الثلاثاء 26 سبتمبر 2017 م - ٥ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / فضائل بوح الأرستقراطية

فضائل بوح الأرستقراطية

أ.د. محمد الدعمي

” إن الإنسان لا يختلف عن أخيه الإنسان في طبيعته ونزواته واختلالاته وفضائله جميعاً، أكان سليل أسرة “أرستقراطية” أو أسرة متواضعة، بمعنى عائلة من عامة الناس ومن سوادهم. الجميع معرضون لذات الاختلالات والممارسات الخاطئة، بيد أن التمييز يتجلى في منظورات وأنساق التعامل الاجتماعي واختلافه بين الفقير والغني”
ــــــــــــــــــــــــ
قدم السيناتور الأميركي المتقاعد “باتريك كنيدي” الأدلة لأكثر مجتمعات العالم تمسكاً بالطبقية وبدكتاتورية رأس المال، أي المجتمع الأميركي، على أهمية البوح عندما اباح بالاختلالات الفردية التي عانت منها أسرته الأرستقراطية، فقد أعلن لأول مرة بأن والده، السيناتور السابق تيد كنيدي، أخو الرئيس السابق “جون” قد كان سكيراً مدمناً على الكحول وبأن والدته، هي الأخرى، قد عانت من مشاكل مستعصية مع الإفراط في تناول الكحول، درجة أنها اعتادت أن تقطع مساحة المنزل ذهاباً وإياباً بملابس النوم، بحضور شخصيات سياسية كبيرة، بعد أن تعب ما يكفي من الكحول، دون أي اكتراث بملاحظة الضيوف الكبار لسكرها.
وعلى الرغم من أن عمه كان الرئيس الراحل “جون كنيدي” الذي يقدسه العديد من الأميركان، إلا أن السيناتور باتريك هذا قد أماط اللثام عن قوة ومدى التمييز الطبقي في المجتمع الأميركي، خاصة عندما أعلن على الهواء بأنه اعتاد أن يذهب إلى مكتبة في الكونجرس مخموراً، إذ إنه كان يموه أمام الآخرين، من خلال ملء زجاجة ماء الشرب التي يصطحبها من داره معه الى مكتبة في الكابيتول بـ”الفودكا” كي يبقى مخموراً حتى عودته الى منزله ثانية.
والحق، فإن هذه هي معضلة “البوح” التي حاول هذا السيناتور توظيفها لكسر جدران الصمت التي تحيط العوائل الأرستقراطية بها نفسها، باعتبارها أسر أرفع من أن يخطئ أفرادها أو أسمى من الممارسات الشاذة، فهذا هو سر الأرستقراطية، اي التمايز الكبير بين الحقيقة وبين الاستعراض السطحي. هذه العوائل تحافظ دائماً على جدار قوامه الصمت على سبيل الإبقاء على مسافة نفسية واجتماعية بينها وبين عامة الجمهور، فهي تلاحظ الواجبات الاجتماعية والدينية ولكنها تغلف الممارسات الخاطئة والعادات الضارة لبعض أفرادها بأغلفة السرية، خشية هبوطها من علياء النظرة الأرستقراطية إلى دونية النظرة العادية التي يخص بها العاديون البسطاء من البشر. هذه معضلة التمايز الطبقي الذي يلقن به الأغنياء ابناءهم بموجبه على عدم “وضع قلوبهم على أكمامهم”، كما يقول المثل الإنجليزي الشهير، اي على الحفاظ على سرية أحوال الأسرة ورزاياها وعلى عدم تمرير أي شيء قد يسيء إلى سمعتها أو يلقي بظلاله على أرستقراطيتها.
إن الإنسان لا يختلف عن أخيه الإنسان في طبيعته ونزواته واختلالاته وفضائله جميعاً، أكان سليل أسرة “أرستقراطية” أو أسرة متواضعة، بمعنى عائلة من عامة الناس ومن سوادهم. الجميع معرضون لذات الاختلالات والممارسات الخاطئة، بيد أن التمييز يتجلى في منظورات وأنساق التعامل الاجتماعي واختلافه بين الفقير والغني: فالفقير يفضح، منحرفاً أو مجرماً خطيراً، عندما يكتشف بأنه ثمل ومدمن على معاقرة المشروبات الروحية، بينما تتم التغطية على الأغنياء وعلى ابنائهم عندما يمسكون ثملين او سكارى وهم وراء مقود السيارة. ما هذا التمييز!
بيد أن فضيلة السيناتور بالوراثة، باتريك كنيدي تتجسد في أنه كسر جدار السرية والصمت، فأعلن من على شاشات التلفاز وعبر نشرات الأخبار حقائق أنه كان مدمناً وأنه كان بحاجة ماسة للعلاج النفسي والطبي للتخلص من إدمانه. بيد أن هذا الإعلان بحد ذاته لم ينج من التمييز الطبقي في مجتمع مشبع بقوة رأس المال، ذلك أن إدمانه ما لبث وأن منح بعداً اجتماعيًّا بناءً عندما استحال الى إعلان يدعو كنيدي من خلاله إلى الكشف عن دوافع حالات الرمي العشوائي بالأسلحة النارية التي تحدث من آن لآخر في الجامعات أو دور السينما أو المحلات العامة. وهكذا لم يخذل رأس المال ارستقراطية آل كنيدي، لأنه منحها بعداً تربويًّا إصلاحيًّا، باعتبار ان للسيد باتريك نظرية تتلخص في أن المجرمين الذين يقدمون على رمي الجمهور عشوائيًّا بالأسلحة النارية إنما هم مرضى نفسيون تتوجب معالجتهم من الإدمان في أعمار مبكرة قبل أن يتحولوا إلى أعداء للبشر!

إلى الأعلى