الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / المخاطر والتنمية

المخاطر والتنمية

عادل سعد

لا شك في أن العامل النسبي هو الذي يتحكم بالضمانة اللازمة لأي مشروع استثماري من ساعة الإعداد له وخلال تنفيذه، إذ لا شيء يمكن أن يجعل الضمانة مطلقة في هذا الميادين الاقتصادية إذا أخذنا بعين المراجعة كلف الاستثمار ونوعية الوسائل المعتمدة، واحتمال حصول اندثارات خارجة عن الإرادة مع متغيرات أخرى متسارعة إن كانت بيئية، أو عقد إنتاجية تتعلق بالآلات والوسائل المعتمدة، أو فرص تسويق.
ومع تعدد وانشطار الأهداف التنموية والاقتصادية عمومًا، تتوسع ظاهرة اللجوء إلى المشاريع الأقل مخاطرة في الوقت الحاضر، أي المشاريع التي لا تتضمن هامشًا من المجازفة والمغامرة الاستثمارية تأسيسًا على عدد من الأسباب في مقدمتها أن المتغير في حجم التأثيرات الجانبية على المشروع تظل قائمة نتيجة الاحتمالات المشار إليها، مع ملاحظة أن حجم الخسارة يكون أكبر في حالة كان المشروع الاستثماري بامتدادات متشعبة وبكلفة عالية، ويقع ضمن متسع من المكان، ووجود كتلة بشرية غير متجانسة تتولى إدارته.
وتحضرني هنا، إشارات صدرت عن المجلس الاجتماعي والاقتصادي التابع للأمم المتحدة تدعو أصحاب القرار في التنمية الاقتصادية أن يعتمدوا المشاريع الأقل مخاطرة الآن بعد الأزمات الاقتصادية التي عصفت في العالم، وأدت إلى خروج مؤسسات اقتصادية كبيرة من الخدمة تحت طائلة الإفلاس والريع الضعيف، واحتمالات الهبوط في هذه السلعة أو تلك، وفي مقدمتها الطاقة من نفط وغاز وطاقة أحفورية أخرى، وطرد للعمال والموظفين بعد إعلان إفلاسها، كما أن تصاعد الدين العام لتمويل المشاريع الكبيرة يمثل الآن حالة باهظة مع عدم القدرة على التسديد بالمواعيد المخصصة للإيفاء بهذه الديون، وهكذا تتراكم بفوائد إضافية ضمن ما يعرف بإعادة جدولتها.
إن المشاريع الأقل مخاطرة تعكس أيضًا حالة من الاطمئنان النسبي بعكس المشاريع الأكثر مخاطرة، أي المشاريع التي تحتمل التوقف أو التراجع، مع وجود بيئة اقتصادية وتجارية تعيش المزيد من التوترات السياسية والأمنية، خصوصًا في مناطق الشرق الأوسط وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وبعض مناطق جنوب شرق آسيا، التي تستدعي بالضرورة أن يكون التوجه إلى المشاريع الأقل مخاطرة، وبالتحديد إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بعد أن ثبتت الحاجة إليها في تغطية المزيد من متطلبات التنمية في الهند وإندونيسيا وبعض دول منطقة الآسيان وفي أميركا الجنوبية، وقد حققت هذه الأنواع من المشاريع قدرة على المواجهة؛ لأن أذرعها غير طويلة، ويمكن تلافي الأخطاء فيها وسد العجز الذي تعاني منه وتعويمها، بينما لا تجد المشاريع (العملاقة) مثل هذه الفرص إذا أخفقت في هذا المجال أو ذاك من العملية الإنتاجية، يضاف إلى ذلك أن الائتمان على المشاريع قليلة المخاطرة يكون أسهل.
وتأسيسًا على ما تقدم، توفر المشاريع الأقل مخاطرة القدرة لأصحابها على المعالجة وكذلك التحسب، بل والمناورة وتحسين الإنتاجية تمامًا كما يحصل في الحقول الزراعية الصغيرة التي تعتمد على المياه الجوفية أو الزراعة الديمية، ومن المهم أيضًا أن نشير إلى أن العديد من الصناعات ضمن المشاريع أقل مخاطرة تكون قادرة على تحقيق معدلات عالية من الجودة وفق المقاييس العالمية أكثر من المشاريع التي تمتد بإنتاجية واسعة، وتمتلك صيتًا تجاريًّا كبيرًا غير أنها تعرضت إلى فضائح.
لقد حصل ذلك في عدد من المنشآت الكبيرة لصناعة السيارات والكثير من الأدوات المنزلية، كما تمثل ذلك أيضًا في الصناعات الغذائية، الأمر الذي اضطر أصحابها إلى إتلاف كميات كبيرة بعد أن تأكد أنها غير مطابقة للمواصفات المطلوبة.
ويهمنا هنا أن نشير إلى أننا في المنطقة العربية بحاجة إلى اعتماد منظومة من المشاريع أقل مخاطرة تأسيسًا على الأسباب التي أشرنا إليها، كما أنها بالضرورة تحد من ظاهرة الاحتكار، وتمكن أصحابها من تغيير النمط الذي اعتمدوه إذا اضطرتهم الأوضاع إلى ذلك؛ لأن الجسد الممتلئ الكبير لا يستطيع أن يمارس حركة التغيير، بعكس الجسد المتناسق المتوازن، وقد قيل أيضًا إن الصيادين بالزوارق الصغيرة هم أكثر إمكانية في الحصول على الوفرة السمكية، وأقل ضررًا للأحياء البحرية من سفن الصيد العملاقة التي تخلف الكثير من نفايات الوقود وتسبب الضوضاء القاتلة لتلك الأحياء.

إلى الأعلى