا”. ونظرًا لما في التصريح من غموض، أو مداورة، فإن المقصود قد ينصرف إلى أكثر من معنى: فهل المقصود تأكيد ما قد أعلنته روسيا الاتحادية “بأنها تتحمل تكاليف ضرباتها في سوريا”، أي أن التمويل المترتب على الجهد الحربي، بمعنى التكاليف المادية والمالية، تقع بكاملها على عاتق روسيا، ولا تتحمل سوريا أو غيرها من البلدان الحليفة، أية نفقات.. كما هو حال تدخل التحالف في سوريا، الذي تساهم في أعبائه دول عربية على الخصوص.. أم أن ذلك التصريح الأميركي ينطوي على بعد سياسي ـ عسكري، وعلى تهديد بأن لهذا التدخل ثمنًا سوف تدفعه روسيا بتأثير أميركي، وبتأثير حلف شمال الأطلسي “الناتو” الذي لم يقف بعيدًا عن الموقف، وبتأثير دول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، ويقف خلف مصالح، ومطالب، ومعارضات في سوريا، تتضرر من التدخل الروسي؟! إن التصريح ينطوي على أكثر من احتمال، ويشي بأبعاد أخرى وربما بتطورات خطرة، ربما تحدث نتيجة لعدم تفاهم سياسي ـ عسكري ـ أمني بين الطرفين الأميركي والروسي، أو نتيجة لصِدام طارئ بين القوات الجوية، أو نتيجة لقراءات استراتيجية، ومصالح تستدعي تدخلًا بالقوة بين الأطراف التي أصبحت في مواجهة مباشرة على أرض الجمهورية العربية السورية، المنكوبة بكل المقاييس، والخاسرة بكل المعاني؟!
إن قراءات للحشد البشري الذي يقال إن روسيا الاتحادية تُعدّ له، حيث هناك عشرات آلاف الجنود الروس الذين سيأتون تحت تأثير، أو تحت ضغط الظروف والتطورات، وتحت غطاء حماية القواعد الروسية.. أو نتيجة لتدفق متطوعين، قيل إن روسيا أعلنت عنه، مكلفة بذلك هيئة كانت قد أنشئت في أثناء الأزمة في أوكرانيا، ليساهموا في المعارك.. وربما بدخول عدد كبير من المسلحين المساندين للمسلحين في سوريا، والرافضين للتدخل الروسي في الشأن السوري.
إن كل تلك الاحتمالات ممكنة، وهي مما يؤدي إلى مواجهات دموية، تقربنا من حرب ساخنة، تضاف إلى الحرب الباردة التي استعادت حضورها بذريعة الرد على إعلام يشوه الجانب الروسي، وآخر يدر عليه.
لكن كل من سيدخل، ويقاتل، ويتدخل، ويخسر أو يربح، سيكون مصابه أخف بما لا يقاس، من مصاب سوريا وشعبها، حيث الابتلاء بلا حدود، وأشد من كل بلاء، وحيث الإرهاب المتعدد الوجوه، والرعب، والموت، والدمار والجوع، والفقر، والتهجير.. هو بعض ما يقع على كاهل السوريين ووطنهم. أما إذا تحقق التوقع الذي يلوح به بعض المتفائلين، بأن هذا التدخل سيقرب الحل السياسي، أو يدفع باتجاهه، فأمل كشعاع ضوء يخترق سماء ملبدة بالغيوم، في أجواء عاصفة.

إلى الأعلى