الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة لما وراء الإبحار الكتابي في مجموعة الرحيل والميلاد للكاتب القطري جمال فايز

قراءة لما وراء الإبحار الكتابي في مجموعة الرحيل والميلاد للكاتب القطري جمال فايز

رسائل مشحونة بدلالات عميقة:

يعد الكاتب القطري جمال فايز السعيد من كتاب جيل الثمانينات الذين تمرسوا على كتابة القصة القصيرة، فلديه بالإضافة إلى مجموعة الرحيل والميلاد عدد من المجاميع منذ العام 1991م كمجموعة قصص قصيرة بعنوان سارة والجراد، والرقص على حافة الجرح، وعندما يبتسم الحزن، والعابرون الداخل، ورواية زبد الطين.
يتمثل الكاتب جمال فايز في قصة (جذور الكرسي المتحرك) الانسان وعلاقته “. إنسان تقطعت جذوره إلا من جذر واحد. يتشبث دوما بذكره، لأنه آخر ما تبقى له. يزوره في المناسبات. يعطيه بعضا من ماله. ولكنه ينشده أمراً آخر الانتماء إلى البشر. جميعنا مهموم بالانتماء إلى البشر. نحققه بالنسل، وجذورنا. لكنه ما ملك الأول، وما سعد بالثاني”، فالكتابة ما هي الا مقدمة لمشاريع أكبر تبدأ بفكرة وتنتهي بإنجاز يتشكل في عالمنا الذي خلقنا الله لإعماره، لذا ستكون القراءة في هذه الورقة حول ما وراء الإبحار الكتابي في مجموعة الرحيل والميلاد للكاتب القطري جمال فايز.
أيها القارئ عندما تخرج من بيتك وتطالع ورشة يجلس فيها شاب مندمجا على اختراعه الذي يتكون من عدد من المركبات والعناصر فتجده يقضي جل وقته يتابع باهتمام كبير ذلك المكون الذي يتغير ويتبدل في أوضاعه عشرات المرات فيأتيك الفضول فتساله عن اختراعه الذي هو في سبيل صنعه تصدمك اجابته بانه ” لا يعلم بالضبط”! فتقرر الذهاب إلى السوق فتجد عدد كبير من النساء المتبضعات وقد امتلأت السلة أمامهن فتسال أحدهن هل كل ما تم شرائه كان ضروريا فتاتيك الإجابة” بلا”، فتقرر الذهاب للبحر والشكوى من تسارع العالم والمجهول الذي يلفه فتشاهد عجوز يمشي على البحر ورأسه يطالع الأفق، فتستوقفه بالسؤال إلى أين تريد أن تصل؟ فيفغر فاه ليقول لك ” خطوات كتبت علينا فمشيناها ومن كتبت عليه خطا مشاها “.. ماذا حدث ويحدث؟ لما كل هؤلاء الذي يمرون علينا لا يستنطقون وجهتهم ويحددونها ببوصلة الاتجاه لاختراع ما أو تحديدا لضروريات أو الوجهة معلومة؟ الإجابة على هذه الظاهرة البسيطة الغريبة كما يبدو في علم المنطق ان لكل شيء فكرة أو مقدمة صغرى وبسيطة بالغة الحد كأخذ الانفاس أو مقدمة لاختراع كبير كالفيس بوك الذي تجاوز مستخدميه في العالم بالملايين، فالتعليل الدائم للأسباب والمقدمات المنطقية لا يمكن باي حالة من الحالات أن يغير من حقيقة هذه المقدمات شيئا، وإنها مقدمات موجودة دائما لفكرة أساسية تهدف إليها وإن كانت لا تراها في لحظة الانجذاب والمحاولة على تتبع خيوطها، فهكذا هي عناوين المجموعة القصصية عند جمال فايز عبارة عن مقدمات أبعادها الأولى ظاهرية ولكنها تحمل أبعاد فلسفية عميقة فنجد عناوين ك( بشرٌ من الاكفان) و ( قرابين مياه البحر) و( وباء الفؤاد) و ( آخر البشر من لحم ودم) جميعها عناوين ومقدمات مركبة بأكثر من مفردة فيما عدا قصة واحدة من المجموعة بعنوان (زهرة)، وهذه العناوين/ الرايات المشرعة في قمة الهرم القصصي هي لوحات سريالية تم اختيارها بعناية لتزيد من الشغف القرائي الذي يتعمق أكثر كلما دخلت في متن النص.
فقصة (وما تبقى من شظايا المحار) تدور حول ” بقايا انسان، يستر وزاره الأصفر وفانلته البالية، وينهم بموال يكاد لا يتوقف”، فالبحار كشخصية محدده اختارها لتتحاور مع القاص العليم الذي يتبادل النظرات معه ” ما زلت كلما ذهبت إلى شاطئ المدينة أراه” ويعرض عليه المساعدة ” عرضت عليه ذات مساء، رغبتي في مساعدته بما يشاء وخزني بنظراته الحادة”، بالإضافة إلى مراقبته وهو يتجه للبحر تاركا سفينته خلفه إلى أن يختفي بالكامل في عرض البحر في نهاية القصة وأخر سطر فيها “نظرت ثانية إليه، عدت لا أرى منه إلا رأسه، يلعقه موج البحر، ويبتلعه اليم” ، هذا التوصيف من الخارج كشاهد اثبات حول تحول شخصية البحار الذي يرفض قطعيا إن يلتمس يد العون التي هي في الأساس المساهم الرئيس في تدمير البيئة البحرية ونقل السفينة الخشبية التي يمتلكها البحار من المرفأ التقليدي لها واقتيادها الى جهة غير معلومة، فدلالة الرفض لهذا الراوية ومقترحاته هي دلالة لرفض كلي عما قام به المطورون للواجهات البحرية بإقامة الموانئ الحديثة والتي بدورها اقتلعت كل قيمة حضارية قديمة ضاربه بجذورها، فالكاتب هنا بصوته يقف أمام حقيقة ليس بالضرورة التطور الحضاري يقابله انسلاخ من الماضي بطمسه وتشويه معالمه ونكراه فهناك يمكن المزاوجة بين ما هو حديث والإبقاء على ما هو قديم وشامخ ويمثل الارتداد الزماني والمكاني للبيئة البحرية القطرية ومنها الخليجية على وجه التعميم فالتطور سنه الحياة ولكن الايدي المتماسكة ما بين الماضي والحاضر يجب أن تمتد دون أن يكون طغيان الجديد على القديم كليا بحيث يحتفظ القديم بعبقه وينشئ بين ما هو حديث والإبقاء على ما هو قديم وشامخ ويمثل الارتداد الزماني والمكاني للبيئة البحرية القطرية ومنها الخليجية على وجه التعميم فالتطور سنه الحياة ولكن الايدي المتماسكة ما بين الماضي والحاضر يجب أن تمتد دون أن يكون طغيان الجديد على القديم كليا بحيث يحتفظ القديم بعبقه وينشأ إلى جواره الجديد فلكل واحد من القيمتين مردوده للآخر وخصوصا إذا امنا إن القديم هو الثروة التي يدفع الذين لا يمتلكونه الأموال الطائلة للحصول عليه ويأتي من مشارق العالم ومطالعها لرؤيته والتصوير معه والجلوس إلى جواره وتخليد الذكريات حوله ” بعد تجميل شاطئ المدينة، جاءت شاحنات أكبر، وبدأت الرافعات، برفع السفن الخشبية الموجودة على طول الساحل، وأخذها لمكان بعيد في اتجاه الغرب” وفي مقطع آخر ” التفت ناحية الغرب، حيث تسير الشاحنات بعضها وراء بعض، تصغر تختفي في قرص الشمس الأحمر القاني .. مضت سنوات والسماء حبلى بالغيم، لكن لم يسقط مطر، نصلي الاستسقاء، ولا يسقط مطر.. أبدا لا يسقط مطر” . الكاتب رفع من شحن المقاطع النهائية للقصة بذلك التوتر في الاتجاه للغرب وما يحمله هذا الاتجاه من صفة ملازمة في ثقافتنا الجمعية بان الغرب هو دلالة للأوربي القرصان والمغتصب للأرض والاناني الذي يسرق خيرات البلاد دون أن يرف له جفن، وهذا ما فعلته الشاحنات والمطورين العقاريين لشواطئ البحر قاموا بأخذ وحجز كل الشواطئ للطبقة المخملية من السياح والمنتفعين الذين يمتلكون الأموال وتم تعويض الصيادين بفتات من النقود أو أراضي تعويضيه بعيده عن جو البحر والبيئة البحرية التي كانت تعانق سحنتهم وقطعت بينهم وبين أجيالهم التي تواصلت أب عن جد في تلك البيئة البحرية الثرية بعاداتها وفنونها وتقاليدها فهو اقتلاع ممنهج من الجديد الذي يمثله الاتجاه الغربي الذي صنع الآلات التي تقتلع، والشاحنات التي حملت سفن البحار الذي لم يكن له ملجأ سوى الاتجاه أكثر نحو عمق البحر ودفن روحه فيه وهذا ما وصفه لنا القاص العليم في اخر مشاهداته له” ويبتلعه اليم”، فهي دلالة انكار لهكذا تصرفات تقود باقتلاع الانسان من بيئته التي عاش فيها، وتحطيم كل صله مع ماضيه، رغم أهمية التطوير والحداثة، فواضح أن الرفض هنا ليس بدافع تقديم موقف رخيص، إنما تقديم حجم الكارثة التي حلت بالصيادين الذين تم تغيير بيئاتهم بفعل إقامة الموانئ كالنموذج في هذه القصة، وهي بدورها تنعكس لكل ما هو تغيير كبير كإقامة الشوارع الجديدة والمدن الحديثة على شواطئ البحر.
كثيرة هي الشحن الدلالي الذي يمارسه كاتب متمكن من شخصياته وبيئته المكانية، وواضح أنه عايش التحولات الكبيرة التي حدثت بعد الطفرة النفطية على شاطئ الخليج، والتي قفزت كموجة تسونامي على معظم الدول المطلة على الخليج العربي وأحدثت هزات ارتدادية على الأسرة بداخلها، فمع التطور الكبير الذي شهده المجتمع القطري النموذج الذي يعبر عنه جمال فايز الا ان القارئ العماني والخليجي يستشف وجود ذات القضايا والاحداث والشخصيات المهمشة التي يتحدث عنها الكاتب جمال فايز كالصياد، والأب الذي يحاول أبنائه بيع بيته القديم، والابناء الذين يهجرون ابائهم حتى في يوم العيد، والزوجة التي تظل نائمة وزوجها ينهض مبكرا للعمل، فجميع شخصيات المجموعة القصصية هي من البيئات التقليدية المعروفة ساحلية وحضرية ويحدث لها التغيير الكبير الغير مبرر من الجيل الأصغر الذي تسلخ من جذوره سريعا وأعاب نفسه بهكذا سلوك وتصرفات تم تكبير عدسه مقعره لسلوكها المشين من جانب الكاتب للتنبيه عليها في ظل التسارع الثقافي الذي قادتنا اليه العولمة والثورة المعلوماتية التي للأسف لم نتوازن فيها ومعها فكانت مع فكر شبابنا المتحرر الذي لم يذق طعم الشقاء والمحن التي تصقل ذواتهم وتشبع قناعاتهم بالنعم التي أصحوا فيها على عكس جيل الإباء والاجداد الذين كانت الصعوبة والشقاء بقسوته الكبيرة لهم وهذا تنبيه يجب أن لا يتوقف بين الأجيال حرصا على المواطنة الصالحة وارتباطا بالمكان والبيئة الخليجية التي هي ثروة لبلادنا وأمان نشكر الله بان حبانا به وساعدنا على القيام بأدوار كبيرة في القرن الحادي والعشرين لخدمة الإنسانية في العالم.

د. سعيد بن محمد السيابي

إلى الأعلى