الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين .. الثالثة : مجلس الشورى .. ودوره في مرحلة تعدد الأزمات وتنوعها

العين .. الثالثة : مجلس الشورى .. ودوره في مرحلة تعدد الأزمات وتنوعها

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

توصف المرحلة الراهنة التي تمر بها دول المنطقة على الخصوص بانها مرحلة الازمات المتعددة والمختلفة، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتداعياتها الاجتماعية الكبيرة، وكل التحليلات تشير الى استدامتها اي الازمات على الاقل لفترة زمنية طويلة، وهذا قدر مفروض على الدول كلها، كبيرها وصغيرها، وتبدو لنا المسألة كصيرورة زمنية جديدة سوف ينجم عنها تحولات ومتغيرات كبرى سواء داخل كل دولة أو على الصعيدين الاقليمي والعالمي، والمؤشرات كلها ناطقة بالأدلة الدمغة على هذه الصيرورة الزمنية الكونية، وما الارهاصات التي تحدث الان في مناطق متعددة سوى فصل متقدم من هذه الصيرورة، وهو فصل تعمه الفوضى الجذرية الشاملة التي تسبق مرحلة تأسيس التشكيلات والتحولات لمرحلة الاستدامة الزمنية الجديدة ، فكيف ينبغي لبلادنا ادارة هذه المرحلة في ضوء أزمة النفط على وجه الخصوص؟
تساؤل فيه بعد استراتيجي من جهة ورؤية استشرافية جديرة بالاعتداد بها من جهة ثانية، ولابد أن يطرح الآن من رؤى متعددة ومستقلة للزوم العصف الذهني الذي تحتمه هذه الصيرورة، ولدواعي ضرورات الحفاظ على مكتسبات بلادنا التاريخية والمعاصرة، ومن هذين البعدين يحق لنا إعمال العصف الذهني لتقديم مرئيات ورؤى قد تسترشد بها إدارتنا لمرحلة الازمات وافاقها المستقبلية ، لكن ، وقبل ذلك ، علينا أن نستشرف ابرز التداعيات التي يمكن توقعها في حالة اذا ما استكانت الحكومة أو اية حكومات لمبدأ الجمود الذي يعكسه لنا في حالتنا العمانية عدة معطيات ملموسة، ابرزها، التراجع المتسارع في تنافسية بلادنا بناء على تقرير التنافسية العالمي خاصة وان هذه التنافسية تحدد مدى صحة البيئة الاستثمارية وقابليتها وقدرتها على جذب الاستثمارات، وبذلك تكون السلطنة في حالة هبوط متدرج منذ عام 2012 ـ سنتناوله في مقال خاص ـ فهل هذا المثال يعكس لنا شيئا على مستوى الاداء الحكومي ؟ لن تغيب عن ذاكرتنا توصيفات ،، الترهل والتراخي ،، لمعالي الوزير المسئول عن الشئون الخارجية، إذن، لم تعد قضايا التدبير والتسيير للشأن العماني بكل جوانبه المختلفة مهمة حصرية للحكومة، فهذه مرحلة سياسية قد تجاوزناها شكلا ومضمونا بعد الاصلاحات الشاملة التي ادخلت عام 2011، لكن تظل الاشكالية في التطبيق، وعدم التطبيق، يجعل استمرار الاحادية والانفرادية طاغيا على العمل الوطني، ومن ثم لن نستغرب حدوث مثل ذلك التراجع في تنافسية السلطنة العالمي لأربعة اعوام متواصلة، وهذا التراجع السنوي المتواصل يفتح لنا كل الابواب للبحث فيها عن اسباب الاخفاق ـ ليس موضوعنا الان ـ وكذلك تقديم رؤية لاستدراك المسار فورا، وهذا موضوعنا اليوم، بداية من لزوم الاقناع والاقتناع الحديث عن أبرز التداعيات المحتملة في حالة عدم اعمال العقل الجماعي المؤسساتي المشترك الذي يستجيب لتحديات الصيرورة الزمنية، فسوف نجدها في حدوث توترات دائمة في العلاقة بين الحكومة والمجتمع، هذه رؤية استشرافية نخرج بها من خلال مجموعة تحليلات كنا قد تناولناها في مقالات سابقة تحت عنوان عديدة، ونخرج بها كذلك من استمرارية الرهان على العقل المنفعل الذي لا يفكر الا في حالة الازمات، وحتى في هذه الحالة يكون نتاج فكره منتوجات تفكيرية قاصرة على استيعاب الرؤية الشاملة، وتمس دائما البعد الاجتماعي الحساس جدا، فكيف ينبغي العمل على عدم حدوثها اي التوترات؟ لن نجد من وسيلة فاعلة ترضي الاغلبية سوى تفعيل الشراكة بين الحكومة ومجلس الشورى، فالانفرادية والاحادية في اتخاذ القرارات أو تبني الخيارات الاستراتيجية لم تعد مسئولية حكومية خالصة ـ كما قلنا سابقا – وإنما هى شراكة وتشارك بين الحكومة ومؤسسات الشورى الدستورية في بلادنا إن اردنا تحقيق المسئولية الجماعية التي تكسب الرضا الاجتماعي، ودون هذه المسئولية سوف تنفجر التوترات عند كل تبني أو اتخاذ قرار فيه الآلام اجتماعية أو عند المساس بالمكتسبات الاجتماعية حتى لو كانت الضرورة تحتمه اصلا، أو تأخر وتعطيل استحقاقات اجتماعية كالترقيات حتى لو بسبب الازمة النفطية، ربما لانعدام الثقة الاجتماعية في الاحادية والانفرادية ، وهناك تاريخ لهذه الانعدامية، وبالتالي لابد من الرهان على العقل المشترك الدستوري والقانوني في تسيير وتدبير شأننا الداخلي في مرحلة الازمات على أن يكون ذلك انطلاقة دائمة تؤسس لمرحلة ما بعد الازمات ، فأي قرار أو توجه حكومي خالص لن يحظى بالقبول الاجتماعي، وسوف تثير حوله الشكوك والريبة، دليلنا على ذلك ترقيات عام 2010، فرغم تأثر ميزانية البلاد باستمرار انخفاض اسعار النفط، الا أن مستحقي هذه الترقيات وعلى وجه الخصوص المعلمين لم يقبلوا الحجية لعدة اسباب موضوعية سنتناولها في مقال مقبل ـ بناء على طلباتهم المتكررة لنا ـ لذلك فإن اي قرار يمس المنطقة الاجتماعية كتأخير الترقيات أو خفض نسبة الايجارات الحكومية أو حتى رفع الدعم عن المحروقات كاملة أو بالتدرج أو … الخ مهما كانت مبرراته الموضوعية لابد أن يشارك فيه مجلس الشورى بالتحديد ، وعلى هذا المجلس أن يدرسها بعناية فائقة من حيث الخيارات المطروحة وضروراتها ، وهل هى لوحدها التي يجب أن تدفع الثمن أم أن هناك خيارات أخرى يجب أن تتخذ، الفصل المقبل لمرحلة الازمات خطير ، وفيه سنشهد ميلادين هامين هما موازنة عام 2016، والخطة الخمسية التاسعة الجديدة ، ولدى الحكومة الان خيارات عديدة للتعاطي مع الازمة النفطية فقط دون الانفتاح على مجموع الازمات الاخرى القائمة أو تلك التي تتولد من الخيارات ، وتفعيل الشراكة مع مجلس الشورى يشكل بمثابة الضمانة الاكيدة للحفاظ على التماسك الداخلي في مرحلة الازمات ، فأية حلول تخرج من هذا العقل المشترك سوف يتولد فيها الثقة الاجتماعية ، ومن ثم القبول حتى لو كان فيها بعض الآلام الاجتماعية، فالمجتمع على استعداد للتضحية من أجل وطنه عندما يكون ذلك ضروريا، وعندما يكون تقدير هذا الضرورة من قبل مشاركة عقول ممثليه مع الحكومة .. للموضوع تتمة.

إلى الأعلى