السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الصلات الثقافية العربية القديمة مصدر استلهام للإنتاج المسرحي العماني

الصلات الثقافية العربية القديمة مصدر استلهام للإنتاج المسرحي العماني

إن الإنتاج الثقافي الذي حفظته الآثار ووافتنا به كتب التراث حول الثقافة العربية القديمة في شبه الجزيرة العربية والمناطق التي سكنها العربُ قديماً قبل انتشار الإسلام ظلت بفعل اثارها محافظة على جوهرها وعلى كليات نتاجها في أرقى مكانة بين الثقافات، وظلت بمكوناتها الروحية والأخلاقية والفكرية أساس القدم الحضاري والتنوع الفكري والثقافي وأدت رسالتها الانسانية العالمية على مر العصور، فهي في عهود التأسيس والتحرير والفتوحات قوة دفع، ورسالة تبشير، وهي في عهود العمران والازدهار الحضاري قوة فكر وإبداع وإثراء لا مثيل له في التمايزات القومية بلغاتها وخصوصياتها، وفي الفنون والآداب، وفي الانفتاح على مختلف الثقافات والحضارات، حيث أبدى المستشرقون اهتماماً كبيراً بدراسة وترجمةِ ونشرِ عددٍ كبيرٍ من النقوش المكتشفة، وكذلك صياغةِ التاريخ بشكل علميّ، معتمدين في ذلك على المصادر الأولية القديمة التي أشارت إلى حياة العرب في تلك الأزمنة..1 والجوار العماني لمنبت هذه الثقافة جعلها تتأثر في الكثير من النواحي ومنها مصادر للكتابة للمسرح العماني، إذ تأثر كتاب المسرح العماني بالماضي عند تناولهم موضوعات التراث. وقد تنوعت النماذج التي أشار أصحابها مباشرة إلى علاقتهم وتأثرهم بالماضي، حيث يفرض التراث نفسه كقيمة متوارثة على مر الأجيال على خيال الفنان الذي هو ابن البيئة يتأثر ويؤثر فيها، فالاستعانة بالتراث يجد فيه المبدع ضالته، لاستخراج أفكار جديدة قابلة للتطور ومواكبة العصر المتسارع بهمومه وقضاياه، وظهرت عالمية الخطاب الثّقافيّ العمانيّ وإنسانيّته في نصوص عدد من الكتاب وساهم هذا التأثر والتأثير والإسقاط على الواقع في تقديم العديد من النماذج المسرحية، فنجد على سبيل المثال:
1-مسرحية (حمران العيون): قدمتها فرقة صلالة الأهلية للفنون المسرحية ضمن فعاليات مهرجان المسرحي الخليجي للفرق الأهلية الثامن لدول مجلس التعاون بأبوظبي عام 2003م. وهي من تأليف وإخراج عماد بن محسن الشنفري. وعنوان المسرحية (حمران العيون) عبارة عن مثل شعبي قديم مأخوذ من الثقافة العربية القديمة يتفاخر به الرجال ويتباهى به العرب، ويضرب لمن في عينيه احمرار يدل على الشجاعة والقوة والغضب، وأحداث المسرحية ممزوجة بعبق الماضي وصراعات الحاضر وهي قصة استمدت مصادرها من التراث ومزجت بجمل شعرية وإيقاعات تراثية ورؤية فنية.2
2-مسرحية (البراقع)3: قدمتها فرقة مجان للفنون المسرحية في المهرجان المسرحي الخامس لمجلس التعاون الخليجي الذي أقيم في دولة الكويت في 2/4/1997م. وهي من تأليف وإخراج عبد الكريم جواد. تدور أحداث المسرحية من خلال مجموعه لوحات تناقش قضية إنسانية منذ بدء الخليقة على الأرض عندما خرج آدم وحواء من الجنة وهبطا إلى الأرض ليعمراها. فالقضية في أساسها وفكرتها الأولى هي قضية رجل وامرأة، باسمهما تم ارتكاب الكثير من الجرائم، وتم بهما معالجة كثير من الانحرافات، ووجهت إليهما كثير من الانتقادات، والكثير من الإيجابيات، وبهما تستقيم الحياة الإنسانية على الأرض أو تفشل، وبهما تسعد الإنسانية وتحلو الحياة أو تفشل، إلى آخر تلك المتناقضات. تبدأ المسرحية باللوحة الأولى التي تحمل عنوان الميلاد. وفيها يتم طرح لفكرة كيفية استقبال المولود حسب جنسه، وقد تم في هذه اللوحة توظيف أغنية تحمل معاني البشارة بمقدم الطفل، وكثير من الصفات والمحاسن التي توجد عند كل من الولد والبنت. أما اللوحة الثانية، فتعرض ما يحدث بعد الميلاد حيث ينام الطفل في سريره، كمرحلة ثانية من الحياة، والسرير هنا هو المنز. ثم تأتي اللوحة الثالثة (الحول حول) ومعناه هنا هو أول عيد ميلاد لطفل يأتي من بعده أحوال طوال عمره. أما اللوحة الرابعة في حياة الإنسان ـ والمرأة بالذات ـ فهي لوحة عيون البراقع الأربعة التي فرضها الرجل بطل النص على زوجاته الأربع كنوع من إظهار سلطته وسيادته، وهذه المرحلة هي مرحلة الزواج. ثم تأتي اللوحة الخامسة وهي الفلج ـ مجرى المياه – كما يسمى في عمان. ومجرى المياه هنا يريد أن يعبر فيه المؤلف عن مجرى الحياة بين الزوج والزوجة، حيث يشبه هذا المجرى بالماء الصافي النقي في الأفلاج العمانية. بعد ذلك تأتي اللوحة السادسة وهي الحجلة التي ترمز إلى ليلة العرس والزفة- الدخلة ـ وما يصاحبها من أغانٍ وأهازيج. وتعبر أغنية العرس عن مباركة زواج العريس، وتبارك أيضا لأهله جميعاً. وتصفه بأنه يرتدي المصر والسبيعية.9 ويشتد الصراع في اللوحة السابعة لنشاهد لوحة الاحتراق. والاحتراق هنا هو احتراق المرأة في حياتها مع زوجها، واحتراق نفسيتها بسب استمرار حياتها مع هذا الزوج. ويصل هذا الاحتراق ذروته عندما تشتد الخلافات الزوجية وتصل إلى ذروتها، حين يتزوج الزوج بثانية وثالثة ورابعة وتلك هي اللوحة الثامنة، حيث يصيب الزوج الفقر والفاقة وعدم مقدرته على تحمل مصاريف الأبناء وتربيتهم تربية سليمة، وبالتالي ينفلت حبل التوافق بين الزوج والزوجة، وتصبح الزوجة تتمنى أن يصبح زوجها مقعداً أو يموت. ثم تأتي اللوحة قبل الأخيرة وهي لوحة طحن الحبوب بواسطة الرحى حيث تدور بهم الطاحونة وتطحنهم جميعا). إذا فقد بدأ المؤلف بالميلاد وانتهى في اللوحة التاسعة بالوفاة أو الإقعاد، وكأنها رحلة لها بداية ونهاية. أما اللوحة العاشرة والأخيرة فقد تكون لأحد الأبناء أو الأحفاد، بل للزوج نفسه أصبح عجوزاً هرما تغضبه وتفرحه أقل الكلمات تأكيداً للمثل العربي العامي (ما كبرنا لمصغرنا) وكأن الرجل الكبير يتحول في انفعالاته وأحاسيسه إلى طفل صغير يحتاج معاملة خاصة.4
3-مسرحية (بو سلامة): قدمتها فرقة صلالة الأهلية المسرحية بمسرح الشباب بمسقط وذلك في المهرجان المسرحي العماني الأول عام 2004م. وهي من تأليف وإخراج عماد الشنفري وتمثيل عبدالله مرعي ونهاد الحديدي وهلال العريمي وغيرهم. المسرحية استنبطت فكرتها من الكلمات والألحان الشعبية العمانية لأغنية تراثية قديمة تقول كلماتها: بو سلامه تمدن، يشرب شاهي ملبن، إن بغيته في كوبات، ولا داخل فناجين، حالي يا موز حالي، يا صبوح السلاطين … تدور أحداث المسرحية حول شخصية بو سلامة ذلك الرجل المسكين الذي يظن أن قمة تطوره أن يشرب الشاهي بلبن. حياته مرهونة برفوف المكتبة لا يخرج منها فهو حارس وأمين وعامل بل أصبحت ملجأ له ولعائلته ولا أحد يدخل المكتبة منذ سنين وبو سلامه أسير فكرة وعقله يخاطب في وحدته شخوص مختلفة ممن قرأ عنهم في كتب المكتبة بل أصبح يأخذ منهم في لحظات القوة وفي لحظة أخرى المكر وفي لحظة أخرى الأدب والشعر .. يفتخر بتاريخ أجداده ممن حاربوا الأعداء رغم قله عددهم .. يأخذ من التاريخ عزته وقوته ..أحب بو سلامه الأطفال وحلمه أن ينجب عشرة أطفال ليصبحوا رجال وعلماء ومفكرين وقادة ولكنه يصطدم بقوانين مديره والذي يمثل السلطة الأولى عليه. فيجب أن يتخلى عن أفكاره وعن حلمه، وأن يعيش واقعا هو يرفضه.5 وحصلت المسرحية على جائزة ثاني أفضل عرض وجائزة التمثيل لعبدالله مرعي مناصفة.
4-مسرحية (سمهري) قدمتها فرقة صلالة الأهلية المسرحية في مهرجان المسرح العماني الخامس بالبريمي 2014م وتم إعادة عرض المسرحية في مهرجان القرين الثقافي في يناير 2015م. مسرحية (سمهري) هي النص الفائز بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في دورتها الثالثة والمخصصة للعمانيين للكاتب المتميز عماد بن محسن الشنفري والتي صدرت في كتاب عن بيت الغشام للنشر والترجمة. يُعد الكاتب عماد الشنفري مجددا فكريا وباحثا مسرحيا وتاريخيا، إذ ينقب في المختلف ليكشف عن جوهره، ويصطاد من اللؤلؤ الثقافي المكنون ليقدم من جغرافيتة أعمال مسرحية مشرقة على خشبات المسرح العماني، فنجد لعماد منذ قيام مهرجان المسرح العماني في العام 2004 بطاقة محجوز لنصوصه وعروضه التي تقدمها فرقة صلالة المسرحية الأهلية على الرغم من التنافس الكبير في نصوص وعروض هذا المهرجان الذي استبعد منه عدد كبير من النصوص والعروض التي لم ترتق لقيمة الثقافة والفن، وهذا إن دل على شيء يدل على تمكن عماد الشنفري وشغفه الكبير في تقديم أفكار تليق بالمتفرج العماني ومنها ينطلق للخليجي الذي شارك بأكثر من دورة مسرحية في مهرجان الفرق المسرحية الأهلية الخليجية وحاز نصه وعرضه “حمران العيون” كأفضل عرض مسرحي، وتم تقديمه في افتتاح مهرجان الشارقة المسرحي.
(سمهري) نص يستلهم التراث وملحمة القيم العربية الأصيلة، وتستثمر المسرحية الأساطير المتداولة في الثقافة العربية وفي الثقافات العالمية، فقصة العشيقين المستحيلة حيث تكون الجميلة أميرة والشاب من أوساط فقيرة متداولة في الثقافة الإنسانية، كما هو موجود أصلا في قصة قيس وليلى العربية إلى قصة روميو وجولييت الأوروبية، تكاد قصة الحب المستحيل تلخص مسارات الحياة البشرية في ظل القيود الاجتماعية المتحكمة في رغبات الناس ومشاعرهم وخصوصا الشباب بالزواج ممن يميل إليه قلبهم. ينسج الكاتب عماد الشنفري موضوع مسرحيته باسم الحب والسلام، إذ يقول عن النص “إنه حاول أن يظهر تاريخ عمان المخفي قبل الميلاد، هذا العمل يسلط الضوء على اتصال حضارة عمان الضاربة جذورها في أعماق التاريخ بالحضارات الفرعونية والبابلية الأخرى. وهو موضوع لم يتطرق إليها الكثير من الكتاب العمانيين، ويتحدث النص المسرحي عن حضارة سمهرم، وكيف وصلت الحضارة العمانية إلى مختلف أرجاء المعمورة من الفراعنة والسومريين والبابليين وكيف انتهت هذه الحضارة؟ ومسرحية (سمهري) ملحمة تاريخية تروي الصراع بين الدين والسياسة والحب والملك، وتقوم المسرحية على إسقاطات تاريخية، لتسلط الضوء على الصراع الديني وكيف أنه يهيج الفتن والطائفية، وكيف لشعب مسالم أن يتحول إلى ثائر إذا مست عقيدته، وكيف للفتنة أن تقضي على العشق والحب والسلام. ويطرح العمل الكثير من الأسئلة حول سبب سقوط الحضارات ويبدو أن الصورة التي تشكلت أن الفتنة كانت سببا رئيسيا لسقوط حضارة سمهرم. وأن هذا الأمر يحيلنا إلى ما يحدث اليوم في عموم العالم الإسلامي عندما تنتشر الحروب والصراعات والفتنة والتي تقود العالم العربي إلى حالة من الانهيار والتخلف”.
فنص (سمهري) يتشكل من اجهاد قاده المؤلف وبحث دفين في المكون التاريخي لمنطقة ضاربة بشواهدها وآثارها لعمق الوجود العربي والعماني الحضاري، لذا نجد الشنفري يتحرك في فضاءين المضمون في النص التاريخي والتراثي، والفكر الحديث، الذي يدور في حلقات مفرغة حول الاختلاف في وجهات النظر نحو قضايا التاريخ والشخصيات التاريخية في المحيط العربي الذي تحول إلى كابوس من الدمار والاقتتال، والنتيجة التي يترصع بها هذا العمل المسرحي أن النتيجة التاريخية والواقعية الآنية ما هي الا تشابه وسيرة تُعيد نفسها في الانهيارات.
مسرحية (سمهري) ما هي الا قصة عشق بين محبين في بلاد كانت زاهرة وغنية قبل الآف السنين، ولكن الدافع المأساوي للشخصيات التي تكون في قمة الحظ يعجل بنهاية مفجعة بالسم والانتحار، وهو ملمح مسرحي إغريقي بامتياز، إذ تعاقب الشخصية نفسها كأوديب الذي فقأ عينيه وأمه جوكستا التي انتحرت بطعن نفسها، والنماذج على ذلك كثيرة. إن الصراع بين القوى والضعيف مكون رئيس في النص، فنجد الملك لم يترك وريث لعرشه غير ابنته الشابة (نانا) التي تقع في حب الشاب البسيط (سمهري) وهو ملمح قدمه العديد من الكتاب كتوفيق الحكيم في مسرحية (شمس النهار) ابنة الامير التي ترفض المتقدمين لخطبتها وتوافق على شاب بسيط، فهذا التوافق والتمازج بين اختيار الموضوع والشخصيات مع نصوص مسرحية استلهمت التراث هو دافع للمزيد من الكتابات المسرحية العربية وهي حقيقة أكدها المؤلف في اختياره لعنوان المسرحية التي تحمل اسم البطل (سمهري) فهكذا هي المسرحيات التي تستند على قوة إقناع ثقافي، والمأخوذة من الاساطير والملامح والتاريخ العظيم.
النص (سمهري) يمتلك اجواء ساحرة ورومانسية ويحمل مضامين بعض الاجواء الشكسبيرية، ويمتلك دراميته وحواراته المكثفة ويمتلك رؤية العلاقة بين الحاكم والمحكوم وكيف تتبدل فى لحظات المصلحة بين الطرفين، والنهاية تتفق والخيال الذي نتمتع به باتجاه البحث عن احكام اللحظة الاخيرة. فها هو سمهري يختم حواره النهائي ” نانا لا تموتي.. لم يخلقنا الاله لقتل انفسنا.. بل خلقنا لنحب ونعمر أرضه”.6

وختاما، إن الصلات الثقافية العربية القديمة في المسرح العماني تُعد استثمارا للتاريخ وقصصه وأساطيره، وتوظيفها في النصوص المسرحية العمانية يتجه نحو منح أقوى الدلالات للحياة المعاصرة، قلما تعيشه المجتمعات الحديثة من صراعات واهية تضحي بحرية الإنسان وحقه في العيش المشترك، حيث يقوم المسرح العماني بتقديم نماذج مسرحية ـ ذكرناها سابقا- تقرر مواجهة المجتمع في راهن القضايا الإنسانية، وتلامس واقعا يمتد من أماكن في العالم العربي إلى كل الأماكن التي تتخبط في الحروب والفتن، ويراهن على الحرب والاختلاف بدل السلم والطمأنينة. اعتدنا في المسرح العربي على استثمار قصص ألف ليلة وليلة، وقصة المجنون وليلى وغيرها من الحكايات التراثية، فإن نصوص المسرح العماني تنقب في التراث والتاريخ، وتستدعي قصصا قديمة من حضارات جنوب شبه الجزيرة العربية قبل دخول الإسلام، لتكشف عن خزان من القصص والمواد التي لم يلتفت إليها كثيرا كتاب المسرح العربي، وتثير جوانب من الحضارة العمانية القديمة لتعيدها إلى الزمن الحاضر بكل قوة وإبداعية.

1 – الأصبحي. د.أحمد محمد ، تأثير الثقافة العربية وإنجازاتها على الثقافات الأخرى، صحيفة 26 سبتمبر، http://www.26sep.net/newsweekarticle.php?lng=arabic&sid=17159
2 – الحبسي، محمد. السيابي، سعيد. معجم المسرح العماني: نصوص وعروض، جريدة الوطن، 2006م، ص 38
3 – جمع برقع وهو غطاء للوجه ترتديه المرأة في بعض مناطق السلطنة .
4 – توظيف الأدب الشعبي في النص المسرحي الخليجي، ص 188-190.
5 – انظر: مجلة الحدث الصادرة بمناسبة مهرجان المسرح العماني الاول , العدد السابع, 28/9/ 204, ص4.
6 – سمهري، عماد محسن الشنفري، دار الغشام للنشر والترجمة، 2013.

د. سعيد بن محمد السيابي

إلى الأعلى