الثلاثاء 30 مايو 2017 م - ٤ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / النار في قلبي

النار في قلبي

* النص الفائز بالمركز الرابع في مجال القصة القصيرة في مسابقة المنتدى الأدبي لعام 2015م
أشعر أنني وقعت في الهاوية التي كنت أسعى جاهدا لردمها. ولكنها هاوية بحجم هموم البشر ومعولي أصغر من ملعقة شاي. كلما ظننت أنني اقتربت من اليابسة تسحبني دوامات المحيط الدامسة، وتحاصرني أسماك القرش الوادعة. تسعى لمحاربة شيطان التخلف ثم يلقبونك بإبليس. مشعوذ يقارع الشعوذة. حاولت أن أعيد العقل إلى مكانه الطبيعي، وها أنا على وشك فقدان عقلي.
عندما يتغلب الوهم على الواقع تغيب التفسيرات المنطقية. كيف لمنزل أن يحترق بدون سبب؟ افنيت عمرا في دحر الخرافة عن طريق إيجاد الاسباب الحقيقية للظواهر التي تبدو خارقة للطبيعة. ومن سخرية القدر أن أصبح أشهر “معلم” في البلاد وألقب بـ “سُم ابليس”. هل عملية تغيير عقلية هذا المجتمع مستحيلة؟ هل من الممكن أن يتعايش العلم ويزدهر جنبا إلى جنب مع الخرافة؟ كوبي البارد من القهوة ذكرني بتأخر الرجل علي. لم أكن اتصور أن هنالك من يعيش في هذا المكان النائي في أطراف المدينة. انقطع الشارع الإسفلتي ليحملني طريقا ترابيا إلى هذه القرية المدينية المنعزلة. وقعت عيني على كتاب شِعر “لإدجار ألان بو” من بين الكتب الكثيرة المبعثرة في سيارتي. تناولت الكتاب وفتحت تلقائيا على قصيدة “الدودة الغازية”. لم أكد ابدأ البيت الأول حتى سمعت طرقا على زجاج النافذة. أمرني أن اتبع سيارته التي توغلت في طريق وعر حتى أتينا إلى مجموعة من بيوت بائسة المنظر.
تحلق جميع غفير من الناس حول بيت صغير. لم يتناسب عدد الناس مع عدد البيوت القليلة في القرية. “لماذا لا يوجد اسم للقرية؟” تساءلت مع نفسي بصوت مسموع. نظر إلي بجزع بعد فترة صمت طويلة. لقد زاد السؤال عدد التجاعيد على وجهه، فندمت. ” لقد كانت القرية في الأساس مكونة من عائلة واحدة، وقد أتى إليها بقية أقربائها بسبب فقرهم الشديد. لم تصلنا الكهرباء إلا منذ سنوات قليلة”. انفض الجمع حين رأوني آتيا مع الرجل. مشينا ببطء على طريق ترابي الملطخ ببعض الماء جراء هطول المطر مساء أمس. وما زالت كثافة السحب تنذر بهطول مطر كثير. يتم الاتصال بي، كما يحصل عادة، عندما يفشل كل المعلمين والشيوخ في دحر الجن والعفاريت. تلطخ حذائي بالوحل فوقفت عند عتبة الباب طويلا لتنظيفه. اقتادني الرجل إلى الغرفة التي احترقت مؤخرا. إنها غرفة فتيات كما يدل على ذلك محتوياتها. كانت هنالك بقعة سوداء كبيرة في الزاوية اليسرى خلف خزانة الملابس. الجدار به تشققات كثيرة وبدت الأسلاك الكهربائية ناشزة في بعض المواضع. “كلما اشتعلت النار سارعنا لإطفائها”. نبرة الرجل اليائسة تستدعي الشفقة. “من حسن الحظ أن شرارة النار صغيرة ولا تنتقل إلى مكان آخر”. اتجهت إلى موقع الاحتراق وتناولت مشرطا من حقيبتي الصغيرة وأخذت عينة من السخام من على الجدار ووضعته في عبوة بلاستيكية صغيرة. أضاف الرجل وعلامات خيبة الأمل تأكل وجهه “لقد نصحوني بالانتقال إلى منزل آخر، لكنني فقير ولا أستطيع ذلك. أعمل على تاكسي بعد أن انهي من عملي كسائق في وزارة النفط كي أعيل أطفالي التسعة بالاضافة إلى أخت لي غير متزوجة”. خمنت أن هذه هي غرفة أخته بسبب وجود سرير صغير واحد. رأيت مصحفا موضوعا على طاولة منخفضة بقرب موقع الحريق. “لقد أتيت بأكثر من شيخ ليقرأ على البيت.. لكن الله لم يشأ بعد أن يخلصنا من هذا الجني”. استويت واقفا ونظرت في سحنته المستجدية “وما أدراك أنه جني؟”. وقعت عيني على صورة لفتاة جميلة جدا من تلك التي تؤخذ لاستخراج وثيقة رسمية كانت ملقاة على الأرض. شعرت بالحرج لأنني استغرقت وقتا أطول من اللازم في النظر إلى الصورة التي تناولها الرجل ووضعها في جيبه بسرعة. “وما عساه يكون غير ذلك؟ كيف تفسر اشتعال النار بدون سبب ولا مسبب؟”. مازلت مأخوذا بسحر جمال الفتاة فلم أقل شيئا. خرجت من الغرفة كي أستعيد رباطة جأشي. وهنالك رأيتها. كائن خزفي من عالم آخر. كانت تحمل دلة قهوة ويبدو أنها متجهة إلى المطبخ. إنها تشبه تلك الأخرى. مخالب الذكرى تنغرس في حبلي الشوكي وتزحف إلى دماغي. إنني أشتم نيرانا هائجة تجتاح المكان. لم يكن جني أو عفريت أو مارد أو شيطان. كانت ملاك من تسبب بتلك الحرائق. ولكن لماذا يفعل مخلوق طاهر فعلا شريرا كهذا؟ هل هي صرخة استغاثة؟ هل هو انتقام؟
أستأذنت للعودة في الغد، فقد شعرت بانسلاخ وعيي عن عقلي.
في اليوم التالي لم يأت المطر. كانت شمساً نحاسيةً تتطفل على حواف أمزجتنا لتعكرها. ضريبة الحياة. لا شيء مجاني. حتى الألم. الصوت الصاخب للموسيقى في سيارتي لم يمنعي من التفكير. لقد تخثرت تلك الذكرى في لزوجة دماغي ولا سبيل لمحوها إلا بالنظر مباشرة في وجهها القبيح. لم أقصد أذية أحد. كنت صبيا أهوى المقالب. ولقد لعبت على الجانب الغيبي من وعي الناس البسطاء. خوفهم من المجهول. تبهرني يقينية الناس فيما يجهلوه ولا يعرفوا كنهه. المخيلة اللعنة. ياه كم تشبهها! أوقفت سيارتي بعيدا. لا أعلم لماذا. أبحث عن أية طريقة لتعذيب نفسي، علَ الآلام تطهّر روحي. هل أقوم بما أقوم به تكفيرا عن ذلك الذنب؟
طرقت الباب المعدني المزخرف بألوان غير متناسقة. ثم ظهر لي ملاك. قلبي في صدري بحث عن مكان للاختباء. “السلام عليكم” حلقي جاف بالرغم من قنينة الماء التي شربتها قبل قليل. لا تنظر إلي ولست في حاجة لأرى وجهها كي استشعر جمالها. يسري تيار بارد في شراييني. “وعليكم السلام” رفعت رأسها قليلا. اشتعلت الدماء في عروقي وأخذت أتفصد عرقا. “خميس لم يأت بعد من عمله” قالت وهي تغلق الباب شيئا فشيئا. انتظري قليلا. لقد جئت لأنقذك. أتيت لأخلصك لتخلصيني. يا ملاكي.
حدقت في الباب أخاطبه بصمت ثم بدأت رجلاي في المشي. لم انتبه بأنني أتيت مبكرا. درت حول نفسي أتفقد القرية الصغيرة. لقد كانت ذا عز في وقت مضى لكن سيف الزمن أمضى. هنالك أشجار نخيل تبدو في نهاية القرية التي يحدها جبل صغير ناحية الغرب. مشيت ناحيتها ومبادئي وقناعاتي تتداعى كقصر من ورق. ليس بإمكانك أن تتكئ على العقل وحده بينما يوجد شرخ يتسع في روحك. المشاعر والعواطف تتغلب على العقل دائما. يتحكم بنا المجهول أكثر من المعلوم، وعلينا أن نطيع الأصوات الخفية وإلا شقينا. ما عدت أستطيع القيام بهذا. التيار أقوى وعقلي متعب. عقلي هو عدوي. لم أقصد أن أؤذي أحدا برميي للحجارة. لم أقصد قتلها. لم استطع التكلم. تركت للناس يعتقدوا ما يشاوؤن. لا لم أقصد. هل عادت لتنتقم مني؟
أمشي بمحاذاة مزرعة ميتة أو تكاد. حشائش عشوائية مصفرة. أشجار نخيل ذابلة منحنية نحو أرض قاسية تبعث أبخرةٌ للموت. وساقية يجري بها نهر من حشرات لا يُرى. في نهاية المزرعة قرب الجبل رأيت بيتا طينيا. على الجدار المقابل للمزرعة كانت هنالك نافذة مغروسة في تاريخ معجون من تراب الأرض يشع منها الظلام. كدت أن أقع أرضا حين أطلت مجموعة من الغصون مجموعة في وجه كأنها شجرة عتيقة. “ما بك يا بني، لا تخف”. كانت امرأة عجوز أكبر من أي إنسان رأيته في حياتي. “أنت غريب يا بني. ماذا تفعل في هذا المكان؟” كانت متلفعة بخرقة ملونة ومزركشة “لا أدري.. لقد كنت أمشي وأتيت..”. “هيه يا ولدي.. لم يزرني أحد منذ وقت طويل. ولكنني، والحق يقال، لا أنتظر غير زائر واحد طال مجيئه”. كانت عينها اليمنى مطفأة والأخرى مفتوحة لكنها كانت عمياء فهي تنظر إلى السديم من ورائي. “روحك متعبة يا بني. هو الماضي ما يشقينا جميعا”. “سامحيني لم أقصد التطفل” لم أدرِ ماذا أقول. نظراتها العمياء تبعث في قلبي الاضطراب. “احك لي عما يشقيك. احك لي عن حلم البارحة”. كيف علمت أنني حلمت. لقد سقطت جميع حصوني ودفاعاتي، وبلا سلاح أواجه الكون بأسره. “يا أماه، لا أريد أن ازعجك بمشاكلي”. اقتربت من الأعمدة الخشبية للنافذة وظهرات بضع شعرات ثلجية من تحت غطائها. “اعلم يا بني أن الأرواح المظلومة لا تسكن حتى يتم إنصافها. هو ربما ليس بذنبك. هي فقط تريدك أن تصارح نفسك وتسامحها.. يجب أن تنظر في الهاوية قبل أن تتجاوزها”. شعرت بدوار يهز كياني. استندت على الجدار. “جاءتني تطير والنيران تلتهم جناحيها.. كانت تبتسم وتغني.. قالت لي.. لا تبحث عني لقد وجدتني.. خذني من هذا المكان ودعني أعيش في روحك.. لا تتعب نفسك أكثر.. لقد سامحتك..”. لم اكتف، أردت قول المزيد. أردت تطهير روحي. أخرجت العجوز يدها ولمست كتفي. “احك يا ولدي”. خرجت دموع بلا حول مني “لقد كنت صبيا صغيرا يلهو. كنت أصعد إلى جبل ملاصق للقرية.. على سفح كأنه شرفة كنت أرمي الناس بالحجارة من مكان لا يُرى. ظنوه من فِعل الجن وأعجبتني اللعبة. ذات يوم مرت هي، صبية أصغر مني وكنت أحبها. رميتها بحجر كبير. الطريق إلى بيتها فُرش بشريط من دم. ثم ماتت. لم أقل شيئا. لقد جبنت..” أخذت انتحب كما لم انتحب حين ماتت. تنهدت العجوز بصوت مسموع وقالت “والآن قد عادت تبحث عنك.. ماذا تنتظر يا بني.. أذهب وخلصها.. وخلص روحك..”
جفت دموعي وفي قلبي نية أن أشركها في حياتي. شعرت براحة وأنا أتصور ابتسامتها.. المزرعة عادت إليها الحياة وكأنني رأيت زهورا تغني.. توقفت.. نظرت إلى الأعلى.. رائحة نار. غيوم سوداء تتصاعد من الأرض.. يحترق بيتها.. أخذت أركض وأنا اصرخ “الملائكة لا تموت.. الملائكة لا تموت..”.

علي بن سيف الرواحي

إلى الأعلى