الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد الخِطاب الفلسطيني في الجمعية العامة

ما بعد الخِطاب الفلسطيني في الجمعية العامة

علي بدوان

ترافقت أعمال الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة مع حدثٍ بارز وهام، لا يُمكن التقليل من شأنه ومن دلالاته التعبيرية والرمزية، وهو الحَدث المُتمثل برفع علم فلسطين على المَقرّ الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك وجميع المقرات الفرعية التابعة لها والمُنتشرة على امتداد عددٍ من العواصم والمدن العالمية. فالعلم الفلسطيني ارتفع على مؤسسات الأمم المتحدة رغم أنف الاحتلال “الإسرائيلي”، في رسالة واضحة بأن الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية التحررية بات اليوم في موقع الإجماع الدولي المؤيد والمساند لكفاحه العادل أكثَرَ من أي وقتٍ مضى، بالرغم من انشغال العالم والمجتمع الدولي بأزمات منطقة الشرق الأوسط المُشتعلة في أكثر من مكان، وبالرغم من ضراوة المعركة الوطنية التحررية التي يخوضها الشعب الفلسطيني منذ عقود في مواجهة الغزو الكولونيالي الاستيطاني الإجلائي الصهيوني لفلسطين. إنه الإنجاز المُهدى للشهداء الذين استشهدوا خلال مسيرة الكفاح الوطني الفلسطيني وهم يُحاولون رفع العلم الفلسطيني على أعمدة الكهرباء وفوق قمم الجبال، وفي المسيرات والمظاهرات الغاضبة في مواجهة قوات الاحتلال،
كما ترافقت أعمال الجمعية العامة في دورتها السبعين مع كلمة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس الذي تَسَلَّحَ، كما هو مُفترض، بعدالة القضية الفلسطينية، وبإرادة الشعب الفلسطيني، وبمسيرته الوطنية والكفاحية المُمتدة خلال العقود الطويلة الماضية، وبالتحديد منذ وعد بلفور عام 1917.
ولكن رُب سائلٍ يسأل: هل كانت كلمة رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على مستوى التحدي المطروح؟ وهل كانت متجاوبة مع مواقف ومطالب عموم القوى الفلسطينية بما فيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية؟ أم أنها جانبت الشفافية والوضوح المطلوب فلسطينيًّا لصالح سياسات “اللعم” التي يَعتَقِدُ بها وبحكمتها، بعض القياديين في موقع القرار الفلسطيني..؟
في حقيقة الأمر، كانت كلمة الرئيس محمود عباس، على سوية جيدة نسبيًّا من الوضوح قياسًا لكلمته في دوراتٍ سابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن هذا الوضوح النسبي لم يَكُن ليصل إلى المستوى الذي باتت تُطالب به جميع القوى والفصائل في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية بما في ذلك قطاعات واسعة من حركة فتح، حيث لم تترك سياسات الاحتلال وحكومة بنيامين نتنياهو مجالًا وممرًّا ولو ضيقًا للعملية السياسية التفاوضية، التي تَسبَحُ في سُباتٍ عميق منذ وقتٍ طويل. فكان على الرئيس محمود عباس أن يَضَع العالم أمام مسؤولياته، بكل قادته ومؤسساته، وهيئاته الإنسانية والحقوقية، والشرعية الدولية، بلغة واضحة وحاسمة ليس فيها مواربة بأنَّ الشعب الفلسطيني ضاق ذُرعًا بالإرهاب الرسمي المُنظم، والعنصرية القاتلة والمدمّرة التي تمارسها دولة الاحتلال “الإسرائيلي” في الأراضي المحتلة، والتي هي في الواقع حرب إبادة تستهدف الحجر والبشر، وبالتالي في تقديم رؤية جديدة تبتعد عن الدوران في الحلقة المفرغة، وتؤسس لموقف جديد من عملية التسوية واستتباعاتها.
لقد كان الرئيس محمود عباس واضحًا في نقده الحاد لحال عملية التسوية المأزومة، خصوصًا في قوله “اتفاق أوسلو تمَّ تدميره من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ومعه تم تدمير عملية السلام، وبذلك غاب حل الدولتين، ولم يبقَ على الأرض إلاّ الاحتلال العنصري، وجرائم القتل اليومية، والاعتداءات اليوم على الأقصى والمقدسات وتزايد الاستيطان والتهويد على مدار الساعة دون رادع”. لكن نقده لم يَصل لدرجة الحزم لجهة تقديم البدائل الملموسة في مواجهة عملية التسوية المُنهارة والخروج من شرنقتها، ووقف المُراهنات على إمكانية إنقاذها في ظل التفرد الأميركي في رعايتها وقيادتها. وهنا إن عدم إتيان رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية في خطابه على المفاوضات ترافق مع حديثه عن المبادرة الفرنسية، وهو ما يفتح على استمرار هذا الخيار الذي ثَبُتَ فشله، عدا عن كون المبادرة الفرنسية تُشكِلُ خطرًا وانتقاصًا من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وتعيد الأمور إلى مربع المفاوضات العبثية والضارة وفق مسيرة تسوية أوسلو واشتقاقاتها.
لقد كان رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس في كلمته أمام الدورة السبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة دبلوماسيًّا جدًّا في تقديمه البدائل العامة لعملية التسوية المنهارة دون تحديدات ملموسة، ودن آليات عمل واقترحات عملية للدفع نحو مشاركة المجتمع الدولي، وهو ما ورد بقوله “نعلن استعدادنا لإعادة النظر في الكثير من الاتفاقات التي تم عقدها مع الجانب الإسرائيلي من جراء اتفاق أوسلو”. مضيفًا “إن المجلس المركزي واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والمجلس الوطني (البرلمان الفلسطيني الموحد للداخل والشتات) القادم سيفاجئ العالم بقرارات حاسمة تتعلق بالواقع الفلسطيني الحالي، والتمسك بتحقيق طموحات شعبنا في الاستقلال والحرية أسوة بباقي شعوب العالم”.
إن الأَمر الأساسي الأول في هذا الميدان، أنه بات من العبث تضييع الوقت في مفاوضات من أجل المفاوضات، أو المراهنة على إمكانية انتشال العملية السياسية بعد سنواتٍ طويلة من المطمطة واستغلال العامل الزمني من قبل الاحتلال لزيادة عمليات التهويد وفرض الوقائع الديمغرافية على الأرض. وهنا نرى أن مجموعة من الأفكار النظرية غير المكتملة والمُقدمة في خطاب رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية كان يجب تعزيزها بآليات واقترحات ملموسة وعملية من أجل تقديمها للمجتمع الدولي في سياق هجوم دبلوماسي فلسطيني مُفترض، ومنها الفكرة العملية الداعية لتشكيل مجموعة دعم دولية لتحقيق التسوية بعيدًا عن تفرد الولايات المتحدة، واالسعي من أجل استصدار قرار من مجلس الأمن يتضمن المعايير الواضحة لتحقيق التسوية على أساس الشرعية الدولية (لاحظوا قولنا: عملية تسوية وليست عملية سلام)، وتحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال، وإيجاد مظلة دولية تشرف على إنهاء هذا الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية، وإلى حين ذلك، يتم طلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في الداخل المُحتل عام 1967، وقد وردت الفقرة الأخيرة في كلمة رئيس السلطة بقوله “إنني أطالب الأمم المتحدة والسيد الأمين العام والسيد رئيس الجمعية العامة، بتوفير نظام حماية دولية لشعبنا الفلسطيني وفقًا للقانون الإنساني الدولي”.
كما أن الأمر الأساسي الثاني في هذا الميدان، يَتَمثّل بضرورة بناء مبادرة نوعية لاشتقاق استراتيجية فلسطينية جديدة في التعاطي مع دولة الاحتلال تستند إلى انهاء التزام السلطة باتفاق أوسلو، وفك الارتباط مع الاحتلال بشكلٍ تدريجي وإعلان وقف العمل بجميع الالتزامات السياسية والأمنية والاقتصادية التي فرضها اتفاق أوسلو واشتقاقاته على الشعب الفلسطيني. كما في مواصلة الذهاب إلى جميع المؤسسات الدولية لملاحقة “إسرائيل” على جرائمها العدوانية وضرورة العمل الجاد لتنفيذ وترجمة قرارات المجلس المركزي في دورته الأخيرة والتي تعني وقف التنسيق الأمني وإلغاء اتفاق باريس الاقتصادي.
لقد كان المطلوب إعلان التحلل من قيود اتفاق أوسلو وما نتج من مظالم كُبرى لحقت بالشعب الفلسطيني، وليس التهديد بإلغائه، وفي المقدمة منها إنهاء التنسيق الأمني، وإنهاء نهج المفاوضات، وجَعلِ كلفة الاحتلال باهظة. والتأكيد على حق العودة وقضايا اللاجئين والدعوة لمواجهة الاستيطان والمستوطنين. والبدء بدعوة الإطار القيادي الفلسطيني المؤقت لإنجاز الوحدة والتحضير لمجلس وطني حقيقي يكون بمستوى الرد الفلسطيني على جرائم الاحتلال.
إن كل ما سبق يتطلب المبادرة فورًا لدعوة الإطار القيادي المؤقت الذي يضم جميع القوى الفلسطينية، وخاصة حركة فتح وحماس، إلى الاجتماع لوضع الخطوات العملية التي تَكفَل إنهاء الانقسام وتوحيد الجهود الوطنية، وهذا ما ينبغي أن يُشكّل مدخلًا لتقييم المرحلة الصعبة والمريرة في مسار العقدين الأخيرين، والاستفادة منه لبناء الاستراتيجية الفلسطينية الجديدة التي توحّد كل الحالة الفلسطينية.

إلى الأعلى