الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فرح البغدادي

فرح البغدادي

” يقول بعض المحللين إن هدف روسيا الأهم، حتى من الحفاظ على تماسك الدولة السورية ومنع عملية “تغيير نظام بالقوة المسلحة”، هو تحرير تدمر من داعش ليباهي الروس الغرب والعالم كله بأن جيشهم “حمى تراث الإنسانية وآثار الرومان التي تعود لأكثر من ألفي عام بينما الغرب سمح لداعش بهدمها وتشويهها.”
ـــــــــــــــــــــــــ
لم تصمد الرواية العراقية عن الغارة التي استهدفت قيادة تنظيم داعش غربي الأنبار يوم الاثنين الماضي، والتي تحدثت بداية عن ” ضرب موكب زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي”، وبدأ كثيرون بسرعة يروجون لاحتمال أن يكون البغدادي قد قتل في الغارة العراقية. ثم تعدلت الرواية إلى استهداف اجتماع لقيادات داعش قرب القائم على الحدود بين العراق وسوريا، وأن عددا من قيادات التنظيم الكبار قتلوا في الغارة. وفي وقت متأخر، خرج الأميركيون يصرحون بأنه لم يثبت أن البغدادي كان في موكب أو متحركا من سوريا إلى العراق أو من الموصل إلى القائم. (وطبعا لدى الأميركان أجهزة استطلاع وتنصت يمكنها رصد ماركة الملابس الداخلية للناس على الأرض العربية!!!!). ولم يفت الأميركان ان يذكروا بأن غارة سابقة لهم أصابت البغدادي بإصابات قللت من قدرته على الحركة.
ثم توسعت دائرة “فرح البغدادي” بتسريبات من بغداد عن أن الغارة تمت استنادا إلى معلومات استخباراتية دقيقة حول مكان الاجتماع ومن يشارك فيه من قيادات التنظيم الإرهابي وأن الفضل في توفر تلك المعلومات يعود إلى التعاون الرباعي (العراقي، السوري، الإيراني، الروسي) الذي أعلن عنه مؤخرا. ودخل الروس على الخط، فالكل يريد الفوز بجائزة أنه من “اصطاد” البغدادي وأنه الجاد في مكافحة الإرهاب وليس غيره. لا عجب في ذلك طبعا، فالكل يريد أن ينسب إليه هذا العمل الرمزي بغض النظر عن أثره العملي. ولا شك أن التعبيرات والمصطلحات التقليدية جاهزة لتصاحب الإعلان، من قبيل: “… مع أهمية تلك الضربة للتنظيم والفت من عضد عناصره وتسهيل مهمة القضاء عليه …”.
ولنبدأ من هذا “الكليشيه” الأخير، فالمعروف عن تلك التنظيمات انها تضم عناصر متطرفة في قناعاتها بما تقوم به من أعمال عنف. ورغم أهمية القيادات، إلا أن كل فرد من عناصر تلك الجماعات الإرهابية هو قنبلة بحد ذاته جاهزة للتفجير بغض النظر عن “مصير أميره التنظيمي”. أما أن القضاء على البغدادي سيسهل تحرير المناطق الشاسعة التي سيطر عليها داعش في سوريا والعراق، ففي هذا شك كبير. يبقى القضاء على “الرمز والقيادة”، وأهمية ذلك للطرف الذي يحظى به. ويذكرنا هذا بشخصيات مماثلة، اعتقلت وقتلت أكثر من مرة حتى بات من الصعب تصديق أي من الروايات. وكان حظ الأميركان وافرا في ذلك. دعونا من الزرقاوي، الذي ربما قتل في شمال شرق العراق حتى قبل الغزو والاحتلال الأميركي وعلى يد القوات الإيرانية التي هاجمت مجموعة للقاعدة هناك. لكن الأجهزة الأميركية صنعت “بعبعا” صورته أشد خطرا من بن لادن وقتها على أن يعلن في وقت لاحق عن “اصطياده” من قبل القوات الأميركية فيكون ذلك نصرا باهرا.
أقول دعونا من الزرقاوي، وحتى بن لادن، لأن هناك نموذجا أكثر فجاجة هو أحد قيادات طالبان (الملا برادر) الذي تنافست باكستان وأمريكا على اعتقاله وقتله عدة مرات! نعم، عدة مرات .. إذ أعلن عن مقتله ثلاث مرات، وعن اعتقاله اربع مرات حتى أعلن أخيرا أنه اعتقل في باكستان ولم يتضح بعد من اعتقله: أجهزة باكستان أم الأميركان. حالة الملا برادر واقعية، والأخبار منشورة في وسائل إعلام غربية رئيسية ـ بعضها بالعربية ـ ولا يمكن إدراجها ضمن “تفسيرات المؤامرة” أو تهويل التخمينات مثل من يقولون بأن قتل بن لادن تمثيلية وأنه إما حي في مكان ما أو توفي طبيعيا من قبل. ويعزز هؤلاء حجتهم بأن أميركا تقدم اي دليل مادي على قتله، وأن تمثيلية “إلقاء جثته في البحر حتى لا يجعل مريدوه منها مزارا” مجرد تمويه للتغطية على عدم تقديم دليل لا يمتلكه الأميركيون.
الحقيقة أن “فرح مكافحة الإرهاب” لا يقتصر على الفوز بشرف قتل زعيم داعش، بل إن المتابع للأخبار يلحظ المزايدة بين القوى التي تقصف وتدمر في سوريا والعراق. فإذا أعلن التحالف الذي تقوده أميركا عن شن عشرين غارة في أربع وعشرين ساعة، تعلن روسيا عن شن ستين غارة في الفترة نفسها. وكأننا فعلا في “فرح بلدي” والكل يزايد على الآخر في “النقوط”. طبعا، ليس مهما هنا لا الشعب السوري ولا الشعب العراقي ولا هذا البلد ولا ذاك ـ ولا حتى كيف ابتلي بآفة الإرهاب أصلا ـ إنما المهم هو من سيحرز الفوز على الآخر ويبرز في “الشو الإعلامي” سواء أحدث ذلك فرقا في مكافحة الإرهاب أم لا.
يقول بعض المحللين إن هدف روسيا الأهم، حتى من الحفاظ على تماسك الدولة السورية ومنع عملية “تغيير نظام بالقوة المسلحة”، هو تحرير تدمر من داعش ليباهي الروس الغرب والعالم كله بأن جيشهم “حمى تراث الإنسانية وآثار الرومان التي تعود لأكثر من الفي عام بينما الغرب سمح لداعش بهدمها وتشويهها. من الصعب طبعا حصر هدف التدخل العسكري وتبعاته السياسية بمجرد تحقيق “شو إعلامي”، لكن لا شك ايضا في أن ذلك جزء من سياسة اي قوة: أن تباهي بإنجازاتها بشكل لا يختلف كثيرا عن الاستعراضات الإعلامية.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى