السبت 21 أكتوبر 2017 م - ١ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / يلهوننا عن جوهر الإسلام بالقشور!

يلهوننا عن جوهر الإسلام بالقشور!

د. فايز رشيد

” أحد العلماء المسلمين المشهورين صلى ركعتين حمدا وشكرا لله لأن الكيان هزم نظام عبدالناصر عام 1967! هل هذا هو الإسلام؟. مَنِ الأولى بتجييش الجيوش والطائرات لمحاربته.. الشعب اليمني أم العدو الصهيوني؟ هذا الذي ينتهك الأقصى (أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين)، والذي ينوي هدمه وبناء هيكل يهودي على أنقاضه!”
ـــــــــــــــــــــــــ
بداية، أود التوضيح أنني لست عالما فقهيا، لكنني وبتواضع شديد أقول: أنا مسلم وأفهم الإسلام كأي آخر، فهو دين العملية والإقناع، البعيد عن تحويله إلى طقوس، إنه دين العدل والمساواة والمنطق، دين التآخي والعفو عند المقدرة. ولذا أتحدى من يخالف ما ورد من مواضيع وهي بالنسبة لي حقائق استند إليها بالحجج الإسلامية، والمنطقية العقلية أيضا، والتي أثبتت صحتها معظم الكتب الفقهية. أحاور من سيخالف بكل ود وصراحة عملا بقوله تعالى لنبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه :” وجادلهم بالتي هي أحسن” (النحل,125), كذلك :”ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” (آل عمران ,159).
يُشخّص أحد العلماء (لا فض فوه) المساندة الروسية والإيرانية لعدم تفتيت سوريا وإزالتها برسم خرائط جديدة للمنطقة “بأنه هجمة نصرانية شيعية على الإسلام”… وكأن الشيعة ليسوا بمسلمين!. أرد قائلا: أنه وإبان الحقبة السوفياتية, كان النظام السوفياتي علمانيا, “إلحاديا” مثلما يطلقون عليه, لكنه ساند مصر وسوريا وكافة القضايا الوطنية العربية في كافة المجالات (ولا تسمح مقالة قصيرة بتعداد ما فعلوه) ضد الأعداء, الذين تمثلوا في: الكيان الصهيوني, الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية, التي وصل البعض منها إلى درجة تنظيم حرب عدوانية بالتحالف مع الكيان, على مصر عام 1956!. الاتحاد السوفياتي هو الذي ساند مصر. اميركا تآمرت مع الكيان للهجوم على مصر وسوريا والاردن ولبنان في عام 1967 وفي عام 1982, هل الاتحاد السوفياتي آنذاك بمساعداته, استهدف هجمة نصرانية على الإسلام؟ … بينما أعلنها بوش صراحة بعد هجمات 11 سبتمبر: بأنه سيشن حربا صليبية على الإسلام!, كما أنه وبعد الانهيار السوفياتي عام 1991, وانتهاء الحرب الباردة حينها, جرى تسمية “الإسلام” بـ العدو الجديد للعالم, وظهرت نظرية “الاحتواء” الاميركية, و”الشرق الأوسط الجديد” و”الفوضى الخلاقة” وغيرها. قارنوا بين الموقفين: السوفياتي سابقا والروسي حاليا وبين أميركا والكيان والغرب عموما!.
ما اشبه اليوم بالبارحة ! في زيارة نتنياهو الأخيرة لموسكو.. اعترف رئيس الوزراء الصهيوني بدور كيانه في أحداث سوريا… بالتالي فلماذا كل هذا التدخل الأميركي والغربي والصهيوني والتركي وبعض العربي مبرّر ومُجاز (إسلاميا)؟ بينما مساعدة سوريا من قبل روسيا وإيران هجمة نصرانية شيعية على الإسلام؟. لقد بلغ التشويش على الموقف الروسي أن أصبحت جبهة “النصرة” التابعة لـ “القاعدة” (التي كانت يوما “العدو الرئيسي للغرب والصهيونية واميركا” بعد 11 سبتمبر جبهة “معتدلة” لا يجوز قصفها )!. عديدون من الفقهاء لا يقرؤون مخططات الأعداء عن تدمير قوات كافة الدول العربية التي تشكل خطرا أوقد تشكل خطرا على “إسرائيل”! لم يقرؤوا مخطط برنارد لويس عن تفتيت الدول العربية إلى 42 دويلة مذهبية، طائفية، إثنية متحاربة فيما بينها لتغييب صورة الصراع التناحري مع العدو الصهيوني، كمظهر للصراع الاساسي في المنطقة!.إنهم يشيطنون روسيا وإيران لصالح الكيان الصهيوني واميركا! فـ “محاربة الخطر الروسي والشيعي الإيراني… أهم بكثير وأجدى من محاربة الخطر الصهيوني”! إلى الحد الذي وصلت فيه وقاحة الكيان .. إلى المناداة بتحالف عربي ـ صهيوني لمحاربة الأخطار على المنطقة من “التدخل الإيراني” فيها, ينسى هؤلاء الحقد والتآمر اليهودي على الإسلام والعرب والمسلمين منذ ظهور الرسالة النبوية حتى اللحظة!.
أحد العلماء المسلمين المشهورين صلى ركعتين حمدا وشكرا لله لأن الكيان هزم نظام عبدالناصر عام 1967! هل هذا هو الإسلام؟. مَنِ الأولى بتجييش الجيوش والطائرات لمحاربته.. الشعب اليمني أم العدو الصهيوني؟هذا الذي ينتهك الأقصى (أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين) , والذي ينوي هدمه وبناء هيكل يهودي على أنقاضه! هذا الذي يقتل ويحرق الأطفال الفلسطينيين كلّ دقيقة!. ألا يستفز هذا الإجرام علماء وفقهاء المسلمين التابعين لأنظمة دولهم!؟. أحد العلماء أفتى (وهو شيخ الأزهر حينها) للسادات بجواز عقد اتفاقية كمب ديفيد مع العدو الصهيوني! فيما حرم البابا شنودة على الاقباط الحج إلى القدس في ظل الاحتلال!. شيخ الأزهر هو في العادة الشخصية الإسلامية الأولى. رغم موقف الأنبا شنودة من الكيان, يحرص بعض الفقهاء التركيز على (أنه نصراني كافر, عميل لاميركا وإسرائيل والغرب, ومتآمر على الإسلام والمسلمين!)… بالله عليكم..ارحموا عقولنا ولا تستهينوا بعقول الناس! ولا أحد منكم يمتلك ولن يمتلك الحقيقة!… فالناس أيضا يقرأون إن كنتم لا تقرأون!.
بالنسبة لإيران وحزب الله فهما يمتلكان موقفا استراتيجيا إسلاميا صحيحا من الصراع مع العدو عنوانه: حتمية زوال الكيان, ولولا إيران وسوريا لما وصل صاروخ واحد إلى حزب الله يطلقه على حيفا وما بعد بعدها وما بعد بعدها!هذا في الوقت الذي تعقد فيه دول عربية معاهدات مع الكيان واخرى تمارس التطبيع معه! أهذه لغة تعامل الإسلام مع عدو الدين والدنيا؟..أحيل السؤال عليكم. لا نقول عن إجرام داعش والنصرة وغيرهما من التنظيمات الاصولية التي ترى في ذواتها ممثلة وحيدة للسلطة الإلهية على الأرض, والتي تعيث فسادا وتقتيلا وذبحا وشواء للناس! , والتي أسستها أميركا بالتعاون مع الكيان والبعض الإقليمي والعربي, والتي أساءت للإسلام وقيمه أكثر من كل الحملات الصليبية والتتار وجنكيز خان, والتي تتماهى تماما مع المخططات الاميركية ـ الصهيونية ـ الغربية وبعض العربية لتدمير الدولة العربية وتفتيتها إلى الحد… أنهما أصبحتا وجهين لذات العملة الواحدة.. وكل ذلك باسم الإسلام! أي منطق هذا؟ وأي إسلام تتحدثون عنه؟.
نفوذ هذه التنظيمات التكفيرية المتطرفة والتي لا تشكل خطراً على العراق وسوريا ومصر وليبيا وتونس فحسب, وإنما سيمتد هذا الخطر إلى الدول العربية وإلى عموم المنطقة… نفوذها سيتعاظم إن لم تجر محاربتها وتدميرها. إن آخر خريطة أعلن عنها داعش هي أن دولته ستمتد إلى مناطق في العراق وسوريا وستشمل الكويت والأردن وفلسطين ولبنان، هذا ما يقولونه هم. نعم هناك مشروع استعماري يهدف إلى إرجاع العالم العربي قروناً إلى الوراء، من أجل تحقيق ثلة من الأهداف.. ومن أبرزها: حفظ أمن الكيان الصهيوني وتحقيق أهدافه في السيطرة الكاملة على المنطقة. هذه التنظيمات لم توجد لتحرير فلسطين بالطبع, ففلسطين آخر همها, لذا لم ولا ولن تطلق هذه الجماعات طلقة واحدة باتجاه العدو الصهيوني… ونتحداها أن تطلق طلقة واحدة باتجاه الكيان, الذي يستقبل جرحاها في مراكز علاجية انشأها خصيصا منذ بداية الأحداث في سوريا, ثم يقوم بنقلهم إلى مستشيفاته في الوقت الذي يقتل ويذبح ويشوي حرقا أطفالنا؟!.
في مرحلة معينة من تاريخ الدين الإسلامي الحنيف, حاول أعداؤه إدخال ما اصطلح على تسميته بـ “الإسرائيليات”, وتهدف في بعض منها إلى إلهاء المسلمين عن مناقشة القضايا الكبرى في الإسلام كالجهاد ضد الأعداء, لصالح الغرق في نقاش مسائل صغرى كالنقاشات التي تجري حاليا, من نمط: الدخول إلى الحمام جواز إرضاع السكرتيرة لرب عملها؟, جهاد النكاح, وغيرها!( بكل ما في تحريم هذه العملية من توجيه مقصود نحو الغرائز الجنسية), في التاريخ العربي الإسلامي.. هناك الكثير من النساء ممن قاتلن جنبا إلى جنب مع الرجل في المعارك ضد الأعداء. لعلني في النهاية أحيلكم إلى ما كتبه المفسران الإمامان: الشوكاني,والألوسي وغيرهما حول “الإسرائيليات”!.
هذه النقاشات الطقوسية البحتة التي تريد حرف الإسلام عن جوهره الحقيقي .. هي التي تحتل حيز النقاشات في المراحل الراهنة بدلا من القضايا الوطنية, التحررية,الحياتية, الاجتماعية والقومية في العديد من الأوساط الإسلامية… فقضية نصرة الأقصى والإخوة الفلسطينيين وتحرير فلسطين وبيت المقدس قضايا مؤجّلة…أما هذه القضايا فهي أهم من كل ما سبق!. القتال في سوريا أهم من قتال العدو الصهيوني, وتحرير دمشق اهم من تحرير بيت المقدس!.
أما الآيات المتعلقة بقتال الأعداء فيجري تغييبها عمدا! يقول الله تعالى في كتابه العزيز ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل, ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم , لا تعلمونهم , الله يعلمهم… – الأنفال60) , ويقول ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم… البقرة 190), ويقول سبحانه وتعالى ( يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال – الأنفال 65) . أما نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه, فيقول ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله) , وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ رُوي بما معناه : إن ليلة جهاد خير من ألف ليلة يصليها ويصومها صاحبها !. إن الأولى بالجهاد في سبيلها هي فلسطين والأقصى, وليست أية بقعة أخرى. الذي يجري: حفر الأنفاق تحت الاقصى من اجل تهويده, وإقامة الهيكل في مكانه . الأقصى يستنجد بالمسلمين ولا من مجيب! في زمن العزة والكرامة جهّز المعتصم جبشا لإغاثة امرأة صاحت : وامعتصماه!. في زمن الهزيمة استغاثات الأقصى: أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ,تخرق آذان المسلمين جميعا ولا يلتفت إليها أو يسمعها أحد, من القادرين على الفعل …والمهيئين لهم أفعالهم بفتاوى دينية رسمية!.
هكذا يلهوننا عن معاركنا الرئيسية , التي هي جوهر الإسلام في القتال ضد الأعداء, بالقشور!.

إلى الأعلى