الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / قضايا / الأحزاب تجربة سياسية عاشها العالم ومازال يعيشها!
الأحزاب تجربة سياسية عاشها العالم ومازال يعيشها!

الأحزاب تجربة سياسية عاشها العالم ومازال يعيشها!

مقدمة:
موضوع الاحزاب ليس حكرا على العرب لوحدهم، ولا هو محطة عربية مميزة، بل هو تجربة عالمية، عاشها العالم، ويعيشها اليوم ايضا، وبقدر الحديث عن الديمقراطية التي هي اسوأ الحلول الجيدة كما يقول تشرتشل، يكون هنالك حديث آخر عن الاحزاب، مع ان معظم العالم وخصوصا العرب بات لديهم برلمانات ومجالس شورى، بمعنى ان هذا المفهوم اخترقهم وصار لديهم ذلك التمثيل الذي ينتخبه الشعب وهو في اصول الديمقراطية.
ــــــــــ
منذ زمن بعيد والانسان تواق إلى إنشاء احزاب له، فعندما لاتكون هناك عشيرة أو قبيلة، كان الإحساس بضرورة تكوين جماعة تكون لهم هيكلية التجمع، ثم يصبح لهم رئيس وقيادة .. الوصول الى السلطة لم يكن هدفا في البداية، لكنه صار مع الوقت، وهكذا انفتحت نافذة على المجتمع عنوانها الصراع على السلطة، فحيثما كانت احزاب كان هنالك صراع ، وكان هنالك تجاذب ، وكان هنالك امل لدى هذه الاحزاب بان تجد طريقها لحكم البلاد. ولعل أبرز تلك الظواهر ماوصل إليه الشيوعيون في روسيا حين تمكنوا من حكمها طويلا ، بل اسسوا جمهوريات ذات مفهوم اشتراكي وما لبثوا ايضا ان ضموا اليهم بلادا جديدة كان ذلك من آثار الحرب العالمية الثانية وما انتهت اليه من هزيمة للنازية ومكاسب لروسيا التي وصل جيشها الى عقر دار الالمان.
في كل الاحوال ليس جديدا ان يتفوه المرء بتحديد عصبة له وان ينساق وراء قيادتها لاكثر من سبب .. ففي قلب الامبراطورية الرومانية ولد مايشبه الاحزاب، اي متمردون ارادوا الانشقاق وتكوين عصبة خاصة بهم، مثل سبارتاكوس، وهنيبعل، وزنوبيا ملكة تدمر .. تمرد سبارتاكوس وصل الى الحد الذي هدد عرش روما حين جمع عبيدا وغير عبيد ممن لم يرق لهم الحكم الروماني .. واما هنيبعل، فلم يجد في روما سوى مستعمر جاء من بلاد بعيدة للسيطرة فثار عليها وذهب بعيدا حين هاجمها في عقر دارها، لكنها في النهاية هزمته. حس الاستقلال ايضا حرك مشاعر زنوبيا بالاستقلال عن روما، بمعنى ان تكون السلطة لها وحدها دون مرجعية استعمارية كما نفسرها نحن اليوم . في كل الاحوال ترتب على ذلك ان تمكنت روما من تغيير قواعد اللعبة وانهت تلك الظواهر.
ذلك الاحساس بالتجمع كان هدفه اذن الانشقاق وتكوين سلطات خاصة، لكن المنشقين لم يتكون لديهم مانسميه اليوم برامج عمل، كانت المسألة تعتمد على النخوة الذاتية وعلى قدرات عددية، لكن الأمر لم يعد كذلك في مراحل متقدمة من التطور البشري، حين اصبح للمفاهيم دورها، وللبرامج ضرورتها، ولهذا كانت الماركسية ممهدة للفكر الشيوعي الذي اعاد لينين زعيم الحزب الشعب الروسي صياغته بناء على واقعية روسية، فيما اجتهد آخرون مثل تروتسكي وغيره في فهم المباديء الجديدة.
ولأن الانسان بطبعه يملك حس الزعامة والظهور ويهوى الشهرة والمكانة، فقد ظل هذا الهاجس متوفرا عبر كل العصور، من الصعب تغيير روح الانسان التواقة الى تلك التفاصيل التي يهتم بها، ان معنى الحزب في قاموس الحياة قيادة وتجمع وبرنامج ذو هدف واضح .. لكن ثمة عقائد دمرت نفسها بنفسها، حين لعبت الشخصنة في رأس قيادتها .. تماما كالنازية التي ألهبت العالم بحرب عالمية ادت الى سقوط الملايين من البشر والى خراب عام في المدن والارياف والى اهتزاز القيم الانسانية باعتبار الحروب عدوة للانسان في كل مكان.
كان حلم هتلر وهو الزعيم النازي الذي تم تنصيبه رئيسا لهذا الحزب، يحلم منذ شبابه بقيادة حزب الماني هو يحمل في عقله الثأر من اوروبا والعالم الذي هزمه في الحرب الأولى مما اضطر المانيا إلى توقيع معاهدة فرساي القاسية التي حرمتها حتى من اذاعة النشيد الوطني من الاذاعات الالمانية .. لكن هتلر وقد تبين ذلك لاحقا، لم يكن سوى مترجم لأشواق الشعب الالماني الذي توحد وراءه ، بحيث اصبح كل الماني في الحزب النازي دون ان يدري لأنه ايد الزعيم في خطواته المجنونة باجتياح اوروبا وتدمير مكتسباتها .. لم تواجه البشرية في القرن الحديث قساوة مثلما فعلها هتلر الذي حقق مكاسب في البدايات لكن اصرار العالم على هزيمته ظل مواكبا لكل سنوات الحرب الى ان تم التمكن منه ، فيما حصلت فاجعة لم تكن متوقعة في المقلب الآخر حين رمت الولايات المتحدة قنبلة ذرية على مدينتين في اليابان هما هيروشيما وناغازاكي ، وكانت اول تجربة في سحق بشر بالجملة من قنبلة واحدة ذات مفعول تدمير هائل لم تعرفه البشرية من قبل .
ذهب هتلر وحزبه إلى الجحيم، وتخلصت البشرية من تجربة مرة عرفتها عدة سنوات، لكن الأمر لم يكن محصورا في المانيا وحدها، كان هنالك في ايطاليا حزب فاشي تزعمه موسوليني هو الذي توحدت افكاره مع تطلعات هتلر، كان هنالك شبه بين هتلر وبينه، لكن ايطاليا لم تكن لتملك القدرة التي ملكتها المانيا والقوة العسكرية الهائلة .. لذلك تمكن موسوليني في البداية من انتزاع إعجاب الايطاليين الذين اكتشفوا فيما بعد ديكتاتوريته وحكم حزبه الفردي وكيف قاست البلاد منه، فما كان منهم الا ان شنقوه في احدى الساحات، ولأن الاحزاب الفاشية تتلاشى اذا مات زعيمها، فقد انفرط عقدها فور قتله.
في هذا الوقت كانت اسبانيا تشتعل، فلقد توحدت الاحزاب تحت راية ماسمي آنذاك بالجبهة الشعبية وكان هدفها الاستيلاء على السلطة ومنع الحاكم فرنكو من تحقيق اهداف السيطرة بالمقابل وكان هو حاكما فعليا .. عاشت اسبانيا اسوأ ايام حرب اهلية قتلت منها الملايين ودمرت مدنا وريفا، لكنها قبلا تركت تأثيرا عميقا بالشعب الاسباني، وهل ننسى الصرخة التي اطلقها الشاعر لوركا بقوله” تعالوا وشاهدوا الدم في الشوارع ” .. كانت مرحلة قاسية عاشها الاسبان، قادها بوحشية مطلقة فرنكو آنذاك مؤيدا من هتلر الذي كان يرسل له حاجته من السلاح.
لعل أبرز ماعرفناه في هذا الفترة باختصار هي تلك التجربة الحزبية التي قادت الى كوارث، ليس طبعا مفهوم الحزب هو المشكلة، بل الفكرة والتطلعات التي صاحبت القيادة وأدت إلى هذا الزلزال الكبير على مستوى أوروبا التي عرفت قادة كبار مثل نابليون بونابرت، لكنه ايضا كان صاحب حلم توسعي كما وصفه بيتهوفن في احدى سيمفونياته .. لم يكن وراءه حزب مجرب ، كان عقله التوسعي يقوده، لكنه ايضا سقط في مراحل متقدمة من نجاحاته، أدت إ
لى خروجه من اللعبة وانزوائه في جزيرة ثم موته وحيدا فيها.
عديدة هي التجربة العالمية في مفهوم الاحزاب، وخصوصا في القرن العشرين، وهو القرن الذي تفتت فيه افكار وصراعات ماتزال آثارها إلى اليوم، لكن ذلك لم يمنع ان تعيش بريطانيا مثلا بصراع بين حزبين تاريخيين يتداولان السلطة بشكل ديمقراطي ويقدمان نموذجا حقيقيا للمفهوم الديمقراطي .. هذا الثبات الحزبي الهاديء ادى الى ثبات على كل الاصعدة، حتى ان كاتبا مثل محمد حسنين هيكل قال ذات مرة، اذا سئلت عن بريطانيا بعد عشرين سنة يمكنني الاجابة، اما اذا سئلت عن العالم العربي عما سيحصل فيه غدا فقد لااعرف الاجابة ..
ومثل بريطانيا كانت الولايات المتحدة ايضا التي قدمت عبر تاريخ طويل صراعا بين حزبين تداولا السلطة ايضا، لكن العارف لذاك البلد الضخم الكبير كم هي المؤسسات التي تحكم والتي تدير الحكم، وليس معنى هذا ان الرئيس مجرد صورة، هو جزء من تلك المؤسسات، مشارك في افكارها ومخططاتها وله الكلمة الفصل والاخيرة. فهو بالتالي رئيس اعظم دولة معاصرة تحكم الارض ومن وما عليها وتتطلع الى ان تظل قائدة لها لمدة طويلة، ورغم انهياراتها المتعددة في مراحل معينة، الا انها كانت على قدرة من ان اعادة ترتيب بيتها بما يتلاءم مع قوتها وحضورها.
وكثيرة هي الاحزاب في العالم ، بدءا من التجارب الفرنسية التي نراها واضحة اثناء الانتخابات التقليدية النيابية والرئاسية، فيما تغيرت الصورة في اميركا اللاتينية التي تعيش عصر صناديق الاقتراع، فيما عانت في السابق من تغييرات انقلابية في العسكري وغيره ولعبت فيها الاستخبارات الاميركية الى حد تبديل القادة والرؤوساء كما حصل لسلفادور الليندي في تشيلي وكما كاد يحصل للراحل رئيس فنزويلا تشافيز.
وباختصار كلي، فإن العالم استيقظ على التنافس على السلطة، كانت الاحزاب في اساسها، لكن بوجود البرلمانات ومجالس الشورى بات للعدالة مكانتها.
العرب:
لم يكن العرب بعيدين عن التجارب الحزبية التي عصفت بالعالم، بل إن بعض الاحزاب العالمية غزتهم مثل الاحزاب الشيوعية التي حاولت أن يكون لها موقع قدم في السلطة لكنها فشلت ، ولعل تجربة الحزب الشيوعي السوداني ابان حكم جعفر النيميري خير دليل حين تحالف مع ضباط من الجيش للانقلاب على السلطة لكن النميري تمكن من سحق الانقلاب قبل وقوعه بمساعدة مصرية ( انور السادات ) بالطبع، فانزل النميري بالحزب الشيوعي تصفيات علنية وعامة بدأت من القيادات من عبد الخالق محجوب الى اصغر شيوعي وهكذا .
في كل الاحوال، كان القرن العشرين ايضا غزيرا على المنطقة العربية في مفهوم الاحزاب، واذا اردنا محاكمة ذلك التاريخ ، لقلنا ان التجارب الحزبية العربية لم تكن موفقة مع ان بعضها وصل الى السلطة كما في سورية والعراق حين استلم حزب البعث العربي الاشتراكي الدولة والنظام والسلطة.
لعل هذا الحزب العربي من ابرز الاحزاب العربية دورا .. وهو كان قد نشأ في مرحلة التفتح القومي في الثلث الاول من القرن العشرين من خلال وجود ميشال عفلق في فرنسا حيث يقال ايضا ان افكار المفكر السوري زكي الارسوزي لعبت دورا في نشأة فكرة الحزب. وحين انتقلت الفكرة الى سوريا لاقت هوى وسرعة انتشار، فنفوس الناس ظمأى الى فكرة عربية قومية تغير من واقع الحال، تحقق تغييرا على صعيد الداخل وتصل بالأمة الى وحدتها .. تلك هي باختصار شديد الفكرة الاساسية لحزب قومي وجد له ذاك الصدى في سوريا ثم في العراق وفي لبنان كما سبق وقلنا في البداية . كان بمثابة عاصفة من الاحساس القومي هبت على المنطقة، فكانت بلاد الشام دائرتها الاساسية. وحين ظهر جمال عبد الناصر في الخمسينات من القرن الماضي، وتكاد طروحاته القومية والوطنية مشابهة لطروحات هذا الحزب، حقق هذا الأخير اتساعا اكثر بحيث وصلت الأمور الى ان اصبح كل بعثي ناصريا بالضرورة والعكس هو الصحيح ايضا. فقد اتفقا على الوحدة وعلى تحرير فلسطين وعلى الاشتراكية وعلى الكثير من الطروحات الوطنية والقومية، وبدا كأن هنالك صناعة افكار واحدة لكلا الطرفين .. وحين تحققت الوحدة بين مصر وسورية عام 1958 وبدفع قوي من حزب البعث، كان عبد الناصر يخاف الاحزاب، فقام بتصفيتها تقريبا داخل سوريا كما فعل ايضا في مصر لأنه كان يعتبر ان الحزب يعمل لذاته وليس لوطنه، بل هو كعسكري كما اخبرني ذات مرة احد الضباط الاحرار احمد حمروش كان يخاف تجربة الاحزاب داخل الجيش .. ومن مرويات الكاتب المرحوم احمد بهاء الدين، انه بعد تصفية نفوذ محمد نجيب من القيادة ووضعه في السجن ، التقى ثلاثة بداخله، فارادا التعرف على بعضهم، فقال الاول انه سجن لأنه هتف لمحمد نجيب، وقال الثاني انه سجن لأنه هتف ضد محمد نجيب، اما الثالث فقال انه محمد نجيب ، بمعنى ان تلك المرحلة لم تكن تقبل حتى الرموز التي تخيف تأثيرها على العسكري فكيف بالاحزاب وخصوصا في مصر كالاخوان المسلمين الذين كالاخطبوط موجودين في كل مكان.
يقال من مذكرات حزب البعث انه تألم لخطوات عبد الناصر في سوريا بإلغاء الاحزاب ومن بينهم الحزب الطليعي اي حزب البعث. ولهذا اقترف هذا الحزب خطيئة كبرى حين أيد لاحقا الانفصال الذي دمر الوحدة بين سوريا ومصر، وبدا هذا الموقف غريبا من حزب قومي، لكن المصلحة الذاتية له دفعته الى قرار ضد ابرز معتقداته وهو الوحدة العربية .. ورغم انه عاد وحاول طرح المشروع من جديد على قيادة عبد الناصر الا ان هذا الاخير كان حذرا جدا من المحاولة الجديدة، ارادها ان تكون اكثر عقلانية وبدراسة شديدة وتأن واضح كي لاتكون العواطف هي الغالبة كما حدث في تجربة الوحدة الاولى.
لكن حزب البعث تمكن في وقت لاحق من الاستيلاء على السلطة في سوريا في العام 1963 والى اليوم، تبعه لاحقا قفزة مماثلة للحزب ايضا ولكن من خلال فرعه العراقي على السلطة في العراق من خلال تجربتين: الاولى عام 1963 ايضا ولم تعمر، والثانية عام 1969 ودامت حتى سقوط صدام حسين عام 2003 اثر الاجتياح الاميركي للعراق . واذ ادى ذلك الاجتياح الى انهاء الحزب من الحكم ، فهو في سورية مازال يتعرض لعملية محاول مماثلة ، اذ ان الحرب عليها اليوم ليس فقط من قبيل تغيير الرئيس بل تغيير كامل السلطة.
لقد أظهر حكم البعث في سوريا وخصوصا إبان حكم الرئيس الراحل حافظ الاسد كم كان دفاعه مستميتا عن أفكاره وفي محاربة الإرهاب وفي الحفاظ على وحدة لبنان ومساعدته في الخروج من حربه الطويلة، إلا انه بالمقابل لم يلغ تقريبا تجربة الاحزاب الأخرى فأوجد لها شكلا معينا بقيادته دائما .. اما في العراق فحاول البعثيون أثناء حكمهم السماح لبقية الاحزاب ان تلعب دورها في ظل وجود المراقب والمتابع، الا ان المرحلة لم تدم فعاد الحزب ليقبض بقوة الساحة، مما ادى الى هروب الحزبيين وخصوصا الشيوعيين الذين جاء معظمهم إلى لبنان وعاش في كنف المقاومة الفلسطينية خلال وجودها في لبنان الى العام الذي أخرجت منه 1982.
في مقابل حزب البعث، برزت أحزاب شيوعية عربية لكنها لم تستطع في بعضها ان تعمر طويلا، كما انها لم تتمكن من ان تقترب من الحكم .. كانت الاقوى في العراق وفي السودان، لكنها تعرضت لضربة قاضية في الاولى اثناء تجربة العام 1963 حيث تم تصفية آلاف الشيوعيين، وكان يقال ان زعيم تلك المرحلة في العراق البعثي علي صالح السعدي حين ابعد من بغداد بعد فشل المحاولة اصيب في اواخر عمره بشلل في يده اليمنى فكان يبكي ويردد انه قتل بهذه اليد الكثير من الشيوعيين فعاقبه الله بالشلل. .. واما في السودان ، فسبق وبينا كيف تمكن النميري من سحق محاولتهم الانقلابية زبالتالي تصفية الالاف منهم . وما عدا ذلك ، فثمة تجارب شيوعية في لبنان وسورية ، ومما يذكر انه إبان الوحدة تم إعدام الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني فرج الله الحلو في دمشق بعد تذويبه بالاسيد كما بات معروفا.
وباختصار، لاقى الشيوعيون فشلا في الواقع العربي سببه اتهامهم بانهم يرفضون الاديان، وهي مشكلة واجهتهم وكانت حجر عثرة في تطوير مساحة عملهم الحزبي، علما ان انشقاقات كثيرة حصلت لهم، مما فكك قوتهم، وبعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي الذي كان رأسهم المفكر والمدبر، بدا الشيوعيون وكأنهم اصيبوا في مقتل، وهم الآن قلة قليلة مبعثرة في الوطن العربي ، لكن لادور لهم.
اما حركة القوميين العرب التي نشأت في الجامعة الاميركية في لبنان من خلال الدكتورين جورج حبش ووديع حداد، فقد كانت فلسطين هدفا استراتيجيا حين كان شعارها وحدة تحرر ثأر، فيما كانت الوحدة ابرز الاهداف ايضا، وبعد الهزيمة الكبرى 1967 وظهور الكفاح المسلح الفلسطيني، تحولت الجبهة الى حزب ماركسي لينيني دعي بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ثم انشق عنها قيادي بارز هو نايف حواتمه الذي اسس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين .. ومما قاله احد الاعلاميين العرب كان سبق له وقام بتعريف ياسرعرفات على الرئيس عبد الناصر ، ان اعتبر فعلته تلك خطأ فادحا لأنه كان يجب تعريف عبد الناصر بجورج حبش بدلا منه. ويعتبر الدكتور حبش قامة وطنية وقومية ومفكرا كبيرا كان له باع طويل في قيادة أعتى المراحل الفلسطينية رغم مرضه الذي لازمه طويلا.
وليس ماتقدم هم الاحزاب العربية، ففي لبنان وحده عدد كبير منها، بدأت بالحزب السوري القومي الاجتماعي، وصولا الى حزب الكتائب، تلاها احزاب عقائدية اخرى، لكن بكل أسف، فان كل حزب بات يمثل طائفة او مذهبا، مما جعل من تلك الاحزاب منصات متقوقعة على نفسها تسكن المكان ذاته والمدن ذاتها والريف ذاته. ولا شك ان في الوطن العربي ايضا احزاب وطنية تمثل بلادها ، وبعضها لها ابعاد قومية خصوصا تلك الناصرية والبعثية، وما تبقى من حركة القوميين العرب.
يؤسفنا القول، إن التجربة الحزبية العربية فشلت في ان تظل قادرة على تمثيل الشارع الوطني والقومي، منها ماسقط ومنها متقوقع ومنها من تعب واكثرها اصابه الهرم والكبر فنأى بنفسه عن النضال الحزبي اضافة الى مااستوعبته السلطات من حزبيين، وبذلك تقلص دور الاحزاب وتهمش، دخل في مرحلة الغيبوبة وهو يدرك انه في هذا الموقع القاتل لكن الواقع والمرحلة حتمت عليه ان يصل الى هذا المستوى .. ومن هنا، اصيبت الساحة العربية بفراغ قاتل، وخصوصا ان عالم الشباب هو السائد عربيا حيث يشكلون القاعدة الشعبية في كل قطر عربي، بعدما تجاوز العرب رقم الثلاثماية مليون ونيف.
في هذا الجو الفراغي الشبابي، هنالك ايضا الامية في مابينهم التي عشعشت في المنطقة العربية، وقلة الثقافة حيث العرب لايقرأون الا ماندر، اضافة الى العوامل الاجتماعية الأخرى، ومنها الفقر، ثم العصبيات والفراغ الروحي وغيره من المكونات التي لعبت كلها دورا في ازدياد الحاجة الى بديل، فاذا بالفكر التكفيري هو البديل، ساعده المناخ التخريبي للبنى العربية، اي ان من خطط للنزعة تلك، وضعها في اللحظة المناسبة للتخريب الاجتماعي والانساني .. وهكذ اكتشف الفرد العربي انه منساق الى التعبير عن شغفه بالتغيير ظنا منه ان تلك التنظيمات تملك تلك الفكرة .. ولأن السلاح استهواه، وانه من خلاله يمكن تنفيذ الفكرة، فقد وجد ضالته كما اعتقد. وها هو اليوم عبد متحرك لما هو مخبأ في الاجندات الخارجية، فهو لايعرف عنها وغير مسموح له الاطلاع على اي من اسرارها .. هو مجرد رقم في تنظيم وعليه التنفيذ ليس الا.
هل يمكن اعادة الحياة للاحزاب الفكرية الرئيسية في هذا الجو المقيت الذي تغلب عليه لعبة الموت فقط .. اعتقد ان هنالك صعوبة فائقة، لأن مايجري تجاوز بث الافكار والمنتديات الحزبية وحالات التبشير الفكرية الى الصراع الوجودي الذي يحتاج فقط الى تعميم فكرة حرب الشعب بان يكون الشعب كله محاربا في هذه الفترة من اجل وقف الزحف الارهابي، ومن ثم القضاء عليه ان امكن.
ولهذا، نحن في اول الطريق التي تأخذ الى المقاومة الميدانية لوقف التمدد الارهابي وبالتالي وقف تأثيره الفكري على عقول الناشئة. لابد من قتل الارهاب وافكاره دفعة واحدة، والواضح انه يساهم في قتل ذاته من خلال تجربته المريرة في المناطق التي سطا عليه، ومن خلال ممارساته العفنة المنحطة التي ستغير من مفاهيم كثيرة تساهم في الارتداد عنه وهو مايجري اليوم.
انها حرب طويلة ومعقدة كيف يمكن اجتثاث الارهاب وفكرته دفعة واحدة .. لكننا نؤمن ان هذا واصلين اليه، ولابد من ان تعود الافكار الجميلة بكل آمالها التي رست في قلوب من مضوا لتفرخ في عقول آتين الى الحياة ، وسيزهر العقل مرة اخرى.

إلى الأعلى