الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ألعاب نتنياهو

ألعاب نتنياهو

” المشكلة بالنسبة للفلسطينيين ليست في ” الدولة اليهودية ” كاسم ـ بل ما يعنيه الاسم، إذ يقول المتحدثون باسم الفلسطينيين أن إجبارهم على قبول هذه التسمية، كما يريد نتنياهو، معناه للفلسطينيين قبول الرواية التاريخية الإسرائيلية وإنكار روايتهم. هو يريد، كما نقول بالعامية الأميركية، أن يستسلم الفلسطينيون ويقولون يا “عم”. هذا، ببساطة، لا يمكن أن يفعلوه.”
ـــــــــــــــــــــــــ

لا يمل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو من اختراع حفر جديدة، والتي يصر على ضرورة أن يقفز الفلسطينيون فيها. وكما اعترف هو قبل بضعة أسابيع، فما يفعله كله ليس سوى جزء من لعبة ساخرة يلعبها في محاولة لقتل فرص السلام .
في البداية، أصر على ضرورة الحفاظ على السيطرة الإسرائيلية على وادي الأردن؛ ثم تعهد بأنه لن ” يقتلع إسرائيلي واحد” من مستوطنات الضفة الغربية، بحيث فضلاعن إجبار الفلسطينيين على قبول ضم إسرائيل لأي مستوطنات بالضفة الغربية كـ “حقائق جديدة”، يضطر الفلسطينيون أيضا إلى ابتلاع “حق” المستوطنين بالبقاء في مستوطناتهم بعد السلام. وبجانب هذا المزيج، إصرار نتنياهو أنه لن يكون هناك عاصمة فلسطينية في القدس، وموضوع “لعبته” أصبح واضحا: طرح مطالب وشروط مرهقة جدا وبغيضة تحتم على الفلسطينيين أن يرفضوها، وبالتالي يظهرون هم كأنهم عقبة في طريق السلام.
ربما الأكثر إثارة للقلق من جميع حفر نتنياهو هو طلبه الثابت بأنه يتوجب على الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، ووطن للشعب اليهودي. بينما قد يتفهم البعض في الغرب رفض الفلسطينيين للتنازل عن غور الأردن أو القدس، أو أن رفض بقاء المستوطنين العنيفين في كثير من الأحيان في المستوطنات، فإنه يصعب عليهم فهم عدم موافقة الفلسطينيين ببساطة على الاعتراف بإسرائيل كـ “دولة للشعب اليهودي”.
المشكلة بالنسبة للفلسطينيين ليست في “الدولة اليهودية ” كاسم ـ بل ما يعنيه الاسم، إذ يقول المتحدثون باسم الفلسطينيين أن إجبارهم على قبول هذه التسمية، كما يريد نتنياهو، معناه للفلسطينيين قبول الرواية التاريخية الإسرائيلية وإنكار روايتهم. هو يريد، كما نقول بالعامية الأميركية، أن يستسلم الفلسطينيون ويقولون يا “عم”. هذا، ببساطة، لا يمكن أن يفعلوه.
الروايات مهمة للشعوب والأمم إذ إنها تحدد الواقع وتعطي معنى للتاريخ. ولقد تعلمت دروسا مهمة حول الأدوار الحاسمة والتعريفية التي تؤديها الروايات التاريخية في السياق الفلسطيني من خلال سلسلة من اللقاءات الشخصية التي وقعت قبل أكثر من 40 عاما.
كان ذلك عام 1971، عندما سافرت إلى لبنان لإجراء البحوث الخاصة بأطروحتي لرسالة الدكتوراة عن ظهور الهوية الوطنية الفلسطينية. وكجزء من عملي، قضيت بعض الوقت في عين الحلوة، أحد أكبر مخيمات للاجئين الفلسطينيين واسعة النطاق في جنوب لبنان.
بينما كنت هناك، قابلت لاجئين من عشرات البلدات والقرى الذين تركوا جميعهم فلسطين في 1948. والعديد منهم حكوا قصصا عن العناصر اليهودية المسلحة التي اقتحمت قراهم وخلقوا حالة من الذعر، وأجبروهم على الفرار.
أدهشتني مرونتهم وتصميمهم على الحفاظ على تمسكهم بأرضهم ومنازلهم، وثقافتهم على قيد الحياة. فعلوا هذا بعدة طرق شيقة. في المخيم، على سبيل المثال، بذل الفلسطينيون قصارى جهدهم لإعادة حياتهم القديمة. فسكان القرى تجمعوا في الأحياء التي سميت باسم المجتمعات التي كانوا قد فروا منها. في نزهة بسيطة أسفل شارع واحد فقط يمكن أن تمر عبر حيفا، عكا، صفد، الصفصاف، والقدس. ربما بدت المنازل في المخيمات فقيرة، ولكن بمجرد دخولها يساورك الشعور بعودتك مرة أخرى للقرية.
أحد أكثر اللقاءات التي لا أنساها تلك المقابلة التي أجريتها مع أم عابد، جدة أحد الأصدقاء الذين أخذوني إلى عين الحلوة. كما كان شائعا بالنسبة لجيلها، كانت تحمل خيطا حول رقبتها بمفتاح منزلها في فلسطين، والذي صادره المستوطنون الإسرائيليون في عام 1948. وحكت لي قصة مؤثرة جدا مفعمة بالحسرة والألم.
عندما سألتني إذا أردت أن أرى منزلها وافقت، وأخرجت ألبوم صور قديمة لمنزلها وأسرتها، والحياة التي كانوا يعيشونها ذات يوم في فلسطين، وأشارت بفخر إلى الحائط الذي بناه والدها والشجرة التي زرعها جدها. ولكن بعد ذلك، قالت بنبرة من الغضب، أن الشجرة اجتثها الإسرائيليون الذين استولوا على المنزل.
لدى مغادرتي حكي لي شقيقها عن توقهم للعودة. واضاف “انه وطننا . مضى علينا أربعة أجيال في ذلك البيت، وأنا ولدت هناك، وعشت حياتي كلها هناك. الإسرائيليون، الذين لم يعيشوا في هذه الارض، يقولون انهم لم ينسوا ارضهم رغم مرور 2000 سنة. بالنسبة لنا، هي فقط 25 سنة. كيف يمكننا أن ننسى؟” سوف أكون صادقا وأعترف بأنني أتفهم ارتباط أم عابد بمنزل بناه أجدادها والأشجار التي زرعوها. كانت ذكرياتها حية جدا والمفتاح الذي تحمله يذكرها دائما بخسارة لا تطاق. إن من يطلب منها محو تلك الذاكرة، ورفض دعواها، وإنكار قصتها كمن يطلب منها قطع جزء من جسمها .
هناك مئات الآلاف من أم عابد الذين يرتبطون بعمق بتاريخهم وحقوقهم. لقد فقدوا الكثير خلال القرن الماضي، وفي كثير من الحالات لم يبق لهم سوى روايتهم عن الماضي وآمالهم للمستقبل. باسمهم، لا يمكن للرئيس الفلسطيني أن يقول يا “عم” . القفز في هذه الحفرة الإسرائيلية سيكون مكلفا للغاية.

إلى الأعلى