الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / الهجرات العمانية إلى الهند … التاريخ المدون على الصخور

الهجرات العمانية إلى الهند … التاريخ المدون على الصخور

لم تكن سنة 1271 هجرية، الموافق 1854 ميلادية سنة عادية مرت بها العوابي حديثة التأسيس في ذلك الوقت، حيث المحل ضرب المنطقة فلم يجن المزارع من مزرعته مقدار صاع من بر أو تمر. حيث إن الزراعة المورد الوحيد الذي يمكن ان تستمر به حياة القرية الزراعية و لا زراعة بدون ماء ولا ماء بدون مطر في مثل تلك المنطقة الجبلية، لم نكن نعرف عن تلك الأحداث لولا الكتابات التي خطها شخص عاش تلك الأحداث ونقشها على صخور وادي بني خروص، اعتقد سعيد بن شنون ان تلك الأحداث تستحق أن تكتب وتنقل الأحداث إلى الأجيال القادمة وهكذا وصلت إلينا تلك الأحداث. كتب سعيد بن شنون ( اعلم بتاريخ هذا الكتاب وقع علينا في سنة 1271 محل ولم يأخذ أحد صاع من حب أو تمر والذين رحلوا من سوني خمسين رجلا حتى تاريخ هذا الكتاب) نعم سعيد بن شنون الشخص الذي نقل الينا تلك الأحداث والذي يعتبر مجهولا لنا نقل الخطوط العريضة لتلك الجائحة الطبيعية، و يشير هنا الى بداية الهجرات من وادي بني خروص عندما دب الخوف في قلوب الناس بسبب المحل فبدء الناس في الهجرة حيث يشير الكاتب الى أن عدد الذين رحلوا من سوني ( قرية العوابي ) خمسون رجلا حتى تاريخ الكاتبة.
يبدو أن الأحداث بدأت بالتسارع وبدأ الناس في فقد الأمل في نزول الغيث بعد فترة طويلة من الجفاف القاسي . بتاريخ 8 ديسمبر1854 ميلادية، يشاهد سعيد بن شنون مشهدا لم يألفه و لم يألفه أحد غيره حيث القوافل تخرج من وادي بني خروص الى قرى أخرى بل والى الهند والى أفريقيا حيث ينقش سعيد بن شنون على الصخور (فنهم الى الهند و السواحل وإلى قرى عمان الذين سارت بهم القوافل والركاب ولم ير هكذا الى يومنا هذا بتاريخ 17 ربيع الأول 1271 كتبه العبد سعيد بن شنون )
نعم هاجر الناس الى قرى أخرى أقل محلا في عمان ولكن قوافل اخرى هاجرت إلى شرق أفريقيا التي كانت مزدهرة وبالأخص زنجبار وممباسا وجزر القمر. بينما هاجر أناس آخرون إلى الهند وهذا سيكون محور بحثنا وحديثنا حيث ان الهجرات العمانية إلى الهند لم تحظ بالبحث و التمحيص بعكس الهجرات التي توجهت نحو أفريقيا وأحد تلك الأسباب أن العمانيين والعرب في أفريقيا أسسوا دولة وكانوا هم الحكام فيها، بينما الهند لم يصل العرب الى حكمها سوى بعض العوائل العربية التي أسست إمارات في مناطق مختلفة فيها.
لم يكن ليعرف الناس الذين هاجروا منازلهم الى عوالم جديدة ان فترة المحل قد آذنت بالانتهاء، قد سالت الأودية في وادي بني خروص بغزارة بعد أشهر قليلة من خروجهم حيث يكتب سعيد بن شنون ( سالت الأودية ليلة 14 شعبان 1271 ) والموافق (2 مايو 1855 ميلادية).
يدور الزمن وبعد 160 عاما وفي منزلي في ولاية العوابي حيث اجتمع بعض الأهل والأصدقاء لنتناول الغداء اذا بأحد الأصدقاء يتحدث عن عدد من أفراد عائلته يعيشون في الهند. هنالك سادت في ذهني لحظة من الصمت اجمع فيها الذكريات وما كتب على الصخور وما قالته الروايات. فستطردنا في الحديث وأنا أشبه بالذي يجمع قصاصات صورة لعلها تكتمل ملامحها حول احداث وهجرة كبيرة شهدتها المنطقة ولعل أفراد عائلتنا عاشوا تلك المرحلة، ويستطرد الرجل وانا احاول تذكر ما قاله لي والدي من قصص وروايات رواها له والده أو والدته أو سمعها من الناس الذين عايشهم والذين قد يكونون سمعوها بدورهم من أناس آخرين، الرجل ذكر لي اسم المدينة التي يسكن فيها عدد من أفراد عائلته وهي مدينة جمانجار في إقليم كوجرات تلك المدينة التي تقع على الخليج الأهم في جمهورية الهند والتي تقابل ميناء ماندورا في الجهة المقابلة للخليج احد أهم الموانئ الهندية. وذكر لي الرجل أن كثيرا من العوائل العمانية ذابت في المجتمع الهندي في جمنجار بسبب التزاوج مع الهنود، وذكر لي بأن أخا لجده تزوج في مدينة جامنجار من امرأة ذات أصول عمانية من مدينة الرستاق وعليه فإننا نستنتج شيئين مهمين أولهما أن الهجرة لم تكن من ولاية العوابي ووادي بن خروص فقط بل كانت الهجرة أشمل لتشمل مناطق أخرى، ثانيا أن العمانيين يسكنون في مكان واحد، العديد من الأسلة أحاول أن أحلها و ما ان اكتشف شيئا حتى تظهر أسئلة أخرى، حاولت الولوج الى الشبكة العنكبوتية والبحث والتحري عن العوائل العربية في مدينة جامنجار الا انني وجدت بعض العادات الدينية التي نسبت للعرب، فطرحت سؤالا في تعليق لي على موقع اليوتيوب ولم أتوقع أن يأتيني رد يجيب على بعض اسئلتي أو يزيد من تساؤلاتي.
الا انه في أحد الصباحات وعندما كنت أتصفح هاتفي النقال اذا ببريد الكترونيي يصلني من رجل لكن ليس من جامنجار وانما من جمهورية كينيا من شخص يدعى ألطاف السعدي حيث كتب لي باللغة الإنجليزية (حارث السلام عليكم، لقد رأيت تعليقك عبر اليوتيوب وانت تبحث عن اناس من قرية في عمان استوطنوا مدينة جامنجار، أنا مثلك أبحث عن أسلافي لسنوات، اسمي ألطاف السعدي على الأرجح أجدادي قدموا من عمان أو اليمن و استوطنوا مدينة جامنجار قبل أكثر من مئة سنة، جدي الأخير استوطن كينيا عام 1957 ميلادية وخرج من مدينة جمنجار، لقد زرت مدينة جامنجار عام 2009 ميلادية والتقيت بعدد من أقاربنا من كبار السن ولكن أكثرهم رحل عن الحياة الدنيا، هنالك في مدينة جامنجار توجد منطقة تسمى عرب فاليا حيث أكثر العرب يسكنون هنالك حتى تاريخه، الثقافة العربية نوعا ما تغيرت (يقصد في منطقة العرب). لقد قابلت العوائل التالية في مدينة جامنجار وهي (السعدي، المسقطي , باجعفر , باوزير و الكثير غيرهم) ، لكن لا أحد يتكلم العربية أبدا ، هنالك مظلة تشمل التجمع العربي تعرف بالجمعية العربية حيث أكثر من 300 عائلة عربية منضوية في ذلك التجمع .)
كانت رسالة ألطاف السعدي مهمة لي حيث عرفت اسم المنطقة العربية التي يسكنها العرب و كذلك كانت رسالته تأكيد بأن كثيرا من العرب قد ذابوا في المجتمع الهندي . ولعل الهجرة العربية الى الهند تحتاج إلى مزيد من الدراسة الميدانية واللقاء بتلك العوائل التي قد يكون لها بعض خيوط الذاكرة التي ترجعها إلى أصلها وخاصة ان تلك العوائل قد أسست جمعية عربية لهم.
لا تزال القصة مستمرة والبحث عن قصاصات الصورة لتبدوا الصورة أكثر وضوحا ويبقى النقش الحجري الذي نقشه الاستاذ سعيد بن شنون قبل 160 عاما دليلا على تلك الهجرة الكبيرة. عرفنا الكثير عن ما كتبه سعيد بن شنون لكن تبقى شخصيته مجهولة لنا في الوقت الحاضر حتى نجمع قصاصات من الصورة التي تحكي عنه، أخر ما كتبه الأستاذ سعيد بن شنون هو وفاة زوجته حسينة بنت علي بن مبارك العوفية بتاريخ 17/نوفمبر/1862 هجريا. تلك الكتابة من التي حملت الكثير من مشاعر الحزن من خلال خط الكتابة واقتضابها. ذلك التاريخ لم يكن الأستاذ سعيد بن شنون لينساه ما حي ولم يكتبه لتذكره بل اراده أن يصل الينا، اخبرنا الأستاذ سعيد بن شنون عن الكثير من الأحداث لكن لم يخبرنا أحد عن سعيد بن شنون ولم يذكر أحد ولم ينقش على الصخور تاريخ وفاته، لكل عاشق للتاريخ والتراث والآثار يعتبر سعيد بن شنون جندي مجهول في سطور التاريخ، أملين ان يسعفنا الزمن و بعض المعلومات المهمة عن تلك الشخصية التي نقف امام كتاباتها اليوم وكأن تلك السطور خيوطا توصلنا الى ما كنا نجهله.
واني أتمنى أن تسعفني الظروف فأشد الرحال الى مدينة جمنجار في جمهورية الهند للتعرف عن كثب على بقايا من قصة الهجرات العربية التي أرخها المدون على الصخور سعيد بن شنون .

حارث بن سيف الخروصي

إلى الأعلى