الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / “وحدك تؤول هذا العشق” لـ هاجر بوغانمي

“وحدك تؤول هذا العشق” لـ هاجر بوغانمي

حب في زمن الحاسوب

قبل أن يدفع الشاعر الشاب نزار قباني ديوانه الأول ” قالت لي السمراء “، عام 1944، خاف عليه من ظلم القراء، فكتب له مقدمة تحذيرية قال فيها: “شعري أنا قلبي.. ويظلمني.. من لا يرى قلبي.. على الورق”. ولقد حضر هذا البيت، وألحّ على ذاكرتي، وأنا أقرأ ، في نفس واحد، كتاب هاجر بوغانمي (وحدك تؤول هذا العشق). إن سبب التذكر هو أن القلب لم ينبض على الورق، إلا لأنه نبض بالحياة أولا، حتى صارت الحروف متواطئة في سبيل تقديم قلب امرأة في كتاب مفتوح.
2 ـ
مع كتاب هاجر بوغانمي، تبتعد عبارة “أدب نسائي” التي باتت مهجورة بعد أن اكتسحت المرأة الكاتبة سوقا كانت محروسة بأقلام الذكور، وسبب هجر مصطلح الأدب النسائي عائد الى أن الأدب، في الأصل ، ليس ذكرا ، ولا أنثى ، ولا خنثى ، ولكنه الكلام الذي يصل أو لا يصل، تقوله امرأة ، أو يقوله رجل، ويكون الشرط الأول هو القدرة التعبيرية على النفاذ واختراق الحاجز العابر للجنس .
3 ـ
وفي جنس هذه النصوص القريبة من القصة حيناً، والشعر حينا، والمسرح حيناً آخر، تتشكل الكلمات ملغومة بالحياة وَمولعة بالوصول الى قارئها دون تشذيب أو تهذيب. وفي هذه النصوص التي نكاد نلمس نبضها، هناك حب ما، سافر حينا ومحجوب حيناً آخر، – وهل من وصال ؟ – نعم ، هنا وصال على أرض هي المستحيل، – لعله الحب الطماع الذي لا يشبعه الوصل، ولا يقنعه بلوغ الحلم، ولكنه، هنا ، في ورقات الكتاب يراهن على الوصول بالكلمات الى قارىء/قارئة ، ويرسم طقوسا مترددة كالحب، أو (كالحمق) كالعشق ، – ويحيا هذا الذي اسمه الحب في مناخات معاكسة كما الحياة التي لا اطمئنان لها، فلا القلب مستقر على حبيب واضح، أو غامض. بعيد، أو قريب. أليف، أو غريب. – إنه كل هذا ، حيث لا تقول النصوص كل شيء، ولكنها تسعى الى الوشاية به والتنبيه اليه – لكأنّ العشق هنا تمجيد للعطش المستدام.
4 ـ
في باب هذه الورقات، هناك وقوف متأكّد أمام حالات من الامتلاء بالعشق حتى يصير هذا العشق متفضّلا بمزاياه على الزمن نفسه الذي ولد فيه: “ما أسعدني بهذا التواصل أنا محظوظة اليوم. اليوم هو الذي صار محظوظا.” (ص24) وهنا، في ورقات هاجر، نقرأ وشاية بخبرتها بالمرأة أيضاً، تلك التي تتجسد في: صديقة المقهى التي لا تحبّ السعادة لأنثى غيرها، ولذلك تكتم الكاتبةُ سعادتها في لحظة الحب خوفا على الحبيب من “عين ” صديقة ” حاسدة ، أو لعلها ” يد ” صديقة سارقة وَخاطفة للقلوب. – وكم من امرأة تسللت الى قلب امرأة أخرى لا لشيء إلا لتسرق لها قلب حبيبها. – وكذلك الشأن عند الرجال – من قديم الزمان الى أيامنا هذه . تكتب هاجر: ” سأجلس اليوم في المقهى رفقة صديقاتي. سأكون سعيدة وأشفق عليهنّ لأنهنّ لن يعرفن لماذا أنا سعيدة.” (ص28) ولذلك، فإن المرآة أكثر كتمانا للسر ، وضمانا لإخفاء الفرحة بالحب: تنظر الى أية مرآة ، ولو كانت واجهة محل تجاري، أن تقول: لماذا يا ربي جعلتني أجمل هذا المساء؟
5 ـ
إذا كان العاشق القديم يخاف من الواشي وكذلك من القمر المضيء والكلب النباح، فإن الخوف من الواشي يلاحق العشاق في العصور الحديثة، والخوف هنا من الوشاية لا بالعشق هذه المرة، ولكن بالحمق، – وكأنّ الحمق هو حضن العشق ، حيث ترى (هل أقول الشاعرة أم العاشقة أم الكاتبة هاجر) ولعله من المستحسن أن يبقى سرّا لا على الآخرين ، ولكن على الجميع: “أريد أن أقول لك سرّا ، ولكن أرجو أن تعدني ألا يعرفه أحد يا رجلاً أعادني الى الحمق بعد أن شفيتُٰ .” (ص40)
6 ـ
هذا الكتاب أيضاً حوار مع الذات التي تقول ولا تقول ، وتبوح للقارىء بما تبخل به على المحبوب وهو المحور، وينتصب السؤال لماذا ؟ – لم يعد حبا ولكن صار أدبا، والأوراق لم تعد سرية، وآن الأوان للإفراج عن الأسرار بعد انتهاء مدة حجبها، وأسرار الأمس التي كانت غالية، صارت اليوم متاحة للعموم.
7 ـ
هذه الكتابة، هي وليدة حياة وأحاسيس ونبض، تولد هو الآخر، لا على الورق الذي عرفه نزار قباني، ولكن على الحواسيب التي تعرفها الأجيال الجديدة ، وعلى كل وسائل العصر الحديثة. – وهذه النصوص تجاوزت أن تسمي نفسها ، فهي نابضة بما هي فيه من حرارة حياة وقد تجاوزت أو نسيت في غمرة الحياة أن تصنف هذه النصوص التي تستعصي على الشرطة النقدية ، وصيادلة الأدب.
8 ـ
وبعد، فهذا كتاب سعى إلى نقل تجربة وجدانية لامرأة عربية، قد تكون الكاتبة، وقد لا تكون. وليس مفروضا على القارىء أن يُؤوِّل كل كلماتها، وينسخها، ويتعقّبها، بنفس بوليسي لتعقّب خطى حبّ في زمن الحاسوب ، – هل نقول العاشوق؟ – كتبت هاجر في الصفحة ” (ص 36): “قلت لنفسي: كاذب من قال إن القلوب لا تنبض من وراء الحواسيب “.

منصف المزغنّي
شاعر تونسي

إلى الأعلى