الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / 45عاماً على رحيل عبد الناصر

45عاماً على رحيل عبد الناصر

محمد عبد الصادق

” كانت أول تجربة سياسية له قبل أن يبلغ الخامسة عشرة, عندما شارك في عام 1932م بمظاهرة انطلقت من ميدان المنشية بالاسكندرية, احتجاجاً على إلغاء رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت اسماعيل صدقي المتحالف مع الإنجليز دستور 1923م , وجعل استقلال مصر الذي حصلت عليه مجرد حبر على ورق, وتعرض ناصر لضربات الشرطة وقُبض عليه وأودع السجن مع عشرات المتظاهرين”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
في ذكرى مرور خمسة وأربعين عاماً على رحيل جمال عبد الناصر, أعدت جريدة الأهرام القاهرية , ملفاً وافياً عن حياة الزعيم الراحل بعنوان “الوجه الآخر لجمال عبد الناصر” تناولت فيه النشأة والبيئة التي عاش فيها والتأثيرات الاجتماعية والثقافية التي ساهمت في تكوين شخصية الزعيم الراحل , سرد الملف قصة ميلاد عبد الناصر بحي باكوس الشعبي بالإسكندرية في 15يناير 1918م , لأب قادم من قرية بني مر بمحافظة أسيوط بصعيد مصر, لم يحصل سوى على قدر يسير من التعليم مكنه من الحصول على وظيفة متواضعة بمصلحة البريد بالإسكندرية, بمرتب كان يكفي بالكاد احتياجات أسرته الصغيرة, كان ناصر نتاجاً لطبقة موظفي الدولة المصرية وأبناء صعيد مصر, فحمل ثقافة الطبقة الوسطى وتقاليد الصعيد المصري, عاش جانباً من حياته الأولى متنقلاً بين الإسكندرية والدلتا والقاهرة, أثرت هذه المكونات في ناصر فجعلته شخصية جادة منضبطة, تفاعل مبكراً مع الحركة الوطنية المصرية التي سيطر عليها حزب الوفد عقب ثورة 1919م , كان ناصر قارئاً نهماً فتعرف على أفكار اليسار والشيوعيين والإخوان المسلمين, ولكنه ظل متفاعلاً مع هموم وطنه وهموم المصريين البسطاء.
اكتسب عبدالناصر شخصيته القوية من أصوله العربية الصعيدية ومن المعاناة التي عاشها في صباه, وكان أشدها إيلاماً فقد أمه وهو في سن صغيرة , واضطراره للغربة والترحال بعيداً عن أسرته منذ نعومة أظفاره.
كان عبد الناصر طويلاً ذا بنية جسدية قوية وملامح مصرية صادقة , ونظرة حادة , قوية تجذب من ينظر إليه وتثير الرهبة في نفسه.
كانت أول تجربة سياسية له قبل أن يبلغ الخامسة عشرة, عندما شارك في عام 1932م بمظاهرة في ميدان المنشية بالاسكندرية, احتجاجاً على إلغاء رئيس وزراء مصر في ذلك الوقت اسماعيل صدقي المتحالف مع الإنجليز دستور 1923م , وجعل استقلال مصر الذي حصلت عليه مجرد حبر على ورق, وتعرض ناصر لضربات الشرطة وقٌبض عليه وأودع السجن مع عشرات المتظاهرين, وقضى ليلته محبوساً بين الطلبة والعمال وفي الصباح حضر جده لأمه إلى القسم وأخلي سبيله.
كان لهذه الحادثة تأثير كبير في نظرة ناصر للحياة والمجتمع من حوله, فاهتم بعدها بمتابعة الأخبار السياسية, وسعى للتعرف على برامج الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة, وانضم لفترة وجيزة لحزب مصر الفتاة.
عندما بلغ جمال عبد الناصر السادسة عشرة , كان يبدو بسبب قامته الفارعة وهيئته الجادة في سن العشرين, فالتف حوله الطلبة في المدرسة الثانوية, وأصبح قائداً وملهما لأقرانه وقادراً على إقناعهم بشرحه لمواقف الأحزاب وكيف تفتعل المعارك الوهمية لتفرقة الشعب وشغله عن المطالبة بحقوقه الوطنية, وتعرض جمال نتيجة نشاطه السياسي لمضايقات من إدارة المدرسة التي أصدرت قراراً بمنع التجمع وحظر الكلام في السياسة, وقرر ناصر نقل الاجتماعات لحديقة الأزبكية بعيداً عن أعين ناظر المدرسة.
بفضل سكن ناصر بجوار دار الكتب المصرية أتيحت له فرصة قراءة كتب التاريخ والتراث العربي والإسلامي, بجانب كتب السياسة والأدب, وتأثر بشخصية الأمير شكيب أرسلان الذي كتب عن الشرق وأمجاده السالفة, كما قرأ عبد الناصر لعبد الرحمن الكواكبي وعلي الغاياتي, وأعجب بشعر أحمد شوقي وحافظ أبراهيم , وتأثر بروايات نجيب محفوظ وعباس محمود العقاد وطه حسين, واهتم بسير العظماء أمثال الألماني بسمارك والإيطالي جاريبالدي والتركي مصطفى كمال أتاتورك ,امتدت علاقة عبد الناصر بالثقافة إلى ممارسة فن التمثيل, عندما قام بدور يوليوس قيصر في مسرحية لويليام شكسبير, ولعل هذا يفسر رعايته للفن والثقافة خلال فترة حكمه التي شهدت مصر خلالها نهضة في جميع أنواع الفنون.
قاد جمال عبد الناصر مظاهرة ضخمة لطلبة المدارس الثانوية, التقت بمظاهرات طلبة الجامعات احتجاجاً على مماطلة الإنجليز في الجلاء عن مصر, وتراجعهم عن منحها الاستقلال , فاجأهم رصاص الإنجليز وسقط كثير من الطلبة شهداء وأصيب المئات, اتجه جمال عبد الناصر وزملاؤه إلى ميدان الإسماعيلية (التحرير) حالياً وصعد على عامود إنارة, وخطب في الطلبة والأهالي الذين تجمعوا دون أن يخاف من رصاص الإنجليز التي كانت ثكناتهم قريبة من ميدان التحرير.
تعرض جمال عبد الناصر لجرح عميق ترك ندباً في جبهته بقية حياته, نتيجة تعرضه لرصاصة من أحد الضباط الإنجليز الذي تتبعه عقب فض مظاهرة ميدان التحرير وأطلق عليه الرصاص محاولاً إسكاته إلى الأبد, ولكن استمرت المظاهرات وعاد ناصر للمشاركة والهتاف بسقوط الإنجليز رغم جرحه النازف , حتى رضخ المحتل , وصدر قرار بعودة الدستور .
ازداد جمال عزماً وإصراراً على قيادة المظاهرات لطرد الإنجليز من مصر, وأمر الإنجليز ناظر المدرسة بفصل عبدالناصر ومنعه من دخول المدرسة, فأعلن الطلبة الإضراب عن الدراسة حتى يعود جمال, وحرق الطلبة العنابر الداخلية للمدرسة وطالبوا برجوع زميلهم, اضطرت إدارة المدرسة للتراجع وذهب سكرتير المدرسة لمنزل عبدالناصر وعاد محمولا على الأعناق في موكب مهيب رداً لاعتباره.
بفضل هذا الزاد الوطني, قاد جمال عبد الناصر ثورة 23يوليو, واستطاع الوقوف في وجه القوى الاستعمارية التي حاولت عقاب مصر و ناصر على جرأته بتأميم قناة السويس, ومن بعدها انتصر في معركة حلف بغداد ومعركة التسليح, وأعاد الاعتبار للأمة العربية وبعث إلى الوجود حلم الوحدة والقومية العربية وشعار أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج , ورغم مرور 45عاماً على رحيل جمال عبد الناصر وتعرض الأمة العربية لمحن وأزمات مزقتها وجعلت شبح التقسيم يطارد أقطاراً عربية عزيزة, يظل حلم العروبة وأمل الوحدة وفكرة القومية العربية حلماً وطيفاً جميلاً يداعب وجدان الإنسان العربي بمختلف أجياله, ويظل جمال عبد الناصر بمواقفه وكلماته الخالدة , نبراساً ملهماً وأيقونة ثورية نقية, تشع نوراً يضئ الطريق ويشحن طاقة الأمل والصمود للأجيال العربية مهما كان الواقع بائساً.

إلى الأعلى