السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأشكال السّردية والفنيّة في القصة القصيرة جدا (1 ـ 2)

الأشكال السّردية والفنيّة في القصة القصيرة جدا (1 ـ 2)

مقدمة
إذا ما حاولنا الاستفادة من مجموع الخصائص البنائية لـ(الق الق ج)؛ فإننا يمكن أنْ نقوم بصياغة تعريف مرحلي، يكون بمثابة تركيب مركز لأهم الخصائص المذكورة، مع الإشارة إلى استفادتنا من خصائص كثيرة من النّماذج القصصية المتداولة، مع اشتراط أنْ تكون قد حظيت باهتمام واسع، أو بدا لنا – حسب خبرتنا المتواضعة- أنّها من أبرز العينات من النّاحيتين الجمالية والدّلالية. ولا يمكن اعتبار هذا التّعريف نهائياً، ولكنّه محاولة لوصف الحالة القائمة لـ(الق الق ج) في عُمان. علماً بأنّ أيّ تعريف يُقدم من قبل المنظرين للفنون الأدبية، يخضع بالضّرورة للمراحل الزّمنية ولمستجدات كلّ فن عبر التّاريخ، ونصوغ الآن التّعريف المقترح، كالتالي: “القصة القصيرة جداً، هي فن قصصي حديث النّشأة والذّيوع، له أصول قديمة عربية وغربية، يتميز بخاصية رئيسية هي القصر الشّديد: من سطرين إلى حوالي خمسة عشر سطراً في الغالب، كما أنّه فن يعتمد كثيراً على تقنية المفارقة، وخاصيات: التّكثيف والتّوتر والاقتصاد في اللغة، والسّخرية والمباغتة والإدهاش، وتتحول فيه الكلمة إلى ركيزة أساسية، وغالباً ما ترسِم (الق الق ج) حالة محددة، أو موقفاً إنسانياً مأساوياً عميق الدّلالة، أو نقداً لاذعاً للواقع في إطار مختزل من الفضاء والحدث مع استخدام الرّمز والميل إلى الطّابع الغنائي أحياناً؛ وهي لذلك تعتمد في الغالب على صوت الذّات المتكلمة صاحبة الموقف، كما أنّها بمجموع تلك الخصائص تقترب من قصيدة النّثر واللوحة التّشكيلية والمشهد المسرحي أو السينمائي الخاطفين”1.
وفي سياق الحديث عن القصة القصيرة جداً، لا بد أنْ تثار أبرز الخصائص التي يتميز بها هذا النّوع من القص، كـ”القصر الشّديد، التّكثيف، الاقتصاد اللغوي، المفارقة، التّرميز، الانزياح، الطابع الإنساني، السّخرية، التناص”2. معظم هذه الخصائص تشترك فيها (الق الق ج) مع الأنماط السّردية الأخرى؛ فالانزياح والنّزعة الإنسانية والسّخرية والتّناص، هي في الواقع خصائص مشتركة بين معظم الأجناس الإبداعية، وتبقى المسألة منحصرة بشكل نسبي في الخصائص الباقية، وهي: القصر الشّديد واقتصاد اللغة والمفارقة، ومع ذلك فكل من حاول أن يكتب في مجال التّنظير، لا بدّ أنْ يصف الجنس بكامل خصائصه الشّكلية الدّلالية، بغض النّظر عن كون هذه الخصائص مشتركة مع الأجناس الأخرى، والأهمية كامنة في الوعي بهذه العلاقة التّشاركية بين مختلف الأدبية؛ وهذا ما يجعل أيّ تعريف أو تنظير إنّما يكون نسبياً، ولذا ينبغي أن يكون منفتحا على الفنون الأخرى المختلفة، وعلى ما يأتي به المستقبل من قيم جمالية ودلالية جديدة. بإمكاننا أن نضيف إلى التّعريف السّابق بعض ما نتج عن معاينتنا لعدد لا بأس به من النّماذج القصصية المنشورة في الوطن العربي؛ فنتحدث – مثلاً- عن “الخصائص الإضافية التالية”3:
- الإدهاش.
- تحويل القصة إلى ما يشبه اللوحة التشكيلية أو المشهد المسرحي.
- إضعاف الحدث والمجال الفضائي لفائدة الواقعة أو الحالة.
- تحويل القصة إلى مجال لحضور الوعي الذّاتي، أو التّعبير عن موقف محدد.
- توجيه النّقد اللاذع لما يجري في الواقع.
- تصيد المواقف المأساوية.
تقترح هذه الورقة محاورة خمس مجموعات قصصية، هي:
- سرنمات، وليد النبهاني الانتشار العربي 2012
- عمامة العسكر، حمود سعود الانتشار العربي 2013
- سيرة الخوف، الخطاب المزروعي الانتشار العربي 2014
- قلبها التاسع، ليلى البلوشي، بلاتينيوم 2014
- رغيف أسود، سعيد السيابي، بيت الغشام 2015
وإذا سلمنا أنّ (الق الق ج) نوع جديد له خصائصه وعناصره الخاصة به، لأنّها بنت عصر السّرعة من جهة أولى، والشّك ومساءلة الأيديولوجيات واليقينيات والمعارف المنافية لإنسانية الإنسان وطبيعته، تسائلها وتخلخلها وتزرع القلق والشّك فيها لتقول حقيقتها التخييلية من جهة ثانية، وهي بنت عصر التّشظي وانكسار الأنساق والاكتمال والوضوح من جهة ثالثة.
فكيف اشتغل القاص العماني على كتابة عناصر (الق الق ج) وفنيّاتها، فيما يتعلق بجدّتها، ومقوماتها من حيث القصصية، والكثافة، والشكل الذي ظهرت فيه معمارياً، ومعيارياً؟.

القصة القصيرة جدا والأشكال السّردية والفنية4
لا نريد في هذه الدّراسة التّطبيقية أن نجعل نصوص (الق الق ج) ضحية للتّطبيق النّقدي، كما هو واقع في عدد كبير من الدّراسات التي تبتعد عن دائرة نقد النّقد لتهتم بنقد الإبداع، خصوصا تلك التي تنشغل بجانب واحد من بنية السّرد (بنية المكان، أو بنية الزّمان، أو البنية الوصفية…إلخ)، حيث نراها تلجأ إلى تفتيت النّص القصصي أو الروائي، وتقتطف منهما العبارات والنّصوص التي تقوم بمهمة توضيح الظاهرة البنيوية، أو المصطلح النّقدي، وتلغي دراسة النّصوص بكاملها.
سنحاول القيام بتحليل إجمالي للنّصوص القصصية التي وقع عليها اختيارنا، مع التّركيز في نفس الوقت على ما نود توضيحه في كل مرحلة من مراحل التّحليل. ومن حسن الحظ أنّ (القص القصير جداً) هي أكثر النّصوص السّردية المناسبة للتحليل؛ بحكم القدرة الافتراضية لإمكانية استيعابها شمولياً. هذا لا يعني بالضرورة أنّ جميع نصوصها قابلة للإدراك بسهولة؛ فهناك من جهة طبيعية النّص، ومدى تعقيد بنيته، ومن جهة أخرى ما هي مؤهلات القارئ، أو محلل النّص لارتياد معظم ما يفتحه من آفاق تأويلية؟.
1. علاقة القصة بالخبر
علاقة (الق الق ج) بالخبر هي علاقة عامة في الغالب؛ لأنّ الخبر متصل بمعظم أنواع الحكي. وهو يدل على الواقعة، أو على ما وراء الواقعة أحياناً، أي: على ما قد يُفهم من وراء الواقعة مما قد يوحي به المخبر نفسه. وهذا الجانب الخفي في الخبر يشكل إحدى الخصوصيات الأساسية، أيضا لـ (الق الق ج) في الوقت الحالي؛ لأنّ المخبر فيها لا يريد فقط أن يقدم خبراً، بل أيضا تعليقاً أو إيحاء أو أبعادا إنسانية ودلالية محتملة. تّأتي أهمية الأخبار من مضامينها:
- هل هي أخبار مدهشة أو صادمة أو مفرحة؟
كما تتحدد هذه الأهمية من مجالها:
- هل هي ذات طبيعية شخصية أو اجتماعية أو إنسانية؟
وليست الأخبار التي تُنقل تثير فضول المتلقين، فإلى جانب طبيعة الموضوعات هناك الصّياغة التي يُنقل بها الخبر، أي: زاوية النّظر التي يتحدث بها السّارد عن هذا الخبر، هذا الجانب مسؤول إلى حدِّ كبير عن القيمة التّعبيرية والجمالية، وعندما يرقى خبر ما إلى مستوى فني مثير للانتباه؛ يكون قد تحول إلى عمل سردي له قيمة إضافية زائدة على مضمونه؛ لذا فالحدود بين الخبر والإبداع ليست قاطعة، قد يتم إبداع نص سردي لكنّه عند التحليل النّقدي العميق؛ يتبين أنّه لم يبرح مجال الخبرية.
استطاع الخبر في بعض مراحل تطور الثقافة الأدبية القديمة في الوطن العربي أنْ يحتل مكانة أدبية كبيرة، وينتقل من الحيز العام إلى المجال الخاص، مع العلم أنّ مفهوم الأدب في ذلك الحين كان فضفاضا؛ لذا “وجدنا بعض من له تخصص بدراسة الخبر في الثّقافة العربية من يُنزّله في مرتبة الكتابة الإبداعية”5. من خلال دراسة في الموضوع لمحمد القاضي المشار إليها في المرجع السّابق، “يتبين أنّ مجموعة واسعة من المصطلحات القديمة أو التي ظهرت فيما بعد، كانت تلتقي مع بعضها البعض أو ينوب بعضها عن غيره في الدلالة”6 على المروي أو المحكي، وأهمها الخبر والأسطورة والقصة والحديث والنّبأ والمثل، وهذه كلّها واردة في القرآن الكريم، وظهرت مصطلحات أخرى بعد ذلك، كلها “تلتقي أيضا بمعنى الخبر: السّيرة والحكاية والسّمر والنادرة والمقامة والقصة ثمّ الرّواية…”7. لذا نرى أنّ الخبر حين اقترب في تاريخ الثّقافة العربية من الأدبية؛ أخذ في التّداخل مع الفنون الحكائية، وهكذا لم ينفصل مفهوم الخبر في هذه الثّقافة العربية الأدبية؛ أخذ على مجالين: أحدهما شامل يسع – تقريبا- كلّ المعارف التي يتحدث عنها المرء، إضافة إلى نقل وقائع التّاريخ، والثّاني يقترب كثيراً من مجال الأدب والإبداع ويشير إلى مضامين (حدثية) إضافة إلى الحيل الفنية المستخدمة للتّعبير عنها. هذا في نظرنا هو مضمون الخلاصة التي توصل إليها الباحث المشار إليه8، حين قال: “والذي يبدو للنّاظر عند مقابلته بين هذه الألفاظ التي استعملت في سياق الدّلالة على فنون القص أنّ التمييز بينها تمييزاً قاطعاً، باتراً، يشبه أنْ يكون أمراً يُطلب فلا يدرك؛ ذلك أننا إنْ غضضنا الطّرف عن الاختلاف الطارئ على لفظ (الخبر) في مختلف وجوه استعماله، بدا لنا أنّ ضبط الحدود الفاصلة بينه وبين ألفاظ (القصة) و (الحديث) و (الحكاية) – إنْ وجدت بينه وبينها حدود فاصلة حقاً- دونه خرط القتاد. وبيان ذلك أنّ الخبر ظلّ في مختلف الفترات لفظاً متعدد المعاني، له في النّحو معنى، وفي البلاغة معنى، وفي علوم الحديث معنى، وفي التّاريخ معنى، وفي الأدب معانٍ”9. وصل الخبر في الثّقافة العربية – كما أشرنا- إلى مرحلة مهمة، انتقل فيها من مجرد نقل مجريات الواقع إلى الخروج -أحياناً- عن الواقعي أو المعقول إلى شبه الوهمي أو الأسطوري؛ وهذا ما أتاح له “الإشارة إلى المحتمل أو المتوقع”10، وهذه هي النّقطة الحاسمة التي بدأ فيها الخبر بالاندماج في المتخيل السّردي الإبداعي.
في أحاديث الطّرائف العربية القديمة التي عادة ما تُدرج في أخبار الشّعراء والملوك والوجهاء والعامة، نجد أمثلة شيّقة، تحمل علامات البنية الخبرية، وتمتلك في نفس الوقت من الطّريف والمدهش ما يجعلها تستحق أن تُدرج في بلاغة الخطاب السّردي؛ وهو ما يسمح لنا أنْ نقارن بين النّوادر والطّرائف، وبين بعض أنماط (الق الق ج) في الوقت الحالي. ونأخذ المثال التّالي من أخبار، القضاة لنتلمس من خلاله بعض الخصائص المشتركة:
“(ما يحوجني إليك الآن؟)
سأل داود مزماره في حيرة بعد أنْ أكل الذئب جميع الغنم التي كان يرعاها.
(أُذن الملك كأنياب الذئب)
أجاب المزمار لما نفخ فيه داود في الوقت الذي كان فيه الملك ماراً بالمرعى متفقداً غنمه.
لكن داود لم يعد يصدق كلام مزماره مذ أصبح عازفا في فرقة الملك الموسيقية”11
يحتوي هذا الخبر على الأركان الأساسية لـ (الق الق ج):
- الاختزال النّسبي للحدث.
- الاهتمام بالحالة الإنسانية المحدودة حالة (الرّاعي المحتار) الذي يبدو وكأنّه مظلوم.
- الحوار المقتضب الذي يتأزم معرفيا لا حدثيّا.
- النّتيجة المدهشة غير المتوقعة من خلال تقديم الدّليل المفحِم، وهو دليل نصي وعقلاني في نفس الوقت.
يرتفع المنسوب الأدبي في موقعين ضمن هذا الخبر المقتضب:
- الحوار الجدي حول وضعية (المزمار)، وهو حوار يعتمد على بلاغة الإيجاز في الكلمات الدّقيقة من حيث المدلولات.
- الاستفادة من مزمار داود، وهذا يمثل قيمة تعبيرية بلاغية عالية الدّقة والاختزال في العبارة، إضافة إلى الغزارة في المعاني، لقد أضفى هذا المزمار ملحفوظة على الخبر. خصوصا أنّها جاءت في نهايته؛ وهذا ما يترك الأثر الحسن عند السّامع والقارئ.
على أننا قد نصادف بعض النّماذج التي لا تستطيع أن تُخرِجَ نفسها من نطاق الدّائرة الخبرية الضيقة إلّا بصعوبة، فالخطاب المزروعي في قصة حملت عنوان (تيث) يقول: “فيما كان علوان يفرش سيحته في ليلة مقمرة على سهل الباطنة؛ متذكراً حزام الرّصاص ومثال، أخذ أحمد الزبيدي يكرر وهو يدمغه بقلم الرصاص، ومثال تدهن الأوراق ببصاق سبابتها”12. يأتي تأكيد خبرية هذه القصة من النّص الموازي مباشرة؛ حين وضع الكاتب بنفسه إشارة شارحة في الهامش13. إذن فالمسألة تتعلق بخبر له سند مرجعي مباشر، وهو في هذه الحالة ينقلنا مباشرة إلى الأخبار الفعلية التي تداولتها رواية امرأة من ظفار.
أما ليلى البلوشي في غير مكان توظف واقعية الخبر ففي قصة (جان كوكتو)، تقول: “كان جان كوكتو جالسا في إحدى حفلاته المدرسية يرفل ملابس فخمة، فدنا منه زميل له سائلا إيّاه: كاذا تريد أن تكون عندما تكبر..؟ فقال جان كوكتو بسرعة ودون تفكير: أن أكون فقيرا..!”14 وهي في هذه الحالة تنقلنا إلى الواقع والرّوايات والأفلام والصّحف والمواقع الإلكترونية.
2. أثر النكتة والطرافة
تلتبس (الق الق ج) في وقتنا الحالي – أحياناً- بالطّرائف والنّكت، والواقع أنّ كثيراً من النّماذج تنزلق في مجال النّكتة، مبتعدة إلى حدّ كبير عن المدلول الإنساني العميق؛ لأنّها تغلب الإضحاك على رسم المواقف المأساوية في مجرى حياة إنسان العصر الحالي، ويمكن القول بأنّ (الق الق ج) إذا لم تكن ناجحة في التّغلب على جانب الإضحاك؛ بتذويبه في مواقف قادرة على الجمع بين الملهاة والمأساة – كما يحدث في المسرح البريختي مثلا- فإنّها تنتهي إلى الفشل الذريع، وستتحول إلى مجرد نكتة محكية في غير سياقها الصحيح. ونلقي هنا إطلالة تحليلية على (ق ق ج) بعنوان (شهادة وفاة) لليلى البلوشي؛ لنتبين الحالة التي يستحوذ فيها الإضحاك على مجموع الأبعاد الدّلالية الأخرى في النّص القصصي:
“سأله الموظف المختص:
- متى توفيت زوجتك أيّها الرجل..؟
أطرق حائراً قبل أنْ يضع يده على رأسه قائلاً:
- اممممممـم.. لا أدري بالضّبط، لكن يمكنكم تقدير ذلك من شعري، فهي من كانت تقصه لي”15.
هذه القصة أولاً، مبنية بطريقة تلغرافية: لأنّها حذفت كثيراً من الرّوابط، وهي ثانياً ذات بناء متلبس بالإضحاك، وإذا فُهِم منها مدلول آخر؛ فهو يقع في مرتبة ثانية، أي: مرتبة معنى المعنى، وهذا يتطلب جهداً من القارئ الحصيف الذي ينجح في التّغلب على بعد الإضحاك وتخطيه إلى أبعاد أخرى أكثر عمقاً. ذلك أنْ يهرب الزوج من قول الحقيقة فيما يتعلق بسؤال الأصدقاء، واندهاشهم؛ لكن القارئ الحصيف سيتغلب على مسار النّكتة في القصة ويفهم مسألة (شهادة الموت) بشكل عكسي. أي: أن الزوج (عاقل وحصيف) وهو قد ارتبط ارتباطاً حميماً بزوجته، وهذا يعني إعلان عدم سعادته. إنّ هذه القصة تظل (ملوثة) بالنكتة، وقد لا يقبل تأويلها بهذه الصورة؛ لأنّه ليس هناك دلالئل أخرى نصيّة، كافية لتعزيز هذا المعنى الإيجابي من التّشظي، وهكذا تكون الكاتبة قد حكمت على بقاء قصتها بقيمتها الإبداعية والدّلالية بنكهة النّكتة الظاهرة فيها. وهذا لا يعني أنّ النّكتة ليست لها قيمة في حياة الإنسان، بل لها مجموعة وظائف من الوظائف في المجتمع، كما أنّ لها نكهتها الإبداعية الخاصة، لكنها من حيث العمق الفلسفي والقيمة الإنسانية تبدو مختلفة التّكوين والأبعاد؛ لأنّها تخرج أحياناً عن نطاق القيم الإنسانية.
كثيرا ما تنزلق القصة بكامل بنيتها ومدلولاتها نحو عالم النّكتة المتداول سلفاً في الوسط الاجتماعي، وهذا ما نجده ماثلاً بسكل مباشر في (الق الق ج) التالية للقاص سعيد السيابي، وهي بعنوان(فرح) يقول:
“اسمها فرح وزوجها سعيد.
التماس كهربائي أحرق بيتهما، مات بسببه سعيد فأحترقت روح فرح”16.
ففي حالات قليلة جداً يستطيع الكاتب أنْ يبدع (الق الق ج) ، وفي تضاعيفها ما يمكن اعتباره نكتة أو نادرة، دون أنْ يضحي بالعمق المعرفي والإنساني، ودون أن يخرج عن نطاق الجد. في هذه الحالة كثيرا ما يتحول (الإضحاك) إلى (سخرية) بنّاءة، تراعي الحفاظ مع ذلك على دميع القيم الإنسانية. البداية يمكن أنْ تكون هذه القصة فعلاً تشير إلى مرجع كاريكاتوري حقيقي، لستُ شخصياً متأكدة من ذلك، وفي حالة ما إذا كان الأمر كذلك؛ فقد كان من الضروري الإشارة إلى هذا المرجع الكاريكاتوري لأنّ معظم النّص القصصي هو بمثابة ترجمة لذلك الرّسم، ومن حق المبدع الأصلي أنْ يكون اسمه حاضراً حتى في ترجمة عمله.
وليد النبهاني يشكل لنا في قصة تحمل عنوان (عورة) قوة إدهاشية دون أن يغيب الطّابع السّاخر “للجدران آذان، وللجارة لسان. أين سيخفي الأعمى عورته؟”17. ترتفع هنا درجة المأساوية عبر سُلّم إداري كامل، مهمته الأساسية المفترضة هو الوعي بالمحيط، إنّها لغة التّهكم على مستوى المحيط الخارجي. بهذه الطريقة تمكن الكاتب، أو مبدع الكاريكاتير؛ أنْ يكون موجوداً بالفعل. أنْ تجعل السّخرية في خدمة المدلول الإنساني، ما دامت القصة تفضح هذا السّلوك. ولعل البعد السّياسي يطل علينا من عنوان القصة الذي أدّتْ إلى إثارة فضول القارئ وجعله يجتهد قليلاً في التّفكير في ماهية العورة. العنوان يحيل إلى مصطلح متداول في المجال المجتمعي والإصلاحي في البيئة العمانية على الخصوص. إنّه مرتبط بحسن التدبير والمراقبة والتسيير، وغالباً ما يُقرن بكلمة تقويمية. هكذا نرى كيف أمكن تكثيف الدّلالات السّياسية والتّربوية الكبرى، بما في ذلك تشييد بناء السّخرية، والنّقد السياسي من خلال عدد من الجمل المقتضبة. وقد لعب التّصوير في هذه (الق الق ج) دورا أساسيا: فـ (الأُذن) و(اللسان)، أو هما معاً. فإذا كان القمع، والإهانة متواترة في سلم مجتمعي كامل، فما الذي سينتج عن ذلك في النّهاية؟ لن تحدث إلّا الكارثة، وهذا ما حصل رمزياً من خلال مأساة الأعمى، التي تشير في حقيقة الأمر إلى مأساة أكبر، مأساة الأجيال الصاعدة.
من الأكيد أنّ كلّ ما قيل ليس سوى تأويلات محتملة للنّص، لكنّها مبررة في جانب كبير منها بمعطيات نصيّة، ثم بمعطيات ثقافيّة خاصّة، ومعطيات الواقع الاجتماعي والسّياسي العُماني؛ بحكم أنّ الكتّاب ينتمون لهذا المجتمع، ويعبرون عن همومه المتداولة؛ بدليل الإشارات النّصية المذكورة، وأهمها مصطلح (العورة) المتداول بإسهاب في الخطاب الاجتماعي.
3. أثر اليوميات والمراسلات القصيرة
عالم اليوميات والمذكرات مليء بالملاحظات العابرة واللّقطات السّريعة، ورصد المفارقات والمواقف المبهرة، هذه الخصائص هي ما يشكل نقط التّقاطع الأساسية بين أدب اليوميات وفن (الق الق ج). وفي يومنا الحالي أصبحت المراسلات القصيرة والأخبار المقتضبة المنقولة عبر الهاتف أو بواسطة البريد الإلكتروني طاغية في التّداول اليومي، وإذا ما أرادتْ القصة أنْ تكون ابنة عصرها؛ فعليها أنْ تتكيف مع الواقع، وأنْ تسير بسرعة إيقاع العصر، وأنْ تركب لغة الاختزال وتقدّم الأفكار والمعاني في أقل قدر من الكتابة. لا شك أنّ الإنسان بدأ يفكر جيداً في كلفة الكلام الكثير، التّفكير في هذه الكلفة تقوى مع ظروف العصر الحالي، على أنّ الإنسان نفسه لم يعد قادراً على الإنصات لتفاصيل الحياة اليومية. جاء عصر (الإنترنت) الذي تحول إلى أكبر ذاكرة معلوماتية رهن كل فرد في كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة؛ هذا ما جعل كثير من الفنون تلجأ إلى الاختزال والتّلميح أكثر من التّصريح. إنّ (الق الق ج) تشكل أبرز مثال على تلاؤم فن من الفنون مع مقتضيات عصره، وهي لم تفرط رغم قصر حجمها، ورغم لغتها التّلغرافية في خصائصها الإبداعية والإنسانية. وسنلاحظ في النّموذج التّالي ما هي الطّريقة التي تكيفتْ بها اللغة القصصية الجديدة، فحذفت معظم روابطها لتؤدي وظيفة (التّواصل) الإبداعي في عصر الكتابة الإبداعية المعاصرة. ما عاد هذا التّفكك اللغوي ممجوجا؛ إذا ما كان وراءه يستحق أن يذكر في سجل الإبداع ودلالات التّجربة الإنسانية، جاءت قصة (كلام) للكاتب حمود سعود، كما يلي: “كانت تبحث عن حزمة من الوقت لتقول له: كم أنت رائع حقاً. هذا الصّباح ستقول له ما خبأته ردحاً من الزّمن بعدما يرجع من البحيرة. هكذا قررت هي. أعدتْ الشّاي والكلام؛ لكن الموت قرر أنْ يعانق زوجها، يعانقه في البحيرة. مات في البحيرة، ومات الكلام في الشّاي”18.
هذا التقطيع اللغوي يُعبّر عنه في لغة النّقد العربي الحديث بـ (الشذرية) أو التشتيت، وقد يكون شكليّا ودلاليا، ولكنّه –هنا- لفظي تركيبي في المقام الأول، وبعد ذلك دلالي؛ لأن ما ترتب عن تفكيك البنية التّركيبية واللفظية هو نتاج مدلولية كارثية في حياة الشخصين (هو/هي) إنّه التشتت باعتباره حصيلة الملفوظ المتصدع منذ البداية. نلاحظ خلو النّص من الرّوابط اللغوية، ما عدا في الجملة الأخيرة، التي تطلبت حضور الواو الرابط؛ للدلالة على استواء حالة الكارثة واستقرارها، حُذِفت أفعال الكينونة، رغم أنّها ركن الوجود. تفكيك الرصيد المعجمي وغياب الروابط وأفعال الوجود؛ أدى بالضرورة إلى تفكيك العبارة، وتفكيك العبارة قادة إلى الكارثة.
وفي قصة (حالة) عند الخطاب المزروعي “شعر بارتجافة في أصابعه، وهو يضع سماعة الهاتف…
- دخلت في حالة موت سريري!. جاءه الصوت متهدّجاً من البكاء”19
تترك مهمة تفصيل الحكاية في هذه القصة التّلغرافية إلى مخيلة القرّاء، وستكون لديهم فرصة لملء نقط فراغها بكل ما علق بأذهانهم من ذكريات وتجارب وأخبار الخصام بين الأزواج في الحياة وفي الجرائد. وما نحصل عليه في النّهاية من هذه القصة الواحدة هو مئات القصص المفصّلة في أذهان القرّاء. مهمة الفراغ المرسوم في الكتابة بنقط الحذف المتعددة، هو توريط القرّاء المحتملين في الحكاية وجعلها قصّتهم الخاصة؛ لأنّ مخيلتهم ستتكفل حتماً بملء بعض الفراغات، أو معظمها عبر مسار القراءة القصير، وستكون الحكاية بقدر ما هي قصة الكاتب، هي قصة قرائها، ولِمَ لا؛ فهم أيضاً سيكتبونها، أو قل إنّها ستُكمِّل كتابة نفسها فيهم. لا بدّ من الإشارة إلى البعد الاجتماعي المأساوي في هذه القصة، وهو ماثل في تهدم الحياة بأكملها بين اثنين عاشا ملتحمين طويلا في كنف الهدوء والوئام. كثيرا ما عبّرت (الق الق ج) في عمان والوطن العربي على السّواء عن القيم الإنسانية. حين ترسم المآسي وتحاول جذب القرّاء إلى فضيلة الإحساس بمرارة الأوجاع الإنسانية. هناك ما هو ملفت في استخدام العبارات، وما يحدث بينها من تعارض أو تضاد يعمل على تشيد المدلول المأساوي في النّص، فالمقارنة تبدو أساسية – مثلا- بين العبارتين التاليتين: (شعر بارتجافة/ دخلت في حالة موت). لكي نفهم هذا الصّدام التشخيصي بين (الرجفة والموت) لا بدّ أن نستحضر الأبعاد الثقافية المتعلقة بهما، فحركة الارتجاف تجمع بين بعد الحياة وبعد الكارثة أو الموت. أما (صوت سماعة الهاتف) حول الحياة إلى دمار، وتصوير صوت البكاء (متهدجا) تعني عدم استقرار الحياة.

المراجع:
1 حميد لحمداني، القصة القصيرة جداً في أفق التّعريف وتحليل نماذج، مجلة قوافل، العدد29، ديسمبر 2012.
2 أحمد جاسم الحسين، القصة القصيرة جدا، انظرص42، 48، 49، 52.
3 حميد لحمداني، مجلة قوافل، ص80.
4 لقد أفدت من تقسيم حميد لحمداني للأشكال السّردية، راجع مجلة قوافل.
5 الخبر في الأدب العربي: دراسة في السّردية العربية، محمد القاضي، منشوراتكلية الآداب، منوبة 1989، ص58، 62.
6 حميد لحمداني، القصة القصيرة في أفق التّعريف وتحليل نماذج، مجلة قوافل، العدد29، 2012.
7 محمد القاضي، مرجع سابق، ص64.
8 نعني محمد القاضي في كتابه، الخبر في الأدب العربي.
9 المرجع نفسه، ص89.
10 المرجع نفسه، ص695.
11 وليد النبهاني، سرنمات، ص33
12 الخطاب المزروعي، سيرة الخوف، ص191
13 تيث: امرأة في اللغة الشحرية. الهامش، ص99. انظر كذلك صفحات الهامش: 17.97
14 ليلى البلوشي، قلبها التاسع، ص80. أشارت الكتابة في الهامش بواقعية القصة. انظر هوامش الصفحات: 27، 35، 41، 68، 92
15 ليلى البلوشي، المصدر نفسه، ص89.
16 سعيد السيابي، رغيف أسود، ص72.
17 وليد النبهاني، مصدر سابق، ص48.
18 حمود سعود، عمامة العسكر، ص93.
19 الخطاب المزروعي، مصدر سابق، ص53.

عزيزة الطائية

إلى الأعلى