الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ

أرق

* النص الفائز بالمركز الثالث في مجال القصة القصيرة في مسابقة المنتدى الأدبي لعام 2015م

ثمة ضوءٌ خافت يتسلل من مكان ما مع رائحة عطنه يصاحبها أزيز ذبابة يعلو ويخفت كأنه يتعمد اغاضة من يستمع إليه ثم يعود ليعلو ويخفت كأنه لن ينتهي برزخيا .لكن مهلا , ثمة صوتُ أخر أقوى من حديث الذبابة الغاضب إياه .إنه صوت أنفاسه الثقيلة التي يبدو أنها دخلت مرحلة حوارية مع الأزيز المضطرب فباتت تفهمه أو تجهله, الأمر سيان .حاولت حاسة الشم لديه تبيان مصدر تلك الرائحة العطنه النفادة فبدى مزيجٌ من رائحة العرق والطين المبلل بالماء أكثر توافقا مع ادراك حواسه لمحاولة ما يحدث له. فتح عينيه دفعة واحدة عقب كوة صغيرة من الإبصار تسربت الى عينيه نتيجة غشاوة بصرية قرأ عنها في أحد الكتب أنها تأتي عقب الاستيقاظ من غيبوبة أو إثر فقدان الإحساس بالزمان والمكان , ما إسم ذلك الكتاب؟ اللاوعي الحسي ! لا يهم الأن فلقد اصبحت كوة الضوء المتواضعة عالما متكاملا من الضوء , الصوت والرائحة وبينما كانت الرائحة تأتي من جبينه المتفصد والجدران الطينية والصوت يأتي من أزيز الحشرة الصغيرة وأنفاسه المضطربة, كان الضوء يأتي من مصباح صغير معلق وسط سقف الغرفة يتأرجح يمنة ويسرة بخفة.
نهض بتثاقل وهو يحس بآلام تنهش جسده من كل حدبٍ وصوب . كانت هذه الألآم سابقا تتسم بالنُبل فتستأذنه بعدة عوارض أو تشنجات قبل أن تبدأ, أما الأن فيبدو أن النبل لم يعد شابا مراهقا يضج بالحيوية وتحول الى عجوزٍ سبعيني لا يسمن ولا يغني من جوع تماما مثله هو .سمحت له حاسة السمع الواهنة أن يستمع بتلذذ أليم الى ثلاث فرقعات متفاوتة القوة أتت من عظامه المنحنية التي بلغت من الكبر عتيا .ذكره صوت الفرقعة بخلاصة كتاب لأحد الائمة العُمانيين القدامى حين ذكر فيه أن الوقت ينحت في أجسادنا الكثير لكننا لا نحس بذلك الكثير إلا من خلال عظامنا وما عظامنا إلا خرائط لمسير أجسادنا نحو الفناء. المسافة الفاصلة بين الصحة والإعتلال قد تطول وتقصر لكنها تصبح أكثر عرضة لنهش الوجود عندما يشتعل الرأس شيبا ويوهن العظم.
استوى الأن شبه واقف بالأحرى بشكل ٍ معقوف اشبه بطرف صنارة صيد مهترئة أو خطاف اتخذته دودة “الرمة” مخزونا غذائيا لها وقت الاحتياج . لقد كانت هذه الليلة الخامسة والأربعين بعد المائة التي تنتابه فيها تلك الحالة من الأرق المُتعب حقا. ذلك الأرق الذي تزوره فيها حمى مستعرة تضيق جلده عن نفسه وعنها فتوسعه بأنواع السقام وتتغلغل لتبات في عظامه النخرة. ولم تكن الحمى هي التي تتعبه حقا وإنما ما كان يمزق نياط قلبه ويجلجل عقله بعاصفةٍ من الشتات هي ذكرياته الممزقة مع حفيدتيه صِبى وسلمى . أحيانا يلحون علينا في الزيارة أولئك من فقدناهم يوما , لا لشيء وإنما لتذكرينا دوما أنه كم هو موجعٌ أن تبقى في قلبك وعقلك ذاكرة محطمة لأحبائك الذين لا تود أن تفارق. عندما تجتمع الصورة مع الصوت في عقل رجل ٍ مسن تقومان بطحن تركيزه فيما حوله رويدا رويدا بتلذذ عجيب يصارع هو لاستيعابه تارة ولاحتوائه بما تبقى لديه من قوة تارة أخرى. رحلت الطفلتان عن الوجود في ليلة حالكة السواد مشؤومة الطالع مارست فيها الحمى المالطية مختلف صنوف التعذيب ظاهره وباطنه على جسدي الحفيدتين الغاليتين .تماما مثلما رحل أبويهما قبلهما من وراء نفس العلة. كم هو بمنتهى القسوة ذلك الشعور عندما ترى جسدين ناحلين كنت تلعب معهما, تحتضنهما , يرافقانك في غداتك ورواحك كالمَلكين من الظل , كم هو مؤلمٌ حقا أن تراهما يذويان ويذبلان أمامك دون حيلة منك ولا قوة. مقيتٌ موجعٌ أن تكون بموقف العاجز الضعيف في وقت يحتاجك إليه من تحب فتشعر بخليط من المشاعر تلتهب في داخلك لهب السموم. قفزت إلى ذاكرته الممزقة تلك المحادثة الأخيرة التي أجرتها صِبى وسلمى معه قبل سويعات فقط من انتقالهما الى جوار المعبود .
صِبى وهي تئن : حبابوة , هين خليتها النسخة مال فلج الشريعة ؟
هو يتقطع ألماً : مو باغتلها تو النسخة حبابوة ؟
صِبى : أحيدك واعدنا أنا وسلمى تنسخها وتوثقها علات تضيع. هينها حبابوة؟
هو: موجودة في الروزنة حبيبتي تو خلي عنش النسخة ما وقته
سلمى: حبابوة أنت دائما كنت تجلسنا معك لما ترتب النسخ والمكاتيب وكنت تقول لنا الوقت مايرحم الغالي ولا الرخيص ولازم نحافظ على الغالي علينا. سير رابي عليها نحنوه بعدنا عندك مارحنا حبابوة.
لكم بكى بكاء الثكلان المفجوع حتى اخضلت لحيته حينما سمع تلك العبارة من حفيدته سلمى.لم يستطع أن يرد عليهما واكتفى بالصمت والبكاء. استمر صمته وبكاءه حتى منتصف تلك الليلة منزويا في زاوية من الغرفة حتى أتى حفيدتيه اليقين. ما أتى عقب تلك الليلة لم يكن سوى سلسلة قدرية لاتنتهي من الأرق وهلاوس النفس والعقل مع اجترار الماضي المحمل بالنكبات.
أخذ يحدق فيما حوله , في تلك الغرفة الطينية القديمة التي أهداها له جده النساخ الأول والاقدم في الولاية قبل وفاته. مكانٌ تشوبه الكأبة بعد الفرح ويمارس فيه الضوء طقوس الخذلان ولغة البياض والسواد. كان جده فطنا ليدرك أن حفيده يملك من حب العلم وشغف البحث والتقصي ما يحتاج الى صومعة ٍ صغيرة يجمع فيها عالمه الخاص من الكتب والمخطوطات فبنى له بيديه العاريتين تلك الغرفة وجعلها في مكانً مرتفع يطل على القلعة من بعيد. لم تكن الفرحة تكفي للتعبير عن ما اختلج في قلبه عندما علم باكتمال بناء وتجهيز الغرفة الصومعة فاندفع ليخبر اقرانه من ابناء الحي عن الهدية العظيمة التي أهداها جده والتي ابقى خبرها سرا حتى حين اكتمال بنائها وتجهيزها. لم تكن موجة الفرح العفوية المشوبة بالصراخ والكلمات غير المفهومة بذي مبعث على الاستغراب على طفل ٍ كان في طور الانتقال من سن الطفولة الى سن المراهقة أنذاك. لايوجد في هذه الغرفة سوى ثمانٍ وخمسين سنة من السنين العجاف التي حاول جاهدا فيها أن يبقي عطشه لحفظ تراث الوطن بلا نهاية.لم تكن مهنة النساخ بتلك اليسيرة على كل لبيب ولا المألوفة على كل مُطلع.هذه المهنة اشبه بلعبة المشي على الحبل, يتوجب عليك الاتزان في كل مرحلة من مراحل مشيك لكي لا تقع لتكسر مالك وما عليك ومن حولك ربما. كلمةٌ واحدة ليست في محلها قد تحمل اسما أو تفصيلا لحدثٍ ما يمكن أن تغير مصير قرية بأكملها .هذه مهنة تحتاج الى ذاكرةٍ متقدة متشعبة التوغل. لكم عشق منذ صغره رؤية محبرة وارواق جده في غرفته الصغيرة بالعلية. كان الكثير من أهالي الولاية يتوافدون عليه من كل حدب ينسلون طلبا لمهارة يديه ومخزون المعرفة في ذاكرته, فهذا يود أن يوثق صكا شرعيا بينه وبين أحدهم وذاك ينشد توثيق اسماء المستحقين لحصص الماء من الفلج والأخر أتى قاصدا للنبش في نسخ قديمة احتفظ بها الجد تثبت حقه في قطعة ارض ما. كانت مصائر الوطن تجتمع في غرفة عتيقة شبه مظلمة ملأها جده برائحة الورق والحبر والأهم بعبق التأريخ واصالة المثابرة. فعلها الجد الفطن يوما وقرر أن يرث حفيده منه مهنة مقدسة معقدة بعدما رأى منه ذلك الشغف ينبجس من حواسه انبجاس السيل العرم فحرص على تعليمه مايجب أن يتعلمه ثم تفاجأ بالحفيد يتفوق عليه حنكة ومهارة ويجاريه الشغف ذاته. وهاهو حفيد الأمس نساخ اليوم بعقل ذهبت خلاياه عطاء للأرض بينما اخذ من خط الوقت ذاكرة عائلية محطمة وقلبا مغلفا بالفقد والتوجع.
مشى بذات الوهن والضعف الى سطل ماء صغير. انحنى لينضح منه بعض الماء على وجهه. حتى قطرات الماء كانت تنساب ببطء من على وجهه وتتسابق سباق الدموع على لحيته البيضاء المتقطعة . ما الملح الا علامة الدموع وما الدموع الى صبائب الماء مع عناق الملح.بدا له عالم الماء بتموجاته على السطل القديم كبوابة رأها كثيرا عبورا لذكرياته مع صِبى وسلمى من خلال أرقه المحموم. كانتا ترافقانه حيثما ذهب ولم يكن ليفرط في العيش ساعة واحدة بدون رفقتهما. منذ الصباح الباكر عقب صلاة الفجر والثلاثة معا حول صفرة الطعام ومع اطعام الحمام في القفص بالعلية وفي المزرعة الصغيرة خلف فناء المنزل وفي خضم النسخ والكتابة والقراءة مرورا بتناول طعام الغداء والمشي في القرى القريبة انتهاءا بتناول طعام العشاء والاستلقاء في سطح المنزل لمراقبة النجوم. تلك اللحظات من الاستلقاء الوادع تجعل فكرة فراقهما اصعب من معادلات الوجود والفراق نفسها لأنها ارتبطت بألاف الأحاديث حول الحياة والوطن ورسم النجوم وهميا بأصابع اليد. هناك, وعلى سطح ٍ قديم لايريح الظهر بقدر ما يؤذيه , رسم الجد وحفيدتيه أحلامهم معا وشقوا فلجا صغيرا الى السماء بذات الروح وروح الذات. وحول الفلج اليوم تُثمر نخيل من دموع و يُجنى حصادٌ من فقد و ينمو نسيم من وجد.

طق, طق طق, ثلاث طرقات متتالية مفاجئة على باب الغرفة القديمة. يلتفت باتجاه الباب
أحدهم : شايب حميد الجماعة يقولوا لك عوين يحرصوك باكر تعاين نسخة ولاد المرحوم سيف كيف أتجي وا هاعه ؟
هو وبصوت بدا عليه الضعف أكثر من الاضطراب : قولهم باكر بعد صلاة الظهر عند الجامع مكان اللمبجة القديمة واذا ما جيت ربكم خذ عطيته.
لا يلبث إلا ويسمع خطوات تبتعد عن الباب قليلا ثم تتوقف وكأن صاحبها توقف فجأة ليحاول استيعاب ما قاله الجد بالداخل. ما لبث أن ابتعدت الخطوات أكثر , هل كانت خطوات ثقة بما سمع الطارق أم هربا بما لم يفهمه . لم يكن هو يعرف بنفسه لماذا قال تلك العبارة.
التفت نحو زاوية من البيت لتقع عيناه على كومة من الكتب القديمة والمخطوطات المصفوفة بعناية بالقرب من بعضها البعض. في أعلى تلك الكتب والمخطوطات كانت هنالك صورة قديمة لحفيدتيه وهما تدخلان من أحد ابواب القلعة تمسكان بيدي بعضهما تبدوان في غاية الفرح والنشوة. صَبى تمسك بيد سلمى بينما تقفز الأخيرة الى أعلى وكأنها تسعى الى المجهول سعي الغافل المنتشي ببراءة جهله. خفض رأسه الى الأرض قليلا لتسيل دمعة حارة على خده سارع الى مسحها براحة يده المتغضنة.
تحرك يمشي الهوينا باتجاه سلم طيني صغير يقود الى سطح الغرفة. كانت النجوم تلوح في السماء من الفتحة الصغيرة أعلى السقف باتجاه السطح .هذه الليلة يبدو أرقه مختلفا تماما مثل لون النجوم التي أخبروه يوما أنها بلا لون .بدأ صعود السلم وشفتيه ترددان في همس ” الوقت مايرحم الغالي ولا الرخيص ولازم نحافظ على الغالي علينا. سير رابي عليها نحنوه بعدنا عندك ما رحنا حبابوة…. بعدنا ما رحنا حبابوة ..” وبينما كان يصعد السلم خطوة وراء خطوة بتمهل, كان ضوء المصباح يخفت رويدا رويدا كأنما يخشى إنتهاك ما سيحدث في تلك الليلة بينما عادت رائحة المكان ورائحة الذبابة الى الفراغ. ….بصمت ٍ أو دونه. في صباح اليوم التالي , سرى خبر ما عن اختفاء الجد حميد . أحدهم قال أنه صعد الى النجوم حتما.

هيثم المسلمي

إلى الأعلى