الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نداء يونس لـ “أشرعة” : الشعر سؤال شخصي جدا ودائري لا طرف له وكل النقاط على محيطه الشاسع بداية ما

نداء يونس لـ “أشرعة” : الشعر سؤال شخصي جدا ودائري لا طرف له وكل النقاط على محيطه الشاسع بداية ما

تؤكد جازمة أن الكاتب الذي يدخل نفسه في دوامة التعقيب لا يحسن صنعا
* الشاعر الجيد يتمكن من تطويع القصيدة لخدمة رؤاه برؤية استشرافية
* الموت هاجس فكري دائم قليله يؤدي الى الاستسهال وكثيره يقود الى العبث

دمشق ـ من وحيد تاجا :
تشعرك بمتعة الشعر والاختلاف وأنت تقرأ قصائدها .. تشدك أفكارها وأنت تتابع أحاديثها.. تلحظ بسهولة ” نرجسية وغرور الشاعر فيها، وهو ما لا تنكره بل وترى، في لقائها مع “اشرعة” ان ” بعض الغرور صحي، نحتاجه ويليق بنا”. ومع ان كل قصائدها تشي بالحب والعاطفة الا أنها ” تتهرب” بكل بساطة من الإجابة عن مفهومها للحب وترى انه :” لو عُرفت الإجابة، لو عَرفتها، لو عَرفها أحدهم، لقيلت قصيدة يتيمة، ومات الشعر” .. تدهشك رويتها وبساطتها وهي تتحدث عن الموت، الذي يحتل مساحة واسعة في قصائدها .. الشاعرة الفلسطينية نداء يونس من مواليد طولكرم عام 1977 تعمل في مجال الإعلام والترجمة منذ 14 عاما ،و صدر لها مؤخرا ديوان بعنوان ” أن تكون أكثر “…

* هل يمكن العودة إلى البدايات .. وماهي المؤثرات التي لعبت دورا في توجهك إلى الشعر تحديدا ؟
** كيف يمكن أن أجيب سؤالا كهذا؟ طبعا، لا أقصد أن أجيب سؤالا بسؤال، المسألة هي أن الشعر سؤال شخصي جدا، ودائري، لا طرف له وكل النقاط على محيطه الشاسع بداية ما، ثم أن الشعر كائن مواز، أحد شخوصنا الكثر، هكذا أضيف شخصا لهؤلاء الشخوص الذين يبحثون عن مؤلف، ثم انه كائن أليف ومخيف. كيف يبدأ الشعر؟ لا أدري، كل ما يحدث انك تكتشف وجوده في محطة ما، وتحاول التحديق بعينيه. يكون في البداية عملاقا، وكلما نضجت حزنا او تجربة استطلت، وصرت هكذا فجأة في مواجهته، ما الذي يمكن ان يقوله أحدنا -سؤال شغلني ويشغلني، لم أكن أريد أن أعترف أنه الشعر، أحدهم أصر على انه شعر، واصبت بالذعر، هربت منه سنوات عشر، وسلكت كل الطرق الالتفافية لئلا أقابله وجها لوجه، وفجأة اصطدمت به، وأدركت أنه لو لم يكن الشعر لكان أيه أداة أخرى تصلح لتحمل التباسات علاقتي مع الأشياء الى حيز ظاهر، وتحمل صوتي أبعد من قاع الحنجرة، اذا، فليكن الشعر، قلت، وحدث أن تحول “أن تكون أكثر” من فكرة سائلة الى كيان شعري.الشعر قدر، ربما، لكنه بالمطلق ليس خيارا.

* استوقفني اسم ديوانك “ان تكون اكثر”و كلمتك ” كل شخص لديه اطمئنان زائف، وأنا عندما كتبت حاولت تمزيق هذا الاطمئنان الزائف. والسؤال هل تمكنت فعلا من تمزيق هذا الاطمئنان الزائف وبعثرة كل شيء للوصول إلى الجوهر، واستطعت ” ان تكوني أكثر” ..؟
** لو تمكن أي منا أن يحقق أمانيه من تجربة أولى، لانتهى، وتوقف الكلام. قلت في آخر قصيدة في الديوان ان “الأسئلة عثراتنا/ ماذا تعني الدوائر التي كونها الحجر/ في ماء راكد/ سوى دفع الماء ليصل الشاطئ/ وقد لا يصل، هي أسئلة”. الأسئلة دوائر، لا تنتهي إلا لتبدأ ولا تتوقف ان بدأت. هل تنطبق قوانين الفيزياء على هواجسنا وعلاقتنا بالحياة ؟ نعم. اعترف أنني لم اهدم جدار اطمئناني الزائف، “إجابة واحدة تكفي/ لا لشيء سوى/ إعادة ترتيب الأسئلة”. عنوان الديوان أمنية الخائف أحيانا ورغبة العاشق أحيانا أخرى. الأسئلة ذات العلاقة بالجوهر شغل البشرية، هل كنا سنكتب شيئا لو كان أحدهم قدم لنا إجابات شافية حول كل هذا. يلجأ الكثير في مواجهة هواجسهم إلى طمأنة أنفسهم بأفيونات عديدة، القليل منا يبدأ بالأسئلة ويعلن عاليا اعترافا صعبا: هذا اطمئنان زائف. الصعوبة تكمن في عدم وجود البديل، الإجابات جميعا فردية وناقصة.

* يرى الشاعر المتوكل طه ان نصك الشعري بريء وطفولي ..كما انه غير جريء إلى حد كبير، .. ويحتاج إلى عوامل الصقل والمعرفة أكثر ….ما رأيك..؟
** عندما تقول كل ما لديك، عليك ان تصيخ السمع جيدا. لا أعتقد جازمة أن الكاتب الذي يدخل نفسه في دوامة التعقيب على أحكام الآخرين او نقدهم يحسن صنعا.ليس لسبب سوى لأن تجربة الآخر و/ أو الناقد مختلفة عن تجربة الكاتب، يختلف حجم اطلاعه وثقافته ورؤاه وميوله، بالنسبة الي، رأي الناقد يكشف عنه أحيانا أكثر مما يكشف عن النص. ثم ان الرد تورط في الدفاع، والنص أحق بأن يدافع عن نفسه، تتنوع الآراء، ولم يتفق النقاد في زوايا معالجتهم للنصوص الا قليلا.
لا أنظر إلى رأي الشاعر المتوكل بمقياس الصواب والخطأ، آراء الآخرين وسيلتي لأتعلم، لأكتشف فضاءات أخرى، لأوازن خطواتي حيث يلزم. هو لم يخطئ ولم يصب، لم يخطئ حين أسقط معرفته الشخصية بي على نصي، وان كنت لا أنكر أنني أشبه نصي كثيرا، ولم يُصب حين أسقط علي ربما تجربة البشتونيات مثلا، فأرادني أكثر حرية وتمنى شعري أكثر حسية وانكشافا وتحررا من سلطة رقابتي عليه. هو لم يعتبر وجهة نظره نقيصة بالمطلق، اذ أشار في تقديمه الى أنني صوت شعري يؤسس لمدرسة جديدة في الأدب الفلسطيني. لكل منا نقطة انطلاق على محيط دائرة الشعر، ربما رآني أقف في الجهة المقابلة للبشتونيات، مثلا، وهذا صحيح، رغم ان قصائد الثنائيات فيها انكشاف كبير حيث أقول: هناك لنا: “هاك مائي فأغرقي/ ورد القماش/ واعبثي هازئة بحدود اللون والزمن” أو “…………أمامنا عمر فلكي لاحتفالات النورزو/ وما غرق من تفاصيل عشب في ظل المسافة”.
في هذا العمل، هاجسي لم يكن الجسد، هناك روح تطارد قلقها العميق وطفلة تقف على أعتاب العالم. بكل الأحوال، ينقصنا الكثير من المعرفة دائما، وسيساعدني رأيه في تشكيل خطوات لاحقة، إذ ان في رأيه تبصر، فأنا بعد في البداية، ثم أنه أراد أن أقلل من رقابتي الذاتية على نصوصي، وهذا إدراك عميق بمعنى الكتابة، سيما وان هواجسي وعلاقتي الملتبسة مع الحياة والكون والمجتمع ستتمايز حتى أصل، وربما لا أصل الى تسوية ما مع الحياة لا تكون اطمئنانا زائفا.

* في قصيدة ” ان تكون أكثر ” تقولين: ماذا لو رأتك امرأة العزيز في شعري .. واخذتك بسحر كاهنها .. وقالت هيت لك.. سأخرجك من انحناءات الحروف.. وأمنع عطرك.. على أكمام قصائدي أن ينحني.. والدنيا أن تراك فتغرم..فهل هي ” غيرة” الأنثى ام نرجسية الشاعرة، والتي لاتكاد قصيدة تخلو منها.. ؟

** هل وشت القصائد بذلك، لا بأس، بعض الغرور صحي، نحتاجه ويليق بنا.
لا اعترف بالغيرة كثيرا، لكن أؤمن بوجود من يستحق أن يكون ربا لهذا القلب. أين تخفي امرأة حبيبها: في القصيدة غالبا، والكتابة انكشاف، والانكشاف هتك للسر والستر، والكشف يفقد المتابع المتعة واللذة. أريد لرجلي أن يظل سرا، لا يذاع، كي يظل سؤال الآخرين، وشاغلي الذي أصنع من استتاره الشعر والرؤى.

* لا تكاد قصيدة في ديوانك تقريبا تخلو من الحديث عن الحب وفلسفة العلاقة بين المرأة والرجل،: “لست الله يا حب … لتهبنا قدسية اللحظات في الأبد … لست نبياً لتهبنا المثالي فيك” . وسؤالي ماهو مفهوم الحب بالنسبة للشاعرة نداء يونس ..؟

** لو عرفت الإجابة، لو عرفتها، لو عرفها أحدهم، لقيلت قصيدة يتيمة، ومات الشعر.

* تميزت “القصيدة الومضة” ، التي افردت لها بابا خاصا في ديوانك، بالتكثيف الدقيق للفكرة واللغة والصورة. والسؤال.. كيف ترين قدرة هذه القصيدة التأثيرية في وجدان المتلقي، وهل بإمكان كلمات معدودات الحفاظ على روح الشعر .. والصور الشعرية .. أم أن المضمون هو الهدف في هذه القصيدة..؟ ـ
** ليست قدرة اية قصيدة ضمن المستحيلات الثلاثة التي نعرف. القصيدة الومضة تحتاج إلى ثقافة عالية، وقدرة مذهلة على الاختزال والتكثيف. إن لكل قصيدة جمالياتها وسحرها بعض النظر عن طولها. وايماننا بالمستحيل يغلق الباب الموارب بيننا وبين سؤال التجديد وإمكانية الإبداع. هنا، أقلب السؤال: ما المانع؟
روح الشعر تكمن في قدرته على اختزالنا وإثارة دهشتنا العالية، هكذا يعلق سطر شعري أحيانا، او بضعة كلمات في الذاكرة الجمعية ويورث، حيث تفشل قصيدة طويلة. مسألة الطول تَمَسُّكٌ بالشكل. هل أذيع سرا ان قلت أنني أترك قصيدتي تفرض نفسها وشكلها وموضوعها وموسيقاها وصورها بعيدا عن التفكير في رقابة النقاد، الاهم بالنسبة الى أن أجعلها تنجو من تسلط رقابتي الذاتية عليها.
الشاعر الجيد يتمكن من تطويع القصيدة لخدمة رؤاه، برؤية استشرافية، اعتقد أننا سنشهد أعمالا جميلة تتمركز على الومضات.
* استوقفتني كثيرا قصيدتك الجميلة ” الفزاعة ” ومحاولة انسنتها ” خسرتَ روحها/ لم يبق سوى القش” ..وسؤالي من اين يستقي الشاعر أفكاره وما مدى ارتباطها بالواقع..؟
** هو ذات الواقع القبيح ما يخلق لدي تلك الرغبة بأن أواجهه حينا، وأن أشكِّله على مزاجي حينا آخر. قيم الجمال تتنقل وتؤثر، لهذا ينبغي أولا أن نرى الجمال في الأشياء الصغيرة، نصنع منها عوالم جميلة ونقدمها للجميع بلا استثناء، الشعر تمرين على الجمال للجميع: للجندي الذي يحمل البندقية، للمرأة التي لا حلم لها، للرجل القاسي، للعاشق والطفل والعجوز، وللشيخ الذي استنفذته الصرامة. الشعر دين يبشر بالخلاص من القبح، ثم أنني بالشعر أمتلك وظيفة أخرى، هناك أنا إلهة تقوم بالخلق، وعرشي ليس الهوامش.
* مازال هناك من يهاجم قصيدة النثر ويقول إنها بلا موسيقى.. وأن الشعر هو اللغة المتزوجة زواجا شرعيا طبيعيا جدا من الموسيقى في حين إن النثر يجاور الموسيقى.. يقاربها.. يتحدث إليها، ولكنها ليست من صميم كيانه بالذات. ماقولك ؟

** أقول ما تقول القصيدة القادرة على الإدهاش فكرة ولغة وموضوعا. أقصد، أن القصيدة مرآة قدرة الشاعر على إضافة العناصر الى عمله ومزجها معا. الشعر تحمله اللغة، والمحمولات الشعرية المتعددة محمولات شرعية للنص الشعري. أدرك جيدا مواقف المدارس الشعرية من قصيدة النثر، أما أن يحتج أحدهم بالموسيقى، فما قوله بالنثر الذي ينضح بالموسيقى؟ اذا كان النثر قادرا على حمل كل تلك الموسيقى، فالاولى ان تكون القصيدة. شخصيا، أميل الى تلك القصيدة التي تحمل موسيقاها فيها.
لا أنكر طبعا ان حالة الاستسهال لدى البعض، وعدم نضوج الكائن الشعري لدى البعض الأخر، اسهما بشكل او بآخر بتجريد القصيدة ليس فقط من وحيها الشعري، بل وايضا من الفكرة والموسيقى والجدة والجدية والقدرة على الإدهاش والبقاء. التعميم يصيب قصيدة النثر في مقتل، لكن لا احد ينكر انها فرضت نفسها وحضورها. في قصيدة النثر قد تندر الموسيقى وقد تفيض من خلال عدد من الادوات مثل تكرار حروف معينة في الجملة الشعرية وعلى طول النص (استلهم بودلير وحسين البرغوثي) وابتكار التركيبات النصية، وغيرها من الادوات. لا ننسى ان القصيدة العربية تقوم على التفعيلة، فيما تقوم القصيدة الغربية وقصائد الشرق الادنى مثلا على نظام المقاطع الصوتية. اريد ان اقول ان خلق الموسيقى مسألة إحساس وثقافة. يمكن استثمار الوقت الضائع في المناكفات حول شرعية نص ما دائما، بمحاولة خلق نماذج أجمل تتسق مع قناعاتنا.

* يرى الشاعر عثمان حسين بان شاعر “الشعر الحر” أو “قصيدة النثر” ليس بحاجة لمعرفة الأوزان الشعرية (العروض) التي تلزم شاعر العمودي أو التفعيلة فهما، حسبما يرى، شكلين شعريين لهما خصوصيتهما التي لا علاقة لها بالوزن والقافية إلا عفواً ..ما رأيك أنت في هذا الامر..؟
** اذا استلهمنا بورخيس في تعريفه للشعر، حيث يؤكد على أن الشعر يتعلق ” بالتنغيم، بالإيقاع الذي وضعت فيه الإستعارة”، ثم أنه “الشعور”، حيث تُخفق القصيدة عندما تُرى كتمرين لغوي، في حين أنه يؤكد أن “الاستعارة يوحى بها إلى الشاعر”، فنحن أمام ما يسمى ببناء او جاهزية. ان جاهزية الشخص لان يكون شاعرا تعني وجود تلك القوالب في بنيته النفسية، القوالب التي تعني لدينا التفعيلة ولدى الآخرين المقطع الصوتي، وتعني أيضا قدرته على انتشالها من أعماق نفسه وتدريبها عليها ان أراد. لا اعتقد ان شاعرا لا يعرف الأوزان الشعرية، هي هناك، في ذاته الأعمق، لكنه لم يتعرف إليها، لم يكتشف اسمها، لكنها تحركه. لا شيء يخضع للصدفة الشعرية، الذي لا يعرف العروض يسقط بجدراة في خلق اي موسيقى، يمكنه ان يصنع فكرة او نصا جافا، او تمرينا لغويا، يسميه كما يريد ونتقبله كما هو دون شعور -كما قال بورخيس- ودون خَفَق. المعرفة لا تعني الاستخدام لكنها ضرورة لتحريك النص باتجاه حالته العليا.

* في شعرك طغيان واضح للفكر والفلسفة .. ؟
** كل إناء بما فيه ينضح.

* ذكرني قولك: يا موت / لا أخشى إلا وقوفي خلف نافذة الوجود / وحيدةوخائفة / الصمتُ هناك يقتلني . بقول الشاعر خالد ابو خالد ان هناك اثنان لا يموتان: الشهيد والشاعر، فكلاهما يتمظهران بالموت، أما نحن فنتمظهر بالبكاء أو الحزن.. وسؤالي ماهو مفهومك للموت ،ولماذا يحظى بهذه المساحة في قصائدك..؟

** لا أفهم الموت،وأخشى أن أشتعل لانتهي رمادا. الموت هاجس فكري دائم، قليله يؤدي الى الاستسهال وكثيره يقود الى العبث.
أعلم أن شعراء كثرا قاموا بمعالجة فكرة الموت بطريقة أجمل، ربما، مثل ت.اس. اليوت وايميلي ديكنسون وانسي الحاج والسياب، لكن خصوصية هذه القصيدة تكمن في حال من يواجهها. أنا طفلة الحياة، مرتبكة، وغامرة بالأسئلة الكثيرة، التي لا إجابة لها. في القصيدة أقفز خلف نافذة الوجود وحيدة وخائفة، وبنظرة خاطفة إلى العنوان، تعلم يقينا سبب الخوف، الموت هو العائق الوحيد أمام “الأكثر”. بالموت، لا يصبح الأكثر أقل، بل يصبح لا شيء. أريد أن أتهيأ للموت، أريده أن ينتظرني قليلا، وان يقول لي ما الذي سآخذه معي. أسأل، ” يا طريقي الى الآباد كم سأسير”، وأين ستذهب ذاتي المفرده. خوفي من الموت أعكسه في قصيدة لأجلكَ أنتَ أَعود بقولي” اني ما اشتعلت إلا ليَحكيني الرماد” وفي ثنائيات الحب والموت أتمنى ” ربما ينتظرني الموت قليلاً”"، لدي شيء لافعله، ولدي بعد أسئلة. ليعذر القارئ دهشتي الطفلة أمام الموت العظيم، للشاعر أيضا أن يكون طفلا وأن يرتبك أمام/ بعد النهاية.

* هناك تأثر واضح بالشعر الصوفي في قصائدك. ” غيمة بيضاء أنا / أطارد اللون في قزح / لا أعود بيضاء / ولاأصل إلى قدر اللون الكثير “. كيف تنظرين الى استلهام معظم الأصوات الشعرية الجديدة من التراث الصوفي، والتي اصبحت تشكل ظاهرة ملفتة..؟
** ربما لأن هذا العمل رحلة روحية. التأثر مسألة نفسية، وليست خيارا، أعتقد أن ملاحظتك هذه تعزز عدم وجود سكيزوفرانيا في هذا العمل، وتضيف الى شكله بعدا توافقيا أجمل.

* لماذا لجأت في قصيدة ” الكوريدا “الى دمج النص الشعري بالنثر ..وما رأيك في مسألة عدم وجود فواصل واضحة بين الأجناس الأدبية..؟
** هناك تعريفات محددة للأجناس الأدبية المألوفة. يريحنا هذا التقسيم حين التعامل مع النص قراءة او نقدا، لكنه يربكنا أمام تلك النصوص التي لا تترك جمالا الا ونهلت منه. أميل الى عدم التشدد دائما، الى منح النصوص مساحة لتعبر عن ذاتها. تلك الكائنات يمكنها ان تتكلم وان تعقد ألسنتنا أحيانا. اعتقد ان مشكلة المدارس الكلاسيكية في الأدب، ليست مسألة الفواصل بين الأجناس الأدبية، بل التشدد المطلق في الارتكاز الى الفواصل التي تدعيها،والذي لا تستطيع تلك المدارس ذاتها تقديم تبرير له. ثم، كقارئ، هل يهمنى حقا النص، أم قدرته على إدهاشي وإمتاعي وأخذي معه الى مفازات وعرة وأخرى بعيدة، وجعلي أتذوق طعم الكلام. القارئ هو فيصل النص وفواصله، كلما شدَّ نصٌ قارئا، سقطت نظريات الأدب جميعا، وعلت قيمة الجمال. أميل الى الفوضى شرط الإبداع والإمتاع وإعادة الخلق والتكوين.

*هناك لجوء في أكثر من قصيدة للتناص القرآني ( قصة سيدنا يوسف او سيدنا سليمان او المسيح عليهم السلام ) لماذا..؟

** ليس التناص القرآني وحده، هناك تناص مع الحكايات مثلا وتوظيف ميتافيزيقي للأسطورة، لكنه ليس تناصا اجتراريا حرفيا وليس أساسا للنص بل حجر إسناد كما في سناسل الحقل، أمر بالفكرة الخام، وأذهب بها أبعد مما يتوقع القارئ، ربما أيضا إلى النقيض، وأعيد خلق الحكاية.الفكرة هي استخدام النص الأصل في غير سياقها المألوف. التناص مناورة مع المتوقع، أحمل عصا الساحر،أصنع من يقطينة التناص عربة للأحلام، ولا أنسى الحكاية.

* اذا انتقلنا للحديث عن الشعر الفلسطيني. يرى الشاعر المتوكل طه ان نداء يونس تنتمي إلى صوت شعري فلسطيني أسس إلى قصيدة جديدة في تاريخ الشعر الفلسطيني.. ما رأيك.. وماهي سمات هذه القصيدة الجديدة ..؟
** هذا ما أسميه السؤال الفخ. نعم، أريد أن أقول نعم، أتمنى، لكن كما قلت سابقا، سأقف على حذر الحرف.
قلقي ظهر مبكرا، إلا أنني كنت أبحث طوال الوقت عن ذاتي الشعرية، تنقلت بين محمولات عديدة للشعر بدءا من العمودي، كأقدم المحمولات الشعرية، وصولا إلى أحدثها مثل الهايكو والتانكا والابيجراما الفلسفية، وجدت ذاتي في قصيدة النثر، ليس بذاتها المجرد النثري، بل بإيقاعات عالية، لم أوظف الوزن للحصول عليها، بل استلهمت بودلير في رؤاه، واستتبعت خطى رولان بارت في نقده للنص الأدبي. ثم اشتغلت طويلا على البناء النصي للقصيدة، ويتجلى ذلك في الثنائيات، بناء التضاد والتقابل والمساحات المفردة المتساوية للمتحدثين، لأخرج بذلك من مونولوجيا الرباعيات او خماسيات الشعر الأندلسي، الى نمط آخر في البناء الهندسي ومسرحة النص.

* يرى احد النقاد ان الإنجاز الأهم للشعر الفلسطيني الحداثي، تمثل في خروجه من السياسي / الأيدلوجي إلى فضاء الإنساني .. ما قولك..؟
** ربما، لكن قشة تغطي عوارنا السياسي والأيديولوجي. اعتقد أن هذا ليس خروجا بل هروبا من حالة غريبة نعيشها تتميز بضحالة الثقافة وانعدام الأفق السياسي. السياسيون والمفكرون الفلسطينيون ظهروا في فترة معينة ثم عشنا حالة تغييب او تغريب أسهمت بوجود نشئ تائه فكريا ووجوديا ووظيفيا ونفسيا في حالة الشيء السراب الذي نعيشه. ربما لقارىء عالمي، وبغياب المعرفة بهذه الإشكاليات، يبدو المثقف الفلسطيني يسير في إطار توجهات عالمية. في إطار غياب أي معلومة لدي حول هذا الناقد، وهل كتب من احتكاكه بنا ام من شرفة العالم العالية، فإنني لا استطيع ان أصفه لا بالواهم ولا بالعالم. كل ما استطيع هنا ان اصف الحالة من داخلها.

* بالتالي، كيف تنظرين الى شعر المقاومة الان ..وهل تمثل عودة الشاعر الفلسطيني الى الذات انسلاخا عن مجتمعه وقضيته..ام ان أسئلة الشعر هي التي تطورت ومفهومات الشعر تعمقت، بحيث أصبح سؤال الشعر سؤالاً شخصياً..؟
** في الحالة الفلسطينية يختلط الخاص بالعام، يصبح سؤال الشعر وجوديا أحيانا كضرورة وشخصيا أحيانا كحالة. الفلسطيني إنسان قبل كونه مقاوما، ومقاوم حتى يصير إنسانا كالآخرين. الازدواجية مسألة تشابك حتمي، لكن الفيصل حاله الوهم التي وصلنا إليها. كل الآفاق مغلقة، مصيرنا مرتهن بمجموعة من المصالح الإقليمية والدولية. الشعر المقاوم لعب دورا محرضا ومعرفا وتوعويا ورسولا، في ظل تضاؤل وإخفاء للانا/ الشخص/ الذات وتجلياتها لدرجة ان الحبيبة في قصيدة كانت تؤول الى الأرض مثلا، ولكنه اصطدم بفشل المشروع. لا حصلنا على العام ولا استبنا الخاص، فصرنا نبحث عنه في شعرنا، نبحث عن تعريف للإنسان لنتمكن ربما من إعادة صياغة سؤال الذات والهوية والوطن. انتهجنا طريقة معكوسة لخيارنا السابق. بهذا المفهوم يصبح الشعر سؤال أزمة.

* كيف ترين الفارق بين شعر الداخل الفلسطيني وشعر الشتات.. ؟
** تجارب مختلفة تتأثر بواقعها وتعكس الثقافات التي تعايشها. تختلف الظروف الموضوعية والمعيشية للفلسطينيين على اختلاف أماكن وجودهم. فكرة السلطة والخوف متباينة، كما تتعدد أيضا زوايا النظر. شعر الشتات يُغِّيب كل المتغيرات على الأرض لأنه لا يعرفها، هو لا يعرف الحاجز ولا شكل الجندي ولا معنى الحصار ولا زحف المستوطنة على شباك البيت ووجه الشمس، ولا فكرة التيه بين المراد والمأمول، ما يراه ويحكيه، حنينه إلى بلد ورث أوصافها ومفتاح بيت له فيها من جده. هو يرسم البلاد بقلبه، ويحكي أحلامه المشتهاة. كأني به يقف على ضفة النهر الأخرى يمد يده إلى مراياه في الماء ويصبح نرجسا على الضفاف. في الداخل تتنازع الفلسطيني انتماءاته الفعلية وواقعه تحت سلطة دولة هجينة، تعذبه ثنائية اللغة ومسألة دونية التعامل ومحاولات الاجتثاث من خلال ممارسات تهويدية تسعى إلى صهره في مجتمع جديد، الشاعر في الداخل يحكي عن خوف يختلف عن خوفنا ومشاكل تختلف عن مشاكلنا، كأني به تبتلعه دوامة، ويمسك بكل فلسطينيته ليحتفظ به كاملا دون تشويه او اذابه وتحته تشتعل النار. الشعر ليس بديلا لشيء، لا للمشروع القومي ولا لضرورة النهوض الفكري، ولا يغطي على حالة الانحسار والانكسار والضعف، نحن منقسمون ومشتتون ومفرقون ومشغولون بنا وعنا، الواقع سؤال هوية، ومسألة ذات. المشكلة التي تواجهني الان هي ايجاد جمع لكلمة واقع. هكذا لا يفشل الشعر، بل تفشل اللغة كلها حيث يتوجب ان يكون هناك عمل آخر.

*اذا انتقلنا الى الترجمة .. وهو الميدان الآخر الذي برعت فيه ..الى اي مدى يكون المترجم أمينا على النص الذي يترجمه .. وهل من الضروري على من يترجم الشعر ان يكون شاعر..؟
** الأمانة في الترجمة ضرورة أخلاقية ومهنية، طبيعة النص تحدد شكله الجديد الموازي في لغة أخرى، قدرة المترجم على استبطان المعنى الباطني ونقله، تجعل النص أقرب إلى الأصل، وأقول أقرب لأن الغالب في مسألة الترجمة هو اعتبارها خيانة للنص. هناك العديد من المعايير للحكم على نجاح الترجمة من فشلها، ولا اعني تقنيا، لكن من تجربتي، وجدت ان تحوير النص الى نص يحمل ذات الفكرة والدلالات والرؤى بلغة يمكن لقارئ في اللغة الأخرى ان يفهمها ويتذوقها معيار مهم لنجاح الترجمة. عندما أقرأ ترجمة لشعر بول ايلوار او ازرا باوند مثلا، أصاب بالدوار، الترجمة الحرفية للنص الأدبي أكبر خيانة للنص. في الشعر، يفضل ان يكون المترجم شاعرا ليتمكن من نقل روح المعنى فقط. عندما أترجم الشعر تحديدا، أضع نفسي مكان القارئ، وأقول لي: أريد أن أقرأ ما أفهمه، أريد أن أقرأ شعرا.
أقرأ ترجمة لصالح علماني لروايات ماركيز مثلا، رغم أنني لا اعرف الاسبانية، الا أنني أجدها ترجمة راقية وجميلة ووافية، لا أحتاج ان أراجع النص الأصلي لأفهم. لكن لو قرأت هذه الترجمة لشعر لشارل بودلير من قصيدة “موت العشاق”:
” سيكون لنا مضاجع مفعمة بالعطور الناعمة/وأرائك عميقة بعمق القبور ”
ابدأ مباشرة بالتساؤل، هل مفعمة هي الترجمة الصحيحة،هل هي كلمة شعرية، أليست ثقيلة ونثرية جدا إذا ما اخذنا معيار الموسيقى بالاعتبار أيضا، ألم يأخذ المترجم التجاور اللفظي بالاعتبار، أليست هذه الترجمة خيانة لمعنى النص، الم يكن بإمكان المترجم استخدام مبللة، مثلا، غرقى او غارقة قد تكون خيارا آخر. ثم أليس، تكرار عميق وبعمق في الجملة الثانية مما يضعف النص، الم يكن بامكان المترجم ان يقول ببساطة ” وأرائك بعمق القبور”.
عندما قمت بترجمة قصيدة للشاعر المتوكل طه بعنوان مغناة الحاكم بأمره، والتي قدمت في مهرجان الشعر العربي في سوريا، كان علي ان أترجم الى لغة أخرى بحيث أحترم مستوى النص الذي بين يدي، ومعانيه وإبداعيته، الى لغة أخرى بثقافتها وطريقتها في نظم الشعر، ثم كان علي أن أنتبه جيدا الى التجاور اللفظي الجيد في اللغة الانجليزية، وان احافظ على الموسيقى والتقطيعات الصوتية.
في مطلع القصيدة، يقول الشاعر “الوميض الكسول بلا عدد في الأسرة، والذائب المنتشي من نبيذ وعنبر، لكل الليالي، ليجرحني الناي أكثر”
هكذا ترجمتها
Countless sluggish sparkles lying in the beds,
Dissolving superiority of wine and perfume,
Are there every night,
To enable the flute wound me more.

كان يمكن اختيار lazy لكن كم كانت ستكسر الموسيقى وتخون معنى التمطي بدلال حيث لم يقصد الشاعر الكسل، ثم ان اختيار sluggish يضيف الى الموسيقى بتكرار s و sh في كافة كلمات السطر الشعري، وهكذا.
في التص التالي ايضا نقلت الفكرة، واستخدمت في النص المترجم القلب metathesis وخلقت القافية وحافظت على الوزن (rhyme and rhythm) وهي من ضرورات الشعر بالانجليزية، رغم انها لم تكن موجودة في النص الأصلي.
ملَلْتُ، فأَحْضَرتُ سُمَّاًزُعافاً، وقَلتُ لِنسْوَتيَ الخائِفاتِ: تَجَرَّعْنَهُ !! ثُمَّ أَغْمَدتُ سَيفي بِصَدري، ورَحتُ إلى يَقْظتي
Grown blackly bored,
Poison I brought, told my scared women to drink,
Stabbed my chest with my sword
And to my other life I walked.

* ما هو المقياس الذي نميز من خلاله بين النص المترجم بشكل جيد والنص المترجم بشكل سيئ..؟
** إضافة إلى ما قلته فيما يتعلق بالتقنيات وطرق الترجمة، بكلمات بسيطة، أقول، هو أن لا اضطر إلى العودة إلى النص الأصلي لفهم الترجمة ان كنت اعرف تلك اللغة، او ان لا ارمي النص من بين يدي لان لا مرجع آخر لفهمه.

إلى الأعلى