الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الغرب وتأسيس مناهج الدراسات المستقبلية في العصر الحديث (1-2)

الغرب وتأسيس مناهج الدراسات المستقبلية في العصر الحديث (1-2)

محمد بن سعيد الفطيسي

”تشاركت الكثير من الشعوب عبر التاريخ الإنساني في ما يمكن ان نطلق عليه بالتوجه الاستشرافي الذي يعتمد كثيرا على التكهن والتنجيم في تخيل المستقبل والاستدلال عليه، بحيث لم يقتصر ذلك على العرب قبل الإسلام، وتدلنا المراجع عن ذلك في الدولة الرومانية ولدى الفراعنة في مصر، ولعل معبد دلقي في اليونان كان أكثر المؤسسات التاريخية شهرة بهذا الميدان.”
ــــــــــــــــــ
وكما تقول المستشرقة الألمانية زيجريد هونكه في كتابها الرائع – شمس العرب تسطع على الغرب بأنه (لو لم يبعث الشعب العربي الموهوب في حضارات البحر المتوسط روحا جديدة لاندثرت تلك الحضارات تماما كما حدث لحضارات المايا والانكا) فقد كانت أوروبا وبلاد الغرب بأسرها حينها غارقة في ظلام الجهل وقيود الكنيسة الظالمة، تلك الكنيسة التي كانت تحرم العلم وتقاوم انتشار المعرفة بالقوة، لدرجة ان يصبح استخدام العقل للبحث والتفكر والاستشراف في الطبيعة وعجائبها، والكون وما فيه، بدلا من الاهتمام بتعاليم الديانة الجديدة ـ أي ديانة الكنيسة ومتطلباتها ـ ينظر إليه على انه إساءة لاستخدام القوى التي منحهم الله لها.
نعم، كيف لشعوب غارقة في ظلام الجهل والتخلف والرجعية أن تتطلع إلى المستقبل، او حتى ان تفكر به؟ وكيف يكون ذلك في أمم يتساءل قادتها وموجهوها كمعلم الكنيسة لاكتانتيوس Lactantius على سبيل المثال لا الحصر مستنكرا كروية الأرض، ويعد التفكير والبحث في ذلك الاتجاه كفرا بالله، قائلا ” هل هذا من المعقول؟ أيعقل أن يجن الناس الى هذا الحد؟ فيدخل في عقولهم أن البلدان والأشجار تتدلى من الجانب الآخر من الأرض؟، وان أقدام الناس تعلو رؤوسهم”.
وقد تشاركت الكثير من الشعوب عبر التاريخ الإنساني في ما يمكن ان نطلق عليه بالتوجه الاستشرافي الذي يعتمد كثيرا على التكهن والتنجيم في تخيل المستقبل والاستدلال عليه، بحيث لم يقتصر ذلك على العرب قبل الإسلام، وتدلنا المراجع عن ذلك في الدولة الرومانية ولدى الفراعنة في مصر، ولعل معبد دلقي في اليونان كان أكثر المؤسسات التاريخية شهرة بهذا الميدان.
ورغم ان هذه الرحلة ـ أي رحلة الاستشراف والدراسات المستقبلية ـ التي بدأت مع المسلمين بنزول القران الكريم، وما تطرقت إليه السنة النبوية قبل ما يزيد على 1400 سنة من دعوات واضحة للتطلع للمستقبل واستشراف آفاقه واتجاهاته، لم تتجاوز لدى الغرب أكثر من خمسة قرون تقريبا، هذا إذا ما اعتبرنا ان المنحنى الفلسفي لهذا العلم هو الأساس التاريخي لبدايات هذه الرحلة العلمية للتطلع نحو المستقبل لدى المستكشفين الأوائل في بلاد الغرب الأوروبية والولايات المتحدة الاميركية.
(حيث اختلف الدارسون والمحللون التاريخيون لتحديد البداية العلمية في الاهتمام بالمستقبل كمنهج علمي ـ والأصح فلسفي لدى الغرب حديثا ـ فمنهم من يرجع ذلك إلى نهاية القرن الخامس عشر، والذي شهد ظهور كتاب توماس مور الذي عرف باسم اليوتوبيا، حيث طرح تصور مستقبلي للمجتمع المثالي والذي يخلو من كافة أشكال الاضطهاد والظلم والأنانية، بينما هناك من يقول إن نشأت هذا العلم تعود إلى العالم الاقتصادي الإنجليزي ذائع الصيت توماس مالتوس ” 1766 – 1843 ” ودراسته الشهيرة عن نمو السكان).
كما لا يمكن في هذا السياق تجاهل كل من العالم والطبيب والفلكي الفرنسي ميشيل نوسترداموس (1503-1566)، الذي جاء في كتابه (مائة عام القرن) عام 1555 حيث يحتوي على معلومات مستقبلية تهم الشعوب الأوروبية منها: أنه قال: “سوف يولد شخص حربي، وسيموت الكثير من الناس بسببه بالثلج، واسمه سيلمع ويبقى على طول العهود لامعا، وأيضاً ورد عنه في العام الذي يحدث فيه الكسوف سبع مرات سيكون ذلك في شهر أكتوبر (تشرين الأول) وستحدث ثورة عظيمة، وهذا ما حصل في روسيا، تغير واقع الحال على الأرض وبين الشعوب، وكذلك ذكر عنه في كتاباته سيظهر فطر كبير وسام يسبب الموت للكثير من الناس ويقضي على معالم الحياة، وهو ما يعتبر توقعاً لانفجار تشرنوبل في اوكرانيا.
وكذلك العالم والفيلسوف فرانسيس بيكون “1626م ” وكتابه الشهير “أطلنطا الجديدة”؛ حيث طرح بيكون في هذا الكتاب رؤيته المستقبلية للعالم من خلال تصوُّره لمجتمع علماني جديد يعتمد على العلم والمعرفة، وقادر على تغيير العالم والسيطرة على الطبيعة وتحقيق مستويات أفضل للبشرية في العيش الرغيد والوفير، وذلك باستخدام الأساليب والطرق العلمية، كما قدَّم فيه إشارات كثيرة عن مخترعات علمية وأفكار مستقبلية للعالم جاءت بعد ذلك بزمن طويل.
كذلك لا بد من الإشارة إلى مساهمات كل من: الكاتب الإنجليزي هيربرت جورج ويلز (1886 -1946)، وعالم الفلك الألماني ألبرت فيليكفا (1193-1280)، والروائي الفرنسي جون فيرن (1828-1903) الذي طرح توقعات وتنبؤات مثيرة للعقل والوجدان من خلال كتابين هما من أهم مؤلفاته على الإطلاق ـ ونقصد كتاب “حول العالم في ثمانين يوماً” وكتابه الآخر “عشرون ميلا تحت سطح الماء”، وغيرهم الكثير من العلماء والمفكرين الذين يمكن ان نعتبرهم رواد هذا العلم في بلاد الغرب، ممن كان لهم الفضل في الشروع نحو تحقيق ما يمكن ان نصفه البدايات الحالمة لرؤية المستقبل أو التخطيط له في تلك الرقعة الجغرافية من العالم.
فإذا كان نشوء الدراسات المستقبلية بشكلها الفلسفي لدى الغرب يعود إلى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي كما أسلف وذكرنا (فإن البدايات العلمية الحقيقية ظهرت في بريطانيا خلال القرن التاسع عشر وتبلورت في أوائل القرن العشرين بصدور مجموعة مؤلفات رسمت معالم هذا الحقل العلمي، أعقبها إطلاق تسمية علم المستقبل futurology على الدراسات المستقبلية futurism كنزعة تعنى باستشراف المستقبل وهكذا تحولت الدراسات المستقبلية future studies الحديثة بمرور الزمن وبفضل الرصيد المعرفي الذي تركته الدراسات التأسيسية – العربية منها والإغريقية والغربية الحديثة ـ إلى حقل متكامل يبحث في المبادئ النظرية والاستشراف “التطبيق” وان وجد اختلاف بين المتخصصين حول طبيعة التسمية).
ويدين هذا العلم ـ أي علم الاستشراف والدراسات المستقبلية ـ للفلسفة والفلاسفة بدور كبير جدا في ولادته، فمن فلاسفة الإغريق كأرسطو وسقراط وأفلاطون وثوسيديديس Thucydides والذين يرجع لهم الفضل في تأسيس علم الفلسفة، إلى فلاسفة المسلمين والعرب كابن رشد والغزالي وابن الهيثم وأبو يوسف الملقب بالكندي، وغيرهم، إلى فلاسفة الغرب كفرانسيس بيكون وغاستون بيرغر والفيلسوف الإنجليزي جورج برناردشو والفيلسوف السياسي الإنجليزي توماس هوبز والفيلسوف الألماني إيمانويل كانط على سبيل المثال لا الحصر.
وبينما اهتمت الفلسفة (بدراسة المستقبل بشكل كلي، قدمت العلوم الأخرى دراسة تفصيلية لاحتمالات المستقبل في مجال التخصص، ودراسة الفلسفة للمستقبل هي نوع من الوعي بالمصير، والفلسفة تهتم بدراسة الجانب القيمي للمستقبل، فهي تهتم بدراسة الجوانب الأخلاقية المترتبة على تبني تصوّر ما عن المستقبل، كذلك تهتم الفلسفة بمناهج البحث وبنماذج التفكير المستخدمة في دراسة المستقبل، وهذا كله لا يتطرق إليه العلم بشكل مباشر، والفلسفة تستفيد من إنجازات العلوم والحقول المعرفية المختلفة عن المستقبل في تقديم رؤاها).
ـــــــ
* مقتطف من كتابنا مستقبل في قبضة اليد- مدخل نظري إلى مناهج الدراسات المستقبلية وأساليب التفكير المبكر-التاريخ، التحولات، التقنيات- الصادر لنا هذا العام .

إلى الأعلى