الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إسرائيل وانتهاك الحماية القانونية للمقدسات الدينية

إسرائيل وانتهاك الحماية القانونية للمقدسات الدينية

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. أين العالم الإسلامي والمسيحي والدولي من كل تلك الانتهاكات السافرة لحقوق الشعب الفلسطيني ومقدساته الإسلامية والمسيحية؟ وأين هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الحقوقية والقانونية والإنسانية وكل أولئك المتشدقون بحقوق الإنسان والديمقراطيات وغيرها من تلك المصطلحات ” التي أصبحت لا تسمن ولا تغني من جوع “”
ــــــــــــــــ
المستعمرة الإسرائيلية الكبرى, سرطان التمدد والاستعمار الذي لا يميز ما بين بشر او مدر, والنموذج القديم المتجدد للإرهاب بمختلف أشكاله وأنواعه وتوجهاته, فمن بناء جدار الفصل العنصري في القدس المحتلة وانتهاك الحريات المدنية والسياسية للشعب الفلسطيني بداية من مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني, مرورا بهدم المنازل ورفض منح تراخيص البناء وانتهاك الحق في السكن، وغيرها الكثير من الاعتداءات القانونية والإنسانية والأخلاقية , إلى الاعتداء على المقدسات الدينية وانتهاك حرية العبادة وحق ممارسة الشعائر الدينية، الى تجاوز كل تلك الجرائم بتكرار محاولاتها الآثمة لتغيير المعالم الحضارية والجغرافية والتاريخية لمدينة القدس والمسجد الأقصى تمهيدا لتدميره وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه, رغم إدراك حكومة الكيان الإسرائيلي لماهية هذه الجريمة ومدى بشاعتها الأخلاقية, وحتى الأموات في المقابر الإسلامية لم تسلم من أيادي العبث الصهيونية الإرهابية, فقد قامت السلطات الإسرائيلية بهدم وتدمير المقابر الإسلامية في فلسطين بشكل عام ومدينة القدس بشكل خاص وذلك بهدف طمس وإلغاء ملكية تلك الأراضي , وبذلك انتهكت إسرائيل جل ما يمكن أن نتصوره من المقدسات السماوية والملكيات الدينية والحضارية في ارض الرسالات فلسطين.
وتعد آخر تلك الجرائم الإرهابية التي ستسجل في تاريخهم الدموي الإرهابي الأسود قيام القوات الخاصة الصهيونية وقوات من حرس الحدود والقناصة باقتحام ساحات المسجد الأقصى قبل الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين الموافق 28-9-2015م , حيث قاموا بإطلاق الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية والغازية صوب المعتكفين، الأمر الذي أدى لاندلاع النيران داخله، كما استخدام جنود الاحتلال الأوكسجين، وأدوات القطع لتحطيم نوافذ المسجد، بالإضافة لآلات الحفر لقص الحمايات الحديدية للنوافذ من الجهة الشرقية, واستخدمت قوات الاحتلال لأول مرة درعا حديديا خلال اقتحام باحات الأقصى، كما طردت الحراس والمصلين للسماح للمستوطنين بالدخول عبر باب المغاربة, ووقعت مواجهات مشابهة في الحرم القدسي خلال الأسابيع المنصرمة، وجاءت اشتباكات اليوم مع دخول أعداد من اليهود الى ساحات المسجد الأقصى بحراسة شرطة الاحتلال حيث يصادف احتفالهم بعيد العرش العبري.
مع العلم بأن إسرائيل لم تكتف بالمقدسات الدينية الإسلامية, بل تجاوزتها إلى المقدسات المسيحية كالاعتداء على كنيسة البصة وكنيسة الشجرة وكنيسة القديسة بيلاجية خلال السنوات الماضية, وكان آخر تلك الاعتداءات على المقدسات المسيحية مصادرة إعمار عقارات كنيسة “بيت البركة” الواقعة قبالة مخيم العروب خلال العام 2015م ، تلك العقارات التابعة للكنيسة المشيخية في بيت لحم، يذكر أن بيت البركة المشيد منذ ما يزيد عن 70 عاما وتبلغ مساحة أرضه نحو 35 دونما، هو مستشفى في الأراضي الفلسطينية كان يقدم خدمات مجانية لعلاج مرضى السل في منطقة الجنوب حتى إغلاقه عام 1983.
خلاصة الأمر, أننا نستطيع أن نقول بأنه ليس هناك أي موقع ديني إسلامي أو مسيحي بمعزل عن أيادي الحقد الصهيونية العابثة, والتي لا يحكمها أي رادع أخلاقي ولا سماوي يمكن أن يأخذ به هذا الكيان لاحترام تلك المقدسات الدينية , ولكن وبكل تأكيد فإن جريمتها الكبرى في هذا المجال هي الاعتداء على حرمة المسجد الأقصى الشريف , كون هذا المقام قبلة العديد من الديانات السماوية الإسلامية والمسيحية وحتى اليهودية , وبالتالي هو جزء لا يتجزأ من تلك الديانات السماوية نفسها , بحيث لابد من المحافظة عليه واحترام كل رقعة منه , وتقديسه وإجلاله.
ولمعرفة حقيقة هذه الجريمة الكبرى ـ انتهاك حرمة وقداسة المسجد الأقصى بشكل متواصل – كان لابد من فهم ومتابعة تسلسلها التاريخي الذي ساعد إسرائيل على التمادي فيها, إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه هذه الأيام, وكيف ساعدت الكثير من الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية التي ما زالت إلى يومنا هذا تدعم هذا الكيان في كل تحركاته وجرائمه لدرجة أن أصبح فيها – أي الولايات المتحدة الأميركية ـ ( نفوذًا قويًّا لتلك العقيدة الصهيونية ، وهناك كنائس تبشر بذلك وتدعو إليه ، وتجمع من رعاياها المال اللازم لتمويل عمليّة هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل ، ودعم إسرائيل سياسيًّا وإعلاميًّا كجزءٍ من تحقيق شروط عودة المسيح المزعومة ؛ كما تتمتع هذه الجماعة بنفوذٍ قويّ داخل الحزب الجمهوريّ والديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية ، ويتعاطف معها بصورة ضخمة رموز اليمين الأميركي المحافظ ) , وهو ما جعل مجلس الشيوخ الأميركي في وقت ما يقر نصا يعترف فيه بشكل رسمي بالقدس عاصمة لإسرائيل مع إلزام الحكومة الأميركية بنقل سفارتها إليها.
أما بريطانيا فكان لها دور لا يقل مطلقا عن الدور الأميركي في مساعدة هذا الكيان الغاصب على مواصلة جرائمه واعتداءاته الوحشية بكل أشكالها وأنواعها ودون مراعاة لحرمات أو مقدسات, وخصوصا المقدسات الدينية كالمسجد الأقصى الشريف, فقد كانت البداية في عام 1918 مع أول مخطط صهيوني لتقسيم مدينة القدس على يد سلفادور اللنبي, حيث قام هذا الأخير بتقسيمها إلى أربعة أقسام وهي البلدة القديمة والمناطق المحيطة بها والقدس الشرقية (العربية) والقدس الغربية (اليهودية), وقد ساهمت هذه الخطة بذلك الشكل على تعزيز الوجود اليهودي بشكل كبير وذلك بهدف السيطرة الكاملة عليها وتحويلها فيما بعد إلى عاصمة للـ…. اليهودية.
وحيث إن فلسطين قد كانت تحت الانتداب البريطاني الذي أباح لليهود حرية الهجرة إلى فلسطين بل ساعد وساهم في التسهيل لها لدرجة أن اليهود قد أصبحوا يمثلون 60% من نسبة السكان مع العام 1946 , وظلت الهجرة اليهودية بقوتها المدعومة من الإمبراطورية البريطانية في ذلك الوقت حتى عجزت هذه الأخيرة من الإمساك بزمام الأمور مما دفعها إلى عرض المشكلة على الأمم المتحدة في العام 1947, تلا ذلك قرار تقسيم الدولة الفلسطينية وإعطاء جزئها الأكبر لمن لا يملكها أو يستحقها أصلا, (على أن قرار تقسيم فلسطين قد اقر وضعا آخر لمدينة القدس بسبب أهميتها بالنسبة لكل البشر الذين يدينون بديانة سماوية, يتمثل في تدويلها وقيام مجلس وصاية تابع للأمم المتحدة بإدارتها لمدة عشر سنوات يعاد النظر بعدها في النظام الذي يجب أن تحكم به المدينة بعد ذلك, وقد قام المجلس بوضع معالم النظام الذي يحكم المدينة) رغم أن هذا النظام وبعد مرور كل تلك السنوات لم يطبق أبدا إلى يومنا هذا, ولكن المهم في الأمر أن مدينة القدس قد أصبح لها وضع دولي وقانوني خاص يمنحها المكانة والحماية التي يمنع المساس بها أو انتهاكها من قبل أي طرف من الأطراف المتنازعة عليها, وفي أي زمان أو مكان دون الرجوع إلى النظام الذي يحكمها.
ولكن الصهاينة وبعض اليهود ممن لا يدينون بالديانة اليهودية السماوية لا يحترمون المقدسات أو يراعون القوانين والمواثيق والعهود منذ عهود النبوة الأولى , وقصتهم مع نبي الله موسى في القرآن الكريم معروفة لدى الجميع وربما قبل ذلك , ولذلك فإن ما يقومون به هذه الأيام من محاولات مستمرة للمساس بحرمة المسجد الأقصى والتي كان آخرها مشروع هدم الطريق المؤدي إلى باب المغاربة الملاصق لجدار المسجد الأقصى الغربي لدليل واضح على تلك الانتهاكات السافرة والواضحة للجميع , مع العلم بأن محاولاتهم تلك قديمة ومتواصلة في عقيدتهم الصهيونية , وأبرزها على الإطلاق حديثا ما بدا مع العام 1969 بمحاولة إحراق المسجد الأقصى على يد رجل منهم يدعى ميشيل دينيز روهان ,( ونلاحظ هنا أنّ ذلك الشخص ليس يهوديًّا ولا إسرائيليًّا ؛ بل مسيحيّ بروتستانتيّ استراليّ، وقد تمّ القبض عليه واعترف بالموضوع إلا أنّ المحكمة الإسرائيليّة أصدرت أمرًا بإطلاق سراحه بدعوى أنّه مصابٌ بنوعٍ من الجنون المتقطع ، وأنّه أثناء المحاولة كان واقعًا تحت سطوة إحدى نوبات الجنون).
تلاها في عام 1980 محاولة الحاخام مائير كاهانا زعيم حركة كاخ إطلاق صاروخ على جبل الهيكل , وفي العام 2001 سمحت المحكمة العليا في إسرائيل لحركة أمناء جبل الهيكل بوضع حجر الأساس للهيكل الثالث قرب باب المغاربة في القدس القديمة, وغيرها العديد والكثير من التهديدات المبطنة والظاهرة, لدرجة أن بعض الزعامات اليهودية الدينية المتطرفة لديهم فكر في نسف المسجد الأقصى بقنبلة تسقط عن طريق طائرة بدون طيّار أو عن طريق طائرة يقودها انتحاريّ إسرائيليّ , وقد نشر هذا الخبر في العديد من الصحف الإسرائيلية والأجنبية, وبالتالي فإننا لا يجب أن نستغرب من فظاعة تلك التهديدات, مع الأخذ بعين الاعتبار تلك الجرائم ومراعاة أن لا تمر تلك التهديدات مرور الكرام على دولنا الإسلامية أو العربية وغيرها من الدول التي تدين بالديانات السماوية التي تعتبر القدس الشريف جزءا لا يتجزأ من عقيدتها السماوية, بل لابد من تحرك رسمي وشعبي تجاه تلك الاعتداءات المتكررة على الحرمات والمشاعر الدينية.
ختاما فإن إسرائيل وبتلك الأعمال اللاأخلاقية في حق المسجد الأقصى بشكل خاص قد تجاوزت كل الشرائع السماوية والقوانين الدولية والمعاهدات القانونية المعمول بها في هذا الخصوص , كاتفاقية جنيف المبرمة في عام 1945 م والملاحق الملحقة بها في العام 1977, واتفاقية فيينا لعام 1983، بشأن خلافة الدول في الممتلكات، والتي أضفت حماية قانونية خاصة على المقدسات الدينية, والقرار الدولي رقم 533 لعام 1986 والذي يقضي بإدانة محاولة تهويد بيت المقدس وإزاحة الطابع العربي والإسلامي منه , والقرار رقم 476 الصـادر في 5يونيو 1980 , والذي شجب تمادي إسرائيل في تغيير الطابع العمراني لها , وتكوينها الديموغرافي وهيكلها المؤسسي , وغيرها الكثير من القوانين الرسمية المعترف بها دوليا , والغريب في الأمر بأن الحكومة الإسرائيلية نفسها قد أقرت بتلك الالتزامات وأصدرت قانونا لتأكيده هو القانون رقم 5727 لسنة 1967 والذي جاء فيه انه ” تحفظ الأماكن المقدسة من أي انتهاك لحرمتها ومن أي شيء قد يمس بحرية وصول أبناء الأديان …. أو بمشاعرهم تجاه هذه الأماكن ” ونص على عقوبة الحبس لمدة خمس سنوات لكل معتد على هذه الأماكن).
فأين العالم الإسلامي والمسيحي والدولي من كل تلك الانتهاكات السافرة لحقوق الشعب الفلسطيني ومقدساته الإسلامية والمسيحية؟ وأين هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الحقوقية والقانونية والإنسانية وكل أولئك المتشدقون بحقوق الإنسان والديمقراطيات وغيرها من تلك المصطلحات ” التي أصبحت لا تسمن ولا تغني من جوع ” من كل تلك الجرائم البشعة التي تمارس يوميا بحق المقدرات والمقدسات الفلسطينية ؟ أم أن تلك المؤسسات الدولية واقعة هي أيضا تحت إرهاب هذا الكيان ؟؟!

إلى الأعلى