الثلاثاء 24 يناير 2017 م - ٢٥ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / رؤى .. (نحن الجيل الضحية) .. كيف تسوق هوليوود فكرة ؟

رؤى .. (نحن الجيل الضحية) .. كيف تسوق هوليوود فكرة ؟

إن نجاح هوليوود التي تعرف بعاصمة السينما أو عاصمة الأفلام، لم يأت من فراغ وليس عائدا لتفوق منتجاتها الفنية فقط، وإنما لقدرتها الهائلة على التسويق، فهي التي توزع الأحلام و الأفكار والقيم على المتفرجين في العالم أجمع.
في هوليوود خمس شركات عملاقة تسيطر على الغالبية الساحقة من نتاجاتها، وأحد تخصصات تلك الشركات هو إعداد فيلم بالتيمة التجارية الناجحة لكل عصر، لكن يصلح لكل أفراد الأسرة على اختلاف أعمارهم.
في وقت ليس ببعيد، إن لم أكن مخطئا منذ اندلاع ما سماها البعض بثورات الربيع، ظهر نمط فكري جديد بين أوساط الشباب (الثائر) عرف بـ (نحن الجيل الضحية) والكبار هم الفاشلون وتبناها أغلب هؤلاء الشباب آنذاك.
العالم مأساوي باستمرار بسبب خطايا الأجيال السابقة، التي دمرت المناخ ورفعت معدلات التلوث لدرجات قياسية، ونشرت الأوبئة، وحطمت المدن والدول في حروب بأسلحة فتاكة.
أنا لست بصدد مناقشة مدى صحة الفكرة التي سيطرت ومازالت على المراهقين بالجيل الحالي، وأصبحت تغذيها أكثر وأكثر ثورة التكنولوجيا والاتصالات. ولكن فقط لتوضيح كيفية تسويقها وترسيخها عبر (الغابة المقدسة) أو هوليوود بعصاها السحرية التى تضرب بها على رؤوسنا ‏فتضعنا في حالة توقف عن الإنكار.
وهنا لابد لنا من التوقف عند مصطلح (ديستوبيا) وهو مصطلح يوناني يشير إلى عالم مأساوي يعاني العديد من الكوارث، وتتجرد فيه المجتمعات من التحضر السلوكي، في ظل فوضى تامة ، أو حياة تحت سيطرة أباطرة وحكومات شمولية، وهو عكس مصطلح يوتوبيا.
روايات أدبية عدة تناولت أعمال الديستوبيا منذ عقود، فكان السبق من وجهة نظر أغلب نقاد الأدب، رواية 1984 الشهيرة لـ”جورج أورويل”، الصادرة عام 1949 والتي كتبها رفضا لانتشار الفكر الشيوعي ودولة الحزب الواحد، عن حكومة شمولية قمعية، نجحت في مراقبة البشر إلى درجة انتهت معها الحرية والخصوصية للفرد تماما. وأيضا رواية البرتقالة الآلية لـ”أنتوني بيرجس” وهي عن عالم مستقبلي تحاول فيه الحكومات حل مشاكل وسلوكيات الإجرام والعنف، بتجارب تؤدي إلى ما هو أسوأ. هذه الأعمال تناولتها السينما، أحيانا أكثر من مرة. وبعضها تتفوق أفلامه على الأصل الأدبي من حيث الشهرة، مثل فيلم المخرج ستانلي كوبريك عن البرتقالة الآلية. المفضل لدي.
مع انتشار نمط (الجيل الضحية) على وقع عواصف الربيع، داعبت الفكرة، اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على شركات الإنتاج السينمائي في هوليوود، حيث وجه لإعادة إحياء أعمال الديستوبيا بعد اندثارها مؤقتا فترة التسعينيات، ليجذب بها هذا الجيل الغاضب الثائر، ليزداد شراسة وكرها لمجتمعه، فظهرت سلسلة افلام ألعاب الجوعى أو (The Hunger Games) وتدور أحداثها في عالم مستقبلي عن المراهقة الفقيرة “كاتنيس إيفردين” التي يتم اعتبارها في حكم الميت، عندما تقرر مضطرة إنقاذ أختها بالمشاركة في مسابقة سنوية تليفزيونية دموية (اقرها الكبار كعقاب بعد ثورة ما)، بين دستة من المراهقين، لا تنتهي إلا ببقاء واحد فقط حيا.
بعد أن حققت تلك الثلاثية نجاحا باهرا في دور العرض العالمي، انتجت هوليوود عشرات الاعمال التي تتبع نفس الخط، لاستقطاب نفس الجمهور والشريحة العمرية، فيما يطلق عليه بـ “ديستوبيا البالغين الصغار”. فظهرت أفلام كـ أرض الغد (Tomorrowland)، عداء المتاهة (The Maze Runner) بجزئيه والمختلفة (Divergent) بجزئيه أيضا، وما زالت خطة انتاج افلام الديستوبيا قائمة حتى وقتنا هذا.
أفكار هذا النوع تمزج فكرة الديستوبيا باحتياجات الجيل الحالي وسماته، فأبطاله مراهقون، يدفعون ثمن خطايا الأجيال السابقة الفاشلة ويحاولون إصلاحها (النموذج السلطوي القمعي من حكومات أو عائلات)، يمثله باستمرار كبار في السن. في أغلب هذه الأعمال.
المجتمع مُقسم إلى نوعين أو أكثر، والتفرقة عادة مرتبطة بالثراء، مصير الإنسان بيد السلطة مسبقا ايا كانت. في أحد مشاهد فيلم المعطي (The Giver) وهو واحد من تلك النوعية، تظهر عدة لقطات سريعة لثورات (الربيع) في مصر وتونس وليبيا، تأتي حينما يتحدث البطل المراهق عن أحداث معينة في العالم قبل أن تخيم الديستوبيا عليه، لتذكره بأخطاء الجيل السابق (الفاشل).

طارق علي سرحان
mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى