السبت 21 يناير 2017 م - ٢٢ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس : قراءة في أحكام القانون التجاري

القانون والناس : قراءة في أحكام القانون التجاري

(2) المهلة القضائية في المعاملات التجارية
نواصل قراءتنا في أحكام القانون التجاري العماني، ونخصص هذه المقالة للحديث عن المهلة القضائية في المسائل التجارية، ببيان القاعدة العامة للوفاء بالديون التجارية مع بيان طبيعة هذه المهلة القضائية في المعاملات المدنية… في المعاملات المدنية تقضي القواعد العامة في الإلتزامات وجوب وفاء المدين بما يشغل ذمته المالية من إلتزامات عند حلول أجل الدين إلا إذا وجد إتفاق أو نص يعطي للمدين مهلة الوفاء… وهذا ما صرحت به المادة (238) من قانون المعاملات المدنية العماني، حيث جرى نصها على النحو الآتي “1- يجب أن يتم الوفاء فورا بمجرد ترتب الإلتزام نهائيا في ذمة المدين ما لم يوجد إتفاق أو نص يقضي بغير ذلك، 2- للمحكمة إذا لم يمنعها نص في القانون أن تنظر المدين إلى أجل معقول أو آجال ينفذ فيها إلتزامه إذا استدعت حالته ذلك ولم يلحق الدائن من التأجيل ضرر جسيم.” وبتحليلنا نص هذه المادة يتبين لنا الآتي:
(1) وجوب الوفاء بالإلتزام المدني فورا بمجرد أن يصبح الإلتزام نهائيا في ذمة المدين أي يكون قد حل أجل الوفاء به… إلا إذا وجد إتفاق أو نص يقضي بإعطاء المدين مهلة للوفاء.
(2) إذا أصبح الإلتزام نهائيا في ذمة المدين ولم يوجد إتفاق أو نص يعطي المدين مهلة الوفاء يجوز للمحكمة عندها أن تمنح المدين مهلة أو كما يطلق عليها مدنيا “نظرة الميسرة” إذا كانت حالته تستلزم ذلك، بشرط ألا يلحق ذلك التأجيل ضرر جسيم للدائن ولم يوجد نص يمنع المحكمة من إعطاء المدين نظرة الميسرة…
أما في المعاملات التجارية فالأمر مختلف تماما… حيث أن القاعدة في الديون التجارية هو عدم منح أو إعطاء المدين مهلة للوفاء بما يشغل ذمته من إلتزامات تجاه الدائن في حالة إستحالة الوفاء بإلتزاماته في أجلها المحدد… فلم يسمح المشرع التجاري كقاعدة عامة منح المدين بدين تجاري مهلة للوفاء… ومع ذلك فالقانون التجاري العماني أجاز إستثناءا من هذه القاعدة (الأصل) إعطاء المدين مهلة للوفاء في حالة وجود نص قانوني أو كانت هناك ضرورة قصوى تستدعي منح المدين مهلة للوفاء بديونه التجارية… وهذا ما أكدت عليه المادة (84) من القانون التجاري العماني بالقول “لا يجوز للمحكمة منح المدين بدين تجاري مهلة للوفاء به أو تقسيطه إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون. أو إذا إقتضت ذلك ضرورة قصوى وبشرط ألا يلحق بالدائن ضرر جسيم.”.
ولعل الحكمة من هذا التشدد في الديون التجارية بعدم منح المدين مهلة للوفاء بديونه (نظرة الميسرة) يعود إلى أن المعاملات التجارية ذات طبيعة ترابطية بعضها ببعض… وبالتالي فإن عدم تنفيذ المدين بدين تجاري في موعد الإستحقاق قد يعرض دائنه إلى عجزه عن الوفاء بإلتزاماته تجاه الغير مما يكون مدينا لهم الأمر الذي قد يؤدي إلى إشهار إفلاسه دون أن يكون ذلك بتقصير منه… وبالتالي من المؤكد أن هذا الأمر يمثل خطرا جسيما على الدائن وعلى هذا قلما نجد أن يمنح القاضي في المعاملات التجارية مهلة الوفاء (نظرة الميسرة). والمتتبع لنصوص القانون التجاري العماني يجد الكثير من التطبيقات على هذه القاعدة (عدم إعطاء المدين مهلة الوفاء)، خذ على ذلك مثالا أحكام الكمبيالة حيث صرحت المادة (496) منه “لا يجوز للمحاكم أن تمنح مهلة الوفاء بقيمة الكمبيالات أو القيام بأي إجراء يتعلق بها إلا في الأحوال المنصوص عليها في القانون.”. إلا أنه ومع هذا التشدد أجاز المشرع التجاري في المادة (84) سابق الإشارة إليها إعطاء المدين مهلة للوفاء بدينه أو تقسيطه إذا إستحال عليه الوفاء بالدين… وكان هناك نص قانوني يسمح بهذا التأجيل أو التقسيط مع التأكد أن هذا التأجيل أو ذلك التقسيط لا يستتبعه إلحاق ضرر جسيم للدائن… هذه قراءة سريعة في أحكام المهلة القضائية في الديون التجارية…
ولمزيد من الإيضاح يمكن للقارئ الرجوع إلى القانون التجاري العماني والقوانين ذات الصلة… قراءتنا القادمة- إن شاء الله- في موضوع آخر ضمن أحكام هذا القانون.

د. سالم الفليتي
أستاذ القانون التجاري والبحري المساعد- كلية الزهراء للبنات
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة
والقوانين التجارية والبحرية والإتفاقيات الدولية
Salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى