الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة : القضية الفلسطينية ماتت إكلينيكيا

أضواء كاشفة : القضية الفلسطينية ماتت إكلينيكيا

لم تنعزل السلطنة يوما عما يحيط بها ويجري حولها من أحداث بل كان اسمها دائما وأبدا حاضرا وبقوة ليعبر عن السياسات الحكيمة التي تسير عليها منذ انطلاق نهضتنا المباركة على يد قائدنا المفدى حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ وأبقاه.
كما لم تتخل عن أية دولة شقيقة أو صديقة تمر بأزمة أو تواجه مشاكل ما بل اتسمت مواقفها بالدعم المادي والإنساني والرأي السديد الداعي للحوار البناء المثمر والسلام القائم على العدل والمتوافق مع القوانين الدولية.
ولعل في مقدمة الملفات الساخنة التي دعت السلطنة فيها لضرورة إقرار السلام ووقف الانتهاكات والالتزام بالشرعية الدولية الملف الفلسطيني المزمن الذي لم يعد يحتمل السكوت عليه. فقد جددت السلطنة في كلمتها التي ألقاها سعادة السفير عبد الله بن ناصر الرحبي مندوب السلطنة الدائم لدى الأمم المتحدة أمام الدورة الثلاثين لمجلس حقوق الإنسان على ضرورة طرح ما تتعرض له الأراضي الفلسطينية من انتهاكات إسرائيلية بصورة شفافة ونزيهة بحيث يتكشف أمام العالم ما يحدث من اعتداءات صهيونية بغيضة على الشعب الفلسطيني الأعزل وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان فالوضع أصبح مأساويا ولا يحتمل المزيد من سياسة غض الطرف تجاه هذه القضية التي يتبعها المجتمع الدولي.
لقد زادت وتيرة انتهاكات قوات الاحتلال في الآونة الأخيرة خاصة في المسجد الأقصى المبارك حيث الاقتحامات المتكررة للمستوطنين واليهود المتشددين والتي تتم تحت حماية الجيش والشرطة الإسرائيلية إلى جانب الاعتداء على المصلين والمرابطين بالمسجد في محاولة لتهويد الأقصى أسوة بما تقوم به من تهويد ممنهج لمدينة القدس والأراضي المحتلة بأكملها تحت غطاء قانوني فاشي يتعارض مع الشرعية الدولية كما تعمل على إبادة الشعب الفلسطيني على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
للأسف لم يستطع العرب والفلسطينيون أن يفرحوا بالاستحقاق التاريخي الذي حققه الفلسطينيون برفع علم بلادهم فوق مقار الأمم المتحدة لأنه في الوقت الذي تم فيه ذلك نجد أن الشعب الفلسطيني يعاني من وضع مزرٍ وعربدة مستمرة من قبل قوات الاحتلال تفقدهم الأمل في ميلاد الدولة الفلسطينية المنشودة في الوقت الراهن .. فالسلام بين الجانبين ينهار والأمور تزداد تعقيدا.
لاشك أن تهديد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بانسحاب بلاده من اتفاق أوسلو هو أقل رد فعل من الممكن أن يعبر به عن رفضه لما تمارسه إسرائيل من انتهاك صارخ للقوانين الدولية وتهربها من الالتزام بتعهداتها .. فما جدوى أن يلتزم الفلسطينيون بالقوانين ولا تقوم بذلك دولة الاحتلال ؟.. إلا أن الجميع يعرف أن هذا التهديد لن يحرك ساكنا ولن يغير من الوضع شيئا في الأراضي المحتلة ولكن ربما يتحرك المجتمع الدولي لفض الاشتباك وممارسة الضغط الكافي لحل المشكلة عندما يجد أن الطرفين لا يلتزمان بالاتفاقيات الدولية.
إن الانتهاكات والاعتداءات التي تمارسها إسرائيل تثبت بما لا يدع مجالا للشك أنها لا تريد التوصل لاتفاق سلام عادل وشامل وتقضي على أي أمل في حصول الشعب المحتل على أدنى حقوقه .. فهي لم تلتزم بأي اتفاق أبرمته مع الجانب الفلسطيني وتحدت بشكل سافر الشروط التي نصت عليها اتفاقيات أوسلو كما أنها تراوغ وتعمل على إضاعة الوقت حتى تفرض أمرا واقعا بعد تغيير الخريطة الجغرافية والديموغرافية للأرض المحتلة بعد التهامها قطعة قطعة وبناء الحواجز والمستوطنات وجدران العزل الفاصلة والمستوطنات والتي لا تفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين بل بين الفلسطينيين بعضهم البعض بحيث لا تتواجد مساحة من الأرض يمكن إقامة دولة مستقلة عليها .. أما القدس فهي لا تريد تقسيمها لشرقي وغربي ولا تعترف بحق الفلسطينيين فيها وقامت بالسيطرة عليها بالكامل وتهجير أهلها وتهويد كل شبر فيها والأدهى والأمر السيطرة على المسجد الأقصى وتقسيمه زمانيا ومكانيا كمقدمة لهدمه وتدميره وإقامة الهيكل المزعوم بدلا منه .. وبالتالي من يتأمل اتفاق أوسلو يجد أنه لا يطبق سوى على الجانب الفلسطيني فقط حيث يتطلب من السلطة الفلسطينية أن تحرص على تحقيق الأمن الإسرائيلي بغض النظر عن مصلحة وحقوق شعبها لذلك لم يجد الرئيس الفلسطيني بدا من حذو الجانب الإسرائيلي في إلغاء الاتفاقيات الدولية والعودة لما قبل المربع صفر بعد أن ضاق ذرعا بالوضع المأساوي الحالي.
الغريب أن بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي رد على انسحاب أبو مازن من اتفاق أوسلو بإلقاء اللوم على الفلسطينيين بأنهم لا يتحملون المسئولية ولا يرغبون في إقرار السلام بالمنطقة وذلك لأنهم يرفضون التفاوض بدون شروط مسبقة وفي ذات الوقت ينكر حقهم في الحصول على دولة مستقلة ذات سيادة والقدس كعاصمة للدولة المنشودة وعودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم والرجوع لحدود عام 1967 مما يجعلنا نوجه سؤالا للجزار نتنياهو على ماذا سيتفاوضون إذن وماذا تبقى لهم من حقوق سيتفاوضون عليها ؟.
لاشك أن الوضع الصعب الذي يعيشه الفلسطينيون لم يعد يحتمل التنصل من مسئوليته فالمجتمع الدولي بأكمله يشارك الصهاينة الجرائم النكراء المتواصلة التي يرتكبونها في حق الشعب الفلسطيني لأنه يلتزم الصمت والتجاهل .. لذلك على المجتمع الدولي أن يتحمل مسئوليته تجاه القضية المزمنة والضغط على الدولة العبرية كي توقف انتهاكاتها وتخضع لمفاوضات قائمة على الشروط العادلة التي تعطي لكل طرف حقوقه المشروعة .. أما الفلسطينيون فلم يتبق لديهم سوى ورقة واحدة لو تمسكوا بها ستكون الرابحة وهي الوحدة والوقوف صفا واحدا في وجه العدو المشترك لأن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من فرقة وتشرذم الفلسطينيين وانقسامهم لأحزاب وفصائل وتفكك السلطة سيزيد الطين بلة وسيسوء الوضع ويتأزم لأنه لن يكون هناك ممثل شرعي معبر عن الشعب المسكين في ظل الحرب التي يشنها عليهم المستوطنون وقوات الاحتلال يوميا في همجية وإرهاب فاق كل الحدود .

* * *
رعاية المسن .. واجب وطني
شاركت السلطنة مؤخرا في الاحتفال باليوم العالمي للمسنين والذي حمل شعار “إضافة حياة للسنوات وليس فقط سنوات للحياة” إيمانا منها بقيمة هذه الشريحة من المواطنين التي تعتبر كنزا للخبرة والحكمة والمشورة .. فقد أفنوا شبابهم وحياتهم في بناء الوطن وعملوا قدر استطاعتهم على تقدم المجتمع وتنميته لذلك فإن رعايتهم حق الرعاية وقضاء حوائجهم هو أقل ما يمكن أن نقدمه لهم ونرد به الجميل.
لقد اعتبرت السلطنة الاهتمام بكبار السن واجبا وطنيا وحرصت منذ فجر النهضة المباركة على وضع البرامج التي ترعى كل فرد في المجتمع كبيرا كان أو صغيرا لذلك نجد أنها خصصت برامج تشمل رعاية كبار السن وتوفير احتياجاتهم مثل البرنامج الوطني لرعاية المسنين عام 2011 وأنشأت المرافق والخدمات التي تحقق لهم الحياة الكريمة المستقرة اجتماعيا وصحيا كما حضت الشباب على احترامهم وإبداء الوفاء نظير ما قدموه من خدمات جليلة لهؤلاء الشباب حتى شبوا وأصبحوا رجالا ونساء كذلك حثت الأسر كي تتعرف على المشاكل الصحية والنفسية والاجتماعية للمسنين وتقديم أفضل رعاية لهم وغير ذلك من الخدمات التي تعنى بهذه الفئة عناية خاصة.
إن كبار السن يعانون من مشاكل نفسية كثيرة مثل الخوف من الأمراض إن لم يكن بالفعل مصابون ببعض منها إلى جانب التفكير بالموت والإهمال العاطفي وهو ما يدفعهم للإصابة بالاكتئاب والعصبية وهي ظروف لا يتقبلها البعض فنراهم يقومون بالبحث عن مراكز إيواء يودعون فيها مسنيهم بحجة أنهم لا يجدون الوقت لرعايتهم في ظل اللهاث وراء لقمة العيش والانشغال بأمور البيت والأولاد والعمل وهو ما يزيد من الحالة النفسية للمسن سوءا.
لاشك أن المسنين يحتاجون إلى معاملة خاصة يغلفها الاحترام والوفاء والرفق فقد حثنا ديننا الحنيف على الاهتمام بكبار السن كما أن “الأيام دول” و”كما تدين تدان” وما يفعله الإنسان اليوم مع والديه سوف يرد له في المستقبل من أبنائه .. لذلك يجب أن يحرص كل إنسان على حسن معاملة والده ووالدته وجده وجدته حتى لا يجد نفسه منبوذا مهانا من أبنائه.
نحمد الله أن مجتمعنا العماني يتميز بالوفاء والتكافل الاجتماعي لذلك نجد أن نسبة كبار السن الموجودين في دور رعاية المسنين ضئيلة مقارنة بالدول الأخرى وتقتصر معظمها على من ليس لديه أبناء يراعونه أو من لديه ظروف خاصة تمنعه قهريا من رعاية المسن .. لذلك لم تأل حكومتنا الرشيدة جهدا في الاهتمام بهذه الفئة يبرهن على ذلك ارتفاع متوسط عمر المواطن العماني نتيجة الاهتمام الاجتماعي والصحي الذي يجده المسنون.
ولم يقتصر اهتمام الحكومة بالمسنين خارج منازلهم بل قدمت دعما ووسائل لرعاية المسن في المنزل ووسط الأسرة كتوفير الأجهزة اللازمة وتهيئة المنزل وتدريب أفراد الأسرة على كيفية رعايته صحيا ونفسيا وفي بعض الأحيان توفير جليس متخصص يتقن رعايته والاهتمام به وسط عائلته.
إن نجاح أي مجتمع يتوقف على نجاح العلاقات الإنسانية بين أفراد الأسرة التي هي نواة هذا المجتمع والاهتمام بكل فرد فيها سواء كان طفلا أو شيخا مسنا لأنهم جميعا شركاء في التنمية وبناء المجتمع على حد سواء .. ولا يسعنا إلا أن نرفع القبعة احتراما وتقديرا وتحية لكل مسن وله جزيل الشكر على عمره الذي أفناه لرعاية من حوله.

* * *
حروف جريئة
تقرير إخباري طيرته وكالات الأخبار مؤخرا يشير إلى أن الخوف والجوع يستبد بسكان جنوب السودان رغم اتفاق السلام الذي لم يراوح الورق الذي كتب عليه بينما على الأرض وضع مأساوي آخر مليء بالمعارك والهجمات الدامية والخوف والجوع حيث تعد المنطقة الأسوأ في العالم على الصعيد الإنساني والأمن الغذائي .. أليس هذا خير دليل على أن تقسيم البلاد وانفصال أجزاء منها لا يحل المشاكل بل يزيدها تعقيدا ؟.. ليت من يدعون للاستقلال عن بلادهم يتعظون.

* * *
مسك الختام
قال تعالى : “وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا”.

ناصر اليحمدي

إلى الأعلى