الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / العمل الأوبرالي “توراندوت” يختتم عروضه في دار الأوبرا السلطانية مسقط
العمل الأوبرالي “توراندوت” يختتم عروضه في دار الأوبرا السلطانية مسقط

العمل الأوبرالي “توراندوت” يختتم عروضه في دار الأوبرا السلطانية مسقط

تعد قمة الإنتاج الإيطالي التي تركها الموسيقار جياكومو بوتشيني

مسقط ـ العمانية :
اختتم بدار الأوبرا السلطانية مسقط مساء أمس الأول العمل الأوبرالي الكبير “توراندوت” للموسيقار الإيطالي الشهير جياكومو بوتشيني الذي وقع عليه الاختيار لتدشين دار الأوبرا السلطانية مسقط في أكتوبر 2011. وتكمن أهمية “توراندوت” كونها من إنتاج المخرج السينمائي والمسرحي الشهير فرانكو زيفريللي وهو إنتاج خاص لدار الأوبرا السلطانية مسقط حيث تعد الأوبرا قمة الإنتاج الأوبرالي الإيطالي التي تركها الموسيقار الكبير غير مكتملة حيث وافته المنية قبل انتهائه من كتابة المشهد الأخير في 1924.
وشارك في الحدث الكبير أكثر من 60 عمانيا ومقيما كمتطوعين في بادرة غير مسبوقة للتواصل المجتمعي والمسرحي احتفاءً بالمواهب المحلية حيث تجسد أوبرا توراندوت مبادئ الشجاعة والتسامح وتنتهي بانتصار الحب على مشاعر الكراهية والانتقام وهو إنتاج درامي مبهر جدير ببداية الموسم الخامس لواحدة من أعظم الأعمال الأوبرالية التي تقدم على خشبة واحدة من أجمل قاعات العرض المسرحي والفني على وجه الأرض.
وفي أكثر اللحظات حدةً وتأثيرًا وفي ذروة الحبكة الدرامية لعمله الأوبرالي الأخير وراندوت جفّ الحبر في قلم بوتشيني ونضب معه نبع إبداعاته المتدفق توفي بوتشيني قبل أن تحبك أنامله خيوط المشهد الأخير من الأوبرا الذي كان ليجمع بين الأمير /خلف/ والأميرة /توراندوت/ مليكته القاسية، في لحن ثنائي حميم. لقد كانت وفاة واحد من أهم ملحني الأوبرا الإيطاليين في عصره قبل كتابة النهاية بمثابة إشارة من القدر إلى استحالة المضي قدمًا وإكمال العمل.
وكان بوتشيني يكافح لإيجاد نهاية منطقية لعمله الأوبرالي تبرّر كيف يمكن لاثنين من الغرباء أن يجتمعا في أغنية حب ثنائية ويشدوَا بصوتيهما معًا معلنَيْن الخاتمة المنطقية للمشهد الاحتفالي والعرض ككل وعلى عكس عمله الأوبرالي /البوهيمية/ مثلًا، لم يكن الحب الحقيقي ما جمع بين /توراندوت/ والأمير المقدام، بل على الأحرى عواطفهما الجياشة وإيمانهما بحتمية القدر وعلى مدار الأحداث الدرامية، بالرغم من أن اللحظات التي جمعت بينهما محدودة، إلا أنها مؤثرة ففي نهاية الفصل الأول لم يسترق الأمير /خلف/ سوى نظرة سريعة إلى ملكة الثلج التي لم تنطق بكلمة واحدة وبرغم أمرها الوحشي بقطع رأس /أمير بلاد فارس/ الذي عجز عن حلّ ألغازها الثلاثة، يقع /خلف/ أسير جمالها وسحرها وغموضها. وبرغم محاولات ردعه وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تطاله في حال لم يتمكن من حل الألغاز، يقرع بكل حماسة الصنج الصيني ثلاث مرات معلنًا تقدّمه للامتحان ومجازفته بحياته للفوز بقلبها!.
واستمد بوتشيني عمله الأوبرالي من قصة أساطير شهيرة للكاتب الإيطالي المسرحي كارلو جوتسي تدور أحداثها في بكين في القرون الوسطى ومقتبسة بدورها من النسخة الفرنسية لمجموعة من القصص العربية ترجمها المستشرق الفرنسي أنطوان جالان في 12 مجلدًا بين عامي (1704 و1717) وعُرفت باسم (ألف ليلة وليلة) “حكايات عربية مترجمة إلى الفرنسية”. ولقد صمّم بوتشيني على إضفاء صبغة عصرية عليها وإكسابها نفحة مستنبطة من صدق التجربة الإنسانية، وعليه طلب من مؤلف نص الأوبرا، جيوزيبي أدامي، إضافة شخصية (ليو) إلى العمل وهي أمة شابة تلعب دورًا محوريًا في مثلث الحب بين (خلف) و(توراندوت).
وتتربع أوبرا (توراندوت) على قمة مشوار بوتشيني الفني كما أنها تمثل نهاية عصر فن الأوبرا الإيطالي العظيم الذي بدأه مونتفردي بعمله (أورفيوس) في عام 1607. موسيقاها تعكس الأسلوب الذي اعتمده بوتشيني في أواخر القرن التاسع عشر في كتابة الموسيقى، مستعينًا بفرق أوركسترا وكورال ضخمة وعدد أكبر من الآلات الإيقاعية وتآلفات ثنائية النغمات، ومغامرًا بألوان موسيقية عصرية مثل نغمات السلم الخماسي والآلات الموسيقية الأجنبية غير المألوفة. لقد أوجدت تلك الابتكارات مجموعة جديدة من وسائل التعبير الموسيقي تعكس الشرق الأقصى بكل ما يمثله من سمات متناقضة كالعنف والحسية والشجاعة والتضحية. وإذا ما مزجنا كل ذلك مع ميل بوتشيني إلى الغنائية وألحانه المتراخية الشهيرة للوتريات، تكون النتيجة واحدة من أعظم الأعمال الأوبرالية الرومانسية الاستثنائية في عصرها.لم يعش بوتشيني ليكمل عمله الذي بدأه، فلقد توفي بعد صراعه مع سرطان الحنجرة في 29 نوفمبر 1924 والمشهدان الأخيران للعمل أكملهما تلميذه، ألفانو الذي استعان بمسودات من نوتات موسيقية كان قد كتبها بوتشيني قبل وفاته.

إلى الأعلى