الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / محمد سلماوي يستعيد نجيب محفوظ عبر عشرات الحوارات
محمد سلماوي يستعيد نجيب محفوظ عبر عشرات الحوارات

محمد سلماوي يستعيد نجيب محفوظ عبر عشرات الحوارات

تغوص في فكر وحياة وفلسفة صاحب الثلاثية

القاهرة ـ العمانية:
في الذكرى التاسعة لرحيل الروائي المصري الكبير نجيب محفوظ زادت الأسئلة حوله وحول إبداعه.. وكان حاضرا بقوة في المشهد الثقافي العربي وكذلك في المشهد الصحفي. وأصدر مركز الأهرام للنشر كتابا ضم المئات من الحوارات التي أجراها محمد سلماوي مع نجيب محفوظ ونشرت في الأهرام. والكتاب يضم حوارات مهمة جدا تغوص في فكر وحياة وفلسفة صاحب الثلاثية. إذ يرصد المؤلف على مدار سنوات في حواراته رؤى ومواقف وتوجهات نجيب محفوظ حيال القضايا السياسية والاجتماعية؛ فضلا عن الأوضاع الفكرية والثقافية في مصر إضافة إلى آرائه في عدد من الشخصيات التاريخية مثل سعد زغلول وجمال عبد الناصر وغيرهم من رواد الفكر والثقافة والإعلام. ويقدم السلماوي أحد المقربين جدا من نجيب محفوظ وهو الذي تشرف باستلام جائزة نوبل بالنيابة عنه خلاصة فكر نجيب محفوظ الأديب العالمي من خلال الحوارات التي أجراها معه على مدى 12 عاما والتي كانت تنشر على صفحات الأهرام منذ محاولة اغتياله الآثمة في العام 1994 وحتى رحيله عام 2006. ولا تقف أهمية الكتاب على ما يكشفه نجيب محفوظ في حواراته مع سلماوي عمق التخطيط والتنظيم الذي تميز به محفوظ وانعكس على أدائه، وإنما يروي عصارة تجربة حياتية ممتدة عبر 95 عاما عاصر خلالها الكثير من الأحداث الوطنية والتطورات السياسية التي عصفت بمصر فضلا عن اهتمامه بالتطور الحادث على الساحة الفنية والمجتمعية، وهو الأمر الذي جعل من محفوظ شخصية استثنائية جمعت بين اتجاهات وتوجهات سياسية وفكرية متشعبة. ويتحدث محمد سلماوي عن السبب في إجراء الحوارات التي بني عليها الكتاب، فيقول إنها جاءت بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها نجيب محفوظ، بعد أن طعنه شاب بسكين في رقبته، وكان محفوظ قد أرسل عدة مقالات لجريدة الأهرام حيث كان ينشر مقالاته في باب وجهة نظر، لكنه لم يتمكن من كتابة المزيد ويقول سلماوي إن محفوظ رفض أن يتقاضى أجرا من الأهرام دون أن يكتب لها وأصر على أن يكون هذا الأجر لقاء هذه الحوارات. وكان سلماوي يجري الحوارات مع نجيب محفوظ كل يوم سبت في السادسة مساء لينشر الحوار في عدد الأهرام يوم الخميس .. لكن سلماوي قال ان ما نشر في الكتاب لا يمثل إلا 5% فقط مما يملك من حوارات مع محفوظ، مؤكدا أن لديه ما يقرب من 500 ساعة تسجيل مع الراحل. وفي أول حوار له في الكتاب يكشف نجيب محفوظ موقفه من الدين، فيرى أنه بسبب التقدم الكبير الذي سخر للإنسان قوة هائلة لم يكن يسيطر عليها من قبل ولم يكن حتى يتصورها في خياله أصبحت ضرورة الدين أشد، لأن هذه القوة إما أن يراعى في استخدامها شيء من المبادئ الإنسانية والأخلاقية أو ستخضع لتقدير العقل والمصلحة، والعقل والمصلحة بعيدا عن المبادئ قد تنشأ عنهما الكثير من الكوارث مثل الحربين العظميين. وردا على سؤال من سلماوي حول إذا ما إذا كانت رؤية محفوظ للدين باعتباره منظومة مبادئ والا يمكن الاستعاضة عنه ببعض الفلسفات الوضعية الحديثة التي تنضوي أيضا على المبادئ الإنسانية والإخلاقية قال محفوظ: هناك من الفلسفات ما يدعو إلى المبادئ العامة، لكن أغلبها متأثر بالأصل الديني، فلم يكن جان جاك روسو على سبيل المثال بعيدا عن المسيحية. معتبرا أن أصحاب الإيمان وحدهم الذين يموتون في سبيل المثل والمبادئ النبيلة، فوراء التضحية دائما إيمان وليس مجرد اقتناع عقلي، وهو ما جعل الفلاسفة أنفسهم يطالبون بالدين مثل الفرنسي فيكتور كوزان الذي قال في القرن الماضي إننا في حاجة إلى الدين من أجل الدين. وفي حوار آخر يتحدث نجيب محفوظ عن رأيه في الزعيم جمال عبدالناصر معتبرا أنه “زعيم ثورة، وقد أثر في مصر تأثيرا كبيرا، وغير تركيبها الطبقي، أي أنه رفع الشعب عدة درجات، وحطم الاقطاع دون سفك دماء، وعمل إصلاحات لمصر لم تعرفها من قبل، ولم يكن به عيب إلا انزلاقه أو انزلاق الديكتاتورية إليه، واللعب الشيطاني الذي لعبته المخابرات في وقته لكنه زعيم من أجل وأعظم زعماء مصر. وفي حوار أيضا من حوارات الكتاب يقول نجيب محفوظ رأيه مرة أخرى في جمال عبدالناصر “هو واحد من أكبر الزعماء السياسيين في تاريخنا الحديث، وقد كان هو رأيي في أثناء حكمه وهو رأيي الآن، وأنا في الحقيقة لم أصل إلى هذا الرأي إلا بعد تأميم القناة، فقبل ذلك لم أكن مرتاحا لوثوب ضباط الجيش على الحكم وقد كنت أتصور بانتمائي لـ “الوفد” أن عليهم أن يسلموا الحكم لـ “الوفد” وقد زاد توجسي خلال أزمة مارس عام 1954 لكني مع تأميم القناة وجدت نفسي أمام زعيم حقيقي يسعى لاستقلال الأمة وتحرير قرارها السياسي”. وفي سياق آخر يرى محفوظ أن للعالمية مفهومين، كمي وكيفي، والأول يعني أن العمل الأدبي يتم قبوله في أي مكان، بصرف النظر عن قيمته الأدبية، ويدلل على ذلك بالقصص البوليسية، وحالة أجاثا كريستي وزعت كتبها في العالم أكثر من جميع الكتاب الكبار مجتمعين، وهي بذلك تصبح كاتبة عالمية. أما مفهوم العالمية من حيث القيمة، فلا ينصرف إلى مدى ودرجة انتشاره، بل لقيمته من حيث الجودة والرُقي. فالمقارنة بين أجاثا كريستي وتوماس مان توضح
عالمية الانتشار وعالمية القيمة. وفي الشكل الأخير نجد عدة صفات .. كشمول الفكرة والعمق والفلسفة والرؤية، ومن يمتلك هذه الصفات هو أديب عالمي، سواء حصل على نوبل أم لا. فالجائزة التي لم تمنح طوال تاريخها إلا لحوالي 90 كاتباً، تستدعي التساؤل .. فهل هم فقط كل الكُتاب العالميين في القرن العشرين؟! وعن واقع ومستقبل الأدب العربي يقول محفوظ .. للأسف الأدب العربي الآن يقع بين شقي الرحى، ففي الكثير من الدول العربية يُعاني الكتاب من الرقابة المفروضة عليهم من قِبل بعض الأنظمة السياسية .. أما في الدول العربية الأخرى فإن الاتجاه إلى التطرف الديني يُشكل قيداً آخر على الأدباء لا يقل خطورة عن الرقابة السياسية. لذلك وجدتُ في بعض الأدب العربي الحديث اتجاهاً نحو الانسحاب من الحياة العامة والانغلاق على النفس، بالتعبير عن موقف الشخص عن الجنس أو الدين، فضلاً عن أن الأدب ككل اهتزت مكانته لمنافسة التلفزيون له. وبالسؤال عن إمكانية تغير الوضع الأدبي قريباً، كان رد محفوظ: صحة السؤال هي .. هل سيتغيّر المجتمع العربي قريباً؟ ومن الحوارات الغريبة التي ضمها الكتاب حوار حول التزوير يتطرق فيه محفوظ إلى ظاهرة تزوير الكتب ومؤلفاته بشكل خاص، وأنه يتفاجأ بصدور طبعات هنا أو هناك في العديد من البلاد العربية، ويذكر موقفاً كحكاياته القصصية، كنتُ جالساً في مقهى ريش، وجاءني رجل لبناني طويل مهيب، وعرفني بنفسه قائلاً: أنا الذي زورت كتبك، من «عبث الأقدار» حتى «ميرامار»، قلت له: أهلاً وسهلاً، ماذا تريد. فقال: أريد أن أعقد معك اتفاقاً، لأنك بفضلي تُقرأ في جميع الدول العربية .. بصراحة إن المزورين كثروا، وأصبح التنافس بيننا شديداً وعنيفاً، لذلك أردتُ أن أتفق معك حتى أكون أنا مزورك الوحيد .. وذلك نظير حقك المادي طبعاً. فوجدت كلامه منطقياً، ووقعت معه الاتفاق.

إلى الأعلى