الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / ليكون للسوريين جميعا وطن ويكونوا جميعا للوطن

ليكون للسوريين جميعا وطن ويكونوا جميعا للوطن

علي عقلة عرسان

يتنادى بعض السوريين اليوم إلى جمع الصف، وتجاوز الخلافات، وتوحيد الموقف، ووضع اليد باليد، لمواجهة الأوضاع الخطيرة المستجدة، وعلى رأسها التدخل الروسي في الشأن السوري. وفي ذروة من ذُرى ذاك التنادي، يقول قائل بعد قائل، هذا هو المدخل الأهم لكي “نتصدى للاحتلال، وننقذ البلاد من التمزق”؟! ولعمري إن أية دعوة لاجتماع السوريين على رأي، وموقف، وقضية، وأولوية”، من أجل إنقاذ ما تبقى من سوريا الدولية، بالأبعاد “السياسية، والقانونية، والاجتماعية، والجغرافية، والتاريخية.. إلخ”، ولسوريا الشعب من “الفتنة، والكراهية، والعداء، ومن النزوح، والتهجير، والتشردد على أبواب الأمم، والمعاناة التي لا سابق لها..”، هو موقف وطني مسؤول، ودعوة جديرة بالتقدير والاهتمام. وأن تأتي بهذه المعاني والأهداف، ولو في وقت متأخر، خير من ألا تأتي على الإطلاق.
ولكن عيب هذه الدعوة وأمثالها، مما كان منذ زمن، وتجدد مرات ومرات على مرِّ الزمن، خلال الأزمة/الحرب/الكارثة.. عيب هذه الدعوة أنها لم تكن في يوم من الأيام لا نظيفة، ولا خالية من الألغام، ولا حاضنة لما تحتاج إليه الدعوات أو النداءات البناءة، من استعداد لملاقاة الآخر في مفازة من مفازات طريق التقارب والتوافق والتعاون، بإخلاص وبعد نظر.. وأنها لم تكن، في أي وقت من الأوقات، دعوة للسوريين كافة من أجل سوريا والسوريين كافة.. بعيدًا عن الاصطفاف، أو الاصطفافات الضيقة أو المريضة، التي ظهرت ثم تكاثرت وتنافرت، منذ بداية الأحداث عام ٢٠١١. إذ إن كل داعٍ ذي صوت يرتفع بدعوة، كأنما كان يقول، من منطق عصموي: “أيها السوريون تعالوا إلي، قفوا ورائي، واحملوا سيفي، فأنا الوطن، والحق، والصواب، والإنقاذ، ومَن يخلِّص البلاد والعباد من سوري آخر، هو النقيض لما أنا عليه، ولما أعلنه وأدعو إليه”؟! هكذا كان الحال في معظم الأحوال، ابتداء بدعاة الدولة وانتهاء بدعاة المعارضات ومن في حكمهم. وكان في كل طرف، أو في كل تجمع للسوريين، دعاة أصواتهم تتعالى، وألسنتهم تتقاطع، وقلوبهم شتى. وفي وسط كل فريق تجد توغلًا للتطرف، حتى أنه أباح ما لا يباح، وأسال دماء، وأوغر قلوبًا، وأقام سدودًا.. وجرَّ بالتطرف والعنف إلى مزيد من التطرف والعنف، بل وإلى الإرهاب، وإلى ممارسات خرجت بأصحابها وأنواعها وأغراضها، عن حدود: “الوطني، والقومي، والإنساني، والأخلاقي، والديني..”، ودخلت في عماءَ الوحشية، والفتنة الدينية/المذهبية.. فأشعلت نارها العمياء، وأدخلت الناس فيها: أدوات، ووقودًا، وضحايا.. كما دخلت وأدخلت كثيرًا من الساسة، وأصحاب النداءات والدعوات والادعاءات، في ما هو أبعد من العماء والغباء.. أي في نهج العملاء، واستدعاء الأعداء، والقوى الأجنبية، والصهاينة المحتلين، وكل المسكونين بحروب “صليبية مقدسة”، على تضادهم في جوانب، واتفاقهم التاريخي ضد العرب والمسلمين، ضد العروبة والإسلام.. استدعائهم ليكونوا طرفًا، أو ليتبنوا مواقف طرف في حرب الوطن على الوطن، والشعب على الشعب.. وفي الحرب على القومية، والدين، والقيم، وموالاتهم في ذلك، وتمكينهم في البلاد، ومن العباد. وكان لسان حال كل “داعية” من دعاة السياسة البائسة، على اختلاف مشاربهم، ومصالحهم، وغاياتهم، ووسائلهم.. يمضي في “نداءاته ودعواته، وادعاءاته..” إلى حد القول: “اتبعوني فأنا الحق والصدق، وأنا المصون المعصوم، وأنا الوطن والشعب.. اتبعوني لكي نبيد السوري الآخر، ونحرر البلد منه، أو نطرده منها، ليزداد الوطن نظافة”؟! هذا عدا عما يكيله كل صاحب دعوة ونداء لخصمه أو لخصومه، حسب الموقع، والموقف، والمصلحة، والتبعية، والمرجعية، والانتماء، والتمويل، والولاء.. إلخ، من اتهامات لا تُبقي ولا تذر.
ومن الطبيعي أن يكون هذا الأسلوب مفرِّقًا، وأن يكون هذا المنطق ممزِّقًا، وأن يسفر هذا النهج عن مزيد التنافر والتباغض والكراهية، وأن يوسع الهوة بين من ينبغي أن تجمعهم الوطنية الصادقة السليمة، فتردم بينهم كل هوة، وتجمعهم على الحق، وعلى الإنقاذ والاستنقاذ للوطن والشعب والحق. ومن الطبيعي أن يقضي ذلك النهجُ السلبي الذي ساد واستشرى، على الثقة التي يجب أن تتوافر، وأن تكون متبادلة.. ومما هو معروف أن هذا النهج يؤدي إلى مضاعفة التطرف والعنف، ويقود إلى ممارسات، هي الآفات التي أدت وتؤدي إلى تدمير البلاد، وقتل العباد، وتهجير السكان، وجعل الوطن بؤرة خوف، وإرهاب، وموت، وبيئة نابذة للقدرات والإمكانيات البشرية البناءة والخلاقة، وبقعة جاذبة للتطرف، حاضنة للفقر والبؤس واليأس، ومهلكة لأهلها.. لكنها ممرعة، يرتع فيها المجرمون والصوص والمغامرون والانتهازيون والجهلاء، ومن يرفضون الحكمة، والتعقل، ومفاهيم المواطنة الحقة، ومبدأ قبول الآخر.. بوصفه شريكًا في الوطن والمواطنة، في الحقوق والواجبات، في الحرية والكرامة، وفي الحياة والمصير؟!
نحن اليوم، في سوريا العزيزة، المحترقة بنارٍ أشعلها بنوها، ويضريها أعداؤهم وأعداؤها.. نستشعر خطرًا أكبر، لم نستشعره من قبل، يوم كان وليدًا ينمو بيننا ويتجذر، ويتمطى ويتمدد حتى تجبر. وهو خطر القصور السياسي والأخلاقي، خطر الرؤى الضيقة التي ترى الزقاق الضيق وطنًا ولا سوريا حارة في الوطن العربي الكبير. وخطر الفساد والإفساد، وتقديم المدعين الفارغين على البنائين القادرين الصادقين، وخطر استدعاء القوى الخارجية لتناصر فريقًا منا على فريق، ليتحقق لما تناصره “نصرٌ؟!”هو في حقيقته “هزيمة ماحقة للوطن والشعب والقيم الوطنية والخُلقية”. وقد كان هذا موجودًا في جسمنا الاجتماعي، منذ بداية زمن ربيع الشجون العربية في سوريا العزيزة.. وكانت إرهاصاتُه قبل ذلك بزمن تبرُز، وأحيانًا توجُّ مثل برق في الظلماء.. ولكن، كلٌّ كان يذهب به غيّه وعنادُه وتكبُّره وتجبُّره، وربما جهله المتعالي، وتجاهله المتغطرس.. إلى المدى الأبعد فالأبعد فالأبعد، حتى ضاع وأضاع، وهو يدري ويدرك، أو لا يدري ولا يدرك أنه كذلك وأنه فعل ذلك، حتى حين يكون غارقًا في خضم المأساة الفاجعة إلى زذنيه، أو أنه قريب منها وأنها تحت قدميه.. يراها كأنما هي بعيدة عنه وأنه غريب عنها وهي غريبة عنه.. في حين أنه ضاع وأضاع..؟! حيث يصدق فيه وفي الأوضاع التي أحاطت بالوطن، قول ابن قيِّم الجوزية:
وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكَّمُ
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
إن دعوة السوريين إلى التقارب، والتعاون، والتفاهم، عبر التواصل والحوار البناء.. وإعلاء مصلحة الوطن والشعب فوق كل مصلحة.. وجعل وقف الحرب هدفًا أسمى وأعلى، ولجم الإرهاب والتطرف والعنف والتصرف الأرعن.. إن ذلك أحد أهم المداخل لخلق مناخ يساعد على الإنقاذ، والاستنقاذ، بالحكمة والمنطق والعقلانية.. إلخ، ويساهم في وقف معاناة الشعب، وتدمير البلد. وتلك دعوة عادلة، ومسؤولة، ومهمة، وعاجلة، وضرورية.. لكنها يجب أن تكون موجهة للسورين كافة، من أجل سوريا والسوريين كافة.. وليست دعوة للاستقطاب العسكري والسياسي والمذهبي، ولا لتكتل طرف ضد طرف، تحت راية أو شريحة من الذرائع، بهدف تصعيد الحرب، وتوسيع دوائر الدمار والقتل والخراب. وهذا لن يكون إلا باستعداد كل المسؤولين السوريين، من كل الأطراف المتقاتلة أو المعنية بالأزمة/الحرب، تلك التي تخوض عراكها ومعاركها باسم الوطن والشعب، وعلى أرض الوطن وجثث أبناء الشعب.
إن على أولئك جميعًا، وعلى السوريين كلهم، لا سيما من يستطيع منهم القيام بفعل خير بناء في سوريا ومن أجلها، وعلى من يستطيع أن يساهم باقتدار، وإخلاص، في الاتجاه، وفي وقف نزف الدم، وتفاقم الفتنة، وخروج الأمور عن السيطرة، لا سيما إقليميًّا ودوليًّا، عليهم أن:
١ ـ يكفوا عن الاستقطاب الداخلي، والإقليمي، والدولي، حول محور الحرب/الفتنة.. ولا سيما الاستقطاب الطائفي ـ الفتنوي.. الهادف إلى استمرار الحرب وتصعيدها وشمولها، وإلى تحرير سوريا من السوريين، باسم “انتصار؟!” فريق على فريق، وهو “انتصار؟” لن يكون إلا هزيمة ماحقة، للوطن والشعب والأمة، للقيم والأخلاق والإنسانية، ولكل ما تعنيه سوريا في تاريخ الأمتين العربية والإسلامية، وعلى الصعيد الثقافي والحضاري الإنساني.
ـ أن يقطعوا، أو يجمدوا.. كل ولاء، لأي منهم، لغير الوطن، “سوريا الواحدة الموحدة”، ولغير الشعب في سوريا، بكل مكوناته وأطيافه. ولا نتحدث هنا، ولا نستهدف فيما نقول به من باع نفسه للشيطان، ودخل دوائر العمالة والخيانة، أيًّا كان.. فذاك أخرج نفسه بنفسه من هذه الدائرة.
ـ أن يبدي كل طرف سوري، استعداده للتنازل، نعم التنازل، عما يعتقد، بل “يدعي في حقيقة الأمر”، أنه له ومن حقه، وأنه سادنه وسنده وحاميه، “باسم سوريا “التي يمثلها؟!”.. ومن ثم فهو حين يتنازل، أو يُدعى إلى التنازل لسوريا الشعب والوطن، ومن أجلهما.. وليس للطرف الآخر الذي يحاربه فيها.. حين يفعل ذلك، ويكف عما يدعيه، يكون قد لمس حقيقة إن سوريا ليست ملك طرف فيها دون طرف، أو فئة دون فئة، أو شخص دون شخص، إذ لكل السوريين الحق بالتساوي في وطنهم ووطنيتهم إلا من خان. ويجب أن تخرج “الوطنية” من كل شكل من أشكال الاحتكار، ومن يد كل من يعرضها “بضاعة سياسية”، فالوطنية ليست تجارة بأي حال من الأحوال. وعلى كل المتشبثين بمواقف وحقوق وقضايا ومقولات و.. إلخ، سببت الدمار والهلاك، وتسببت في أن تتحول سوريا إلى بؤرة صراع دامٍ، بين الدول والتحالفات والقوى، بين الأعراق والطوائف والمذاهب والمناطق.. إلخ، من أجل النفوذ والمصالح والاستراتيجيات والسياسات الدولية.. إلخ، عليه أن يخرج من دائرة ضيقة أوصلته، وأوصلت الشعب والوطن، إلى ما لا خير ولا أمن ولا سلم فيه. وذلك لكي يتاح لسوريا، ولكي يتاح فيها، مناخٌ يسود فيه النظر والتقويم السليمان.. مناخ يمنع الفوضى، ويفرض احترام الإنسان الفرد، والشعب السيد.. بموجب تشريعات وشرائع، دستور وقوانين، سلطات وخدم لها، وليس مالكين لروؤس الناس ومصائرهم باسمها.. لكي يتيح ذلك للسوريين القادرين المخلصين.. أن يبنوا وطنًا للجميع، بجهود الجميع، وفق المفاهيم والأبعاد والمكونات التي تشكل مرجعية سليمة لدولة.. وأن تُرى في ضوئه المصالح العليا للوطن والشعب، فُنفذ.. وفي مقدمة ذلك: وقف سيل الدماء، والتوجه نحو وطن آمن، يستعيد أبناءه، وثقتهم فيه، وآمالهم المبنية عليه، فيقومون ببنائه من جديد، وعلى أسس وطيدة من العدل والعلم والانتماء.
ـ أن يؤول كل أمر من أمور المسألة السورية إلى السوريين، مستفيدين من كل جهد دولي مخلص، ومبادرة بناءة، ورأي سديد.. للخروج من البرزخ الجهنمي الذي دخلوا وأُدخلوا فيه. ومما يمكن الاستفادة منه جنيف بدوراتها، وما قُدم من نصوص تحت عناوين مبادرات يمكن الاستفادة منها.
ـ أن تَرفع الدول المنخرطة في القتال على الأرض السورية، وباسم السوريين وسوريا، والمسألة السورية، أن ترفع يدها عن بلادنا.. وأن تكف عن الاقتتال فيها وعليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وعبر أدوات.. لكي يتاح للسوريين أن يروا مصالحهم، وأنفسهم، وواقعهم، ومستقبلهم.. من دون غشاوات، وبعيدًا عن الأوهام، وعن تدخل القوى الخارجية في شؤونهم.
ـ أن تقوم الأمم المتحدة بدور فاعل، مؤثر، بناء، صحي، فوري .. في لجم التدخل الخارجي في سوريا، بموجب المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات والقوانين الدولية، وتطبيق قواعد القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، في كل ما يتعلق بالمسألة السورية منذ بدايتها.. وأن تتحمل مسؤولية في إعادة الأمن والسلم والاستقرار، إلى بلد مزقته حرب الآخرين على أرضه، وأن تساهم في إعادة إعماره.
وفي ختام هذا الكلام، نؤكد أهمية وضرورة كل نداء ودعوة، وفعل .. من أجل جمع كلمة السوريين كافة، ليكون لهم جميعًا وطن مستقل، حرٌّ، سيد، وكريم.. ومن أجل أن يكونوا جميعًا للوطن: سوريا التاريخ، والحضارة، بيضة الإسلام، وقلب العروبة النابض.
والله من وراء القصد

إلى الأعلى