الأربعاء 13 ديسمبر 2017 م - ٢٤ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / أهمية الانتخابات المصرية

أهمية الانتخابات المصرية

أحمد مصطفى

”طوال المدة التي تأجل فيها هذا البند من خارطة الطريق في مصر، كانت هناك تحليلات واستنتاجات كثيرة أغلبها يستند إلى مواقف أصحابها المسبقة ويقلل من المبررات العملية التي دعت للتأجيل. فالإخوان ومناصروهم، وضمن موقفهم المعادي للسلطة، لم يروا في أعمال العنف والإرهاب والتفجيرات المرتبطة بهم أو بجماعات خرجت من عباءاتهم، مبررا لتأجيل الانتخابات.”
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أخيرا ستجرى الانتخابات العامة في مصر نهاية الشهر، في خطوة تمثل اتمام خريطة الطريق التي وعد بها النظام الجديد الذي خلف الإطاحة بحكم الإخوان بعد احتجاجات شعبية ضدهم. ورغم كثرة الانتخابات والاستفتاءات في مصر منذ التغيير الذي حدث في اعقاب احتجاجات يناير وفبراير 2011، إلا أن هذه الانتخابات البرلمانية تكتسب أهمية خاصة لأسباب عدة. أولها بالطبع أنها الخطوة الأخيرة في خريطة طريق النظام الحالي التي تعهد بها قبل نحو عامين، وبدأت بانتخاب رئيس للجمهورية ووضع دستور أقره الناخبون ثم اجراء انتخابات برلمانية لاستكمال تركيبة السلطة في مصر. وتأجلت تلك الخطوة الأخيرة أكثر من مرة لأسباب مختلفة، لكن ها هي تجري في النهاية وبغض النظر عن نتائجها.
طوال المدة التي تأجل فيها هذا البند من خارطة الطريق في مصر، كانت هناك تحليلات واستنتاجات كثيرة أغلبها يستند إلى مواقف أصحابها المسبقة ويقلل من المبررات العملية التي دعت للتأجيل. فالإخوان ومناصروهم، وضمن موقفهم المعادي للسلطة، لم يروا في أعمال العنف والإرهاب والتفجيرات المرتبطة بهم أو بجماعات خرجت من عباءاتهم، مبررا لتأجيل الانتخابات. ورأى آخرون أن الحكم الجديد لا يريد بسرعة برلمانا يعطل خططه الأولية لضبط الأمور في بلد أصابه “الفلتان” على مدى أكثر من عامين من الاضطرابات، إلى جانب حاجة النظام الجديد لتثبيت أسس حكمه دون سجالات سياسية “تبقي البلد في حال الفوضى”. في المقابل كان موقف البعض، خاصة من الشباب الذي يتخذ موقفا من الدولة عموما أن الهدف من تأجيل الانتخابات هو حرمانهم من أي تمثيل سياسي في فورة حماس الناس للتغيير الهائل الذي أحدثوه في مصر.
ربما كان في الأمر كل ما سبق ـ باستثناء طبعا موقف الإخوان المبني أساسا على فشلهم السياسي ومنهجهم (إما نحكمكم أو ندمرها على رؤوسكم) ـ وربما كان الأمر كله غير ذلك تماما وكان التأجيل للأسباب المباشرة المعلنة. المهم أنه في النهاية ستجرى الانتخابات، وتنتفي أو تكاد الأسباب التي دعت إلى تأجيلها. وهكذا تتحقق الأهمية الأولى وهي: اتمام خريطة الطريق. أما الأهمية الثانية لإجراء الانتخابات البرلمانية في مصر فهي ببساطة مرتبطة بالأولى وبكل ما سبق آنفا من رؤى وتحليلات. فإجراء الانتخابات دليل على أن النظام الجديد في مصر يثبت أقدامه وتمكن في خلال عامين من إعادة الحياة في البلاد إلى ما يقرب من طبيعتها، رغم استمرار خطر الإرهاب والعنف الذي يواجه في سيناء وغيرها. وبغض النظر عن المشهد السياسي في البلاد، الذي لا يعتقد أنه تغير كثيرا رغم ما حدث في 2011 وما بعدها من تغييرات كبيرة، ويخشى ألا تكون نتائج الانتخابات بقدر توقعات البعض من أنها ستعكس أي تغيير في شكل المشهد السياسي المصري.
منذ ما قبل اجراء الانتخابات، تكثر التحليلات والتوقعات أيضا حول شكل البرلمان القادم ودوره في تركيبة الحكم في مصر. ورغم ما قد يبدو عليه ذلك من “حيوية ما” إلا أن الأغلب الأعم أن الانتخابات والبرلمان قد لا يحدثان الأثر الذي يتفاءل به كثيرون. فالتركيبة السياسية/الاجتماعية/الاقتصادية في مصر لم تختلف كثيرا عما كانت عليه لعقود من عدة نواح. من تلك النواحي ما يتعلق بالعملية الانتخابية نفسها، ومنها ما يتعلق بدور البرلمان في تركيبة السلطة بشقيها التنفيذي والتشريعي ودور الرئاسة فيها. بالنسبة للانتخابات، تظل آليتها في مصر تعتمد على التركيبة العائلية (التي تقابل القبلية والعشائرية في مجتمعات أخرى) ومفاتيح الانتخابات في المناطق المعنية. ربما يختلف الأمر في بعض المدن الكبرى، لكن تظل القاعدة الأوسع من العملية تتم على هذه الأسس. ويلعب المال والنفوذ الدور الأكبر في اختيار النواب ـ حتى من يمثلون تيارات سياسية ما، على ضعفها الشديد عموما أو اندثارها تقريبا خلال ثلاثة عقود من حكم مبارك.
بالنسبة لتركيبة البرلمان المتوقعة، فلا ينتظر أيضا أن تعني الكثير وإن اختلفت الوجوه والأسماء. بعض المتحفظين تقليديا يرون أن الكتل الرئيسية ستظل مقسومة بين رجال أعمال وعناصر الحزب الوطني المنحل (حزب الرئيس والحكم في سنوات نظام مبارك) من ناحية وممثلي تيارات “الإسلام السياسي” من ناحية أخرى، إضافة إلى بعض المستقلين وممثلين عن جماعات مصالح جديدة. ويرى الإخوان ومناصروهم أن فرصتهم كبيرة لغسل أزمتهم ودخول البرلمان من باب المستقلين أو عبر قوائم تيارات سياسية لا وجود جماهيري قوي لها. واتضح ذلك من محاولات الجماعة “جس نبض” الشارع ببيانات متتالية عن فصل حزبها (الحرية والعدالة) تبييضا لوجهه وكي يدفع بعناصره في الانتخابات. قد يكون ذلك هو ملمح البرلمان القادم، لكن المهم أنه في الأغلب لن يستطيع تحويل دفة العمل في البلاد نحو مهاترات السياسة لتعطيل جهود الحكم وإفشاله.
بغض النظر عن تركيبة البرلمان، فالأغلب أنه سيكون أداة جديدة للحكم لتثبيت أركانه وربما إعادة عجلة البلاد للدوران ولو ببطء. وإذا لم يتمكن الحكم الحالي، خلال سنواته الأولى، إلا من إعادة التثبيت وتركيب البنى المؤسسية فيكفيه انجازا.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى