الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإعلام المقاتل

الإعلام المقاتل

د. فايز رشيد

” قضية فلسطين تظل القضية المركزية للأمة العربية بأسرها، مهما حاول الصهاينة وأسيادهم من الإمبرياليين الجدد إلهاء الشعوب العربية عنها، بالمحاولات الحثيثة الجارية لتغييب مظهر الصراع الأساسي والتناقض الرئيسي بين الأمة العربية من جهة، وبين العدو الصهيوني من جهة أخرى!.”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الإعلام قضية ، هدف ورسالة، تختلف الأهداف بالطبع وفقا لطبيعة منطلقات الوسيلة الإعلامية، ولكن من أنبل الأهداف أن تكون الرسالة والهدف ممزوجين في تعبير بسيط ، اسمه “الوطنية” الذي يتفرع منها تعبير “المقاتل”، كصفة توسم بها وسائل تحقيق الهدف، وفي حالتنا المعنية، الفضائيات. قال الرئيس عبدالناصر يوما ” المقاومة الفلسطينية هي أنبل ظاهرة عربية” ومن النبل بمكان نقل دقائق صورة مقاومة شعبنا للسوبر فاشيين الجدد، هذا الإعلام المعني بذلك، يستحق أن يُطلق عليه “الإعلام المقاتل” . كمثال على ما أقول: فضائية “الميادين”، وفضائية “فلسطين اليوم” .
قضية فلسطين تظل القضية المركزية للأمة العربية بأسرها، مهما حاول الصهاينة وأسيادهم من الإمبرياليين الجدد إلهاء الشعوب العربية عنها، بالمحاولات الحثيثة الجارية لتغييب مظهر الصراع الأساسي والتناقض الرئيسي بين الامة العربية من جهة، وبين العدو الصهيوني من جهة أخرى! . التغييب يكون من خلال افتعال وتسييد أشكال جديدة من الصراع في المنطقة، ولم يجدوا سوى صراعات إثنية ومذهبية طائفية مقيتة، لغمر وجه المنطقة بها، فهذه تستجيب لمقولة قديمة صهيونية، أكّد عليها بن جوريون عند إقامة دولة الكيان في فلسطين، كما وزراء خارجيته موشيه شاريت ،جولدا مائير، إيجال يلون (الذي أول من اقترح حكما ذاتيا للفلسطينيين عام 1961، وإقامة دويلة صديقة للكيان في جنوب لبنان عام 1958، مرورا بكل رؤساء الحكومة ووزراء خارجية الكيان والقادة الآخرون من الصهاينة، مفادها: أن لا استقرار لـ “إسرائيل ” في المنطقة، إلا من خلال الحرص على ابتكار صراعات عربية – عربية وأخرى محلية على مستوى الدولة العربية الواحدة، وهذا ما سيعمل على ضمان أمن إسرائيل واستقرارها في المنطقة. تطور المخط الصهيو – أميركي- الغربي إلى حلقة جديدة : تفتيت الدول العربية القائمة إلى دويلات عددها 42 دويلة. هذا يضمن للكيان أيضا إزاحة أية قوة عسكرية قد تشكل تهديدا مستقبليا لإسرائيل. ( اقرؤا ” مذكرات ديان” وكتابه: أنا وكمب ديفيد”، مذكرات قادة إسرائيل وهم كثيرون، كتب روجيه جارودي، إسرائيل شاحاك، كتاب نتنياهو “مكان تحت الشمس”، مخطط برنارد لويس وغيرها).
هناك فرق كبير بين إعلام يكشف حقيقة اعداء الامة ويتابع أولا باول صمود ومقاومة أبنائها في مختلف ساحات الصراع وبالاخص مقاومة الشعب الفلسطيني وبين إعلام لا مبال بقضايا أمته! … المقاومة الفلسطينية هي رأس جسر كل مقاومة عربية للغزوة الصهيونية، هذه الطليعة العربية التي امتزجت دماؤها بالمقاومة ضد كل الغزاة على مدى قرون زمنية، وآخر هذه المقاومات المستمرة عبر التاريخ، مقاومتنا الاخيرة والممتدة عبر قرن زمني للعصابات الإرهابية الصهيونية منذ بداية مشروعه، ومن ثم مقاومة والكيان منذ إنشائه وحتى اللحظة الراهنة والمستمرة أبدا حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر. أن تغوص في هذه الحقائق يعني :أنك حريص على كشف حقيقة العدو كمقدمة أولى للانتصار عليه ، ذلك وفقا لقاعدة هنيبعل، وهي اول قانون عسكري مُسجّل في التاريخ.
من زاوية ثانية هل تتحول الفضائية او حتى الكاتب إلى النمطية مع مرور الوقت؟ قمة المأساة ان يصل إلى هذه الصورة أمام مشاهديها أو قرّائه! ليس هناك من (تابوهات) محظور على الكاتب والفضائيات بحثها المتوجب استمرارا على عناصرالمقاومة في الواقع الحالي ايا كانت ظلاميته ورداءته! أن تبحث يعني أنك تحرص على تغيير هذا الواقع من جهة، وتطمح للانتصار من الجهة الاخري. في تقديري أن هذه ميزة ثانية بعد الذي ذكرناه لـ “الإعلام المقاتل” الوصف المنطبق على القناتين المعنيتين، واللتان تسعيان جاهدتين إلى هذه الأهداف المميزة للإعلام المقاتل. استغرب بدوري للفضائيات العربية المستمرة في برامجها “العالمية” من التي تروج لحالة من الإيفوريا ( الانبساط في أقصى درجاته) واعتبار ما يجري في فلسطين وكأنه يجري في المريخ! وتلك الفضائيات من ذوات الأصول الدينية المتطرفة، التي تدّعي الإسلام وهمها الفلسطيني مؤجل بالطبع إلى ما لا نهاية !؟.
صحيح أن هناك مقدسات بالنسبة إلى الوسيلة الإعلامية كشعارات مثل: تحرير فلسطين، مصلحة الشعوب العربية التي غالبا هي فقيرة ومغلوبة على أمرها ، الالتزام الأخلاقي بالمعنى العام بعيدا عن التشهير بأحد أو بظاهرة. النقد البنّاء الذي يهدف إلى شفاء المريض وليس للإجهاز عليه. ما دون ذلك… فليس محرّما على الفضائية نقده ! وبالطبع لكل فضائية مقدساتها.. بالتالي… في الحصيلة… تصبح كل المواضيع مطروحة.

من واجب الإعلام: العمل على ايجاد الوعي المجتمعي، وهذا دوره الرئيسي، لكن الخلفيات الأيديولوجية بتحكمها في الفضائية، توجه هذا الوعي في إطار محدد منسجم مع توجهاتها… لم تعد الايديولوجيا اعتناقا فكريا ذهنيا فقط، بل غادرت هذه الدائرة وهي المجال الطبيعي لها،… المُعبّر عنه في مسلكية متوائمة مع منطلقاتها في ضرورة استيعاب الآخر.. إلى حيّز الوجود الإنساني. بالتاكيد فإن متغيرات كثيرة طرأت وأثرّت على اضمحلال أوازدهار هذه الأيديولوجيا أو تلك كالتقدم التكنولوجي والعولمة الإعلامية وغيرهما.. حتى أن البعض يؤرخ حقبة نهايتها (فرانسيس فوكوياما في كتابه “نهاية التاريخ”،المفكر الأميركي دانيال بيل في كتابه”نهاية عصر الأيديولوجيا” وغيرهما).لا شك أن عصر الايديولوجيات لم ينته… كل الذي حصل هو تهذيب للأيديولوجيات وقد كانت سمته الرئيسية: المثالية البعيدة عن الواقعية، إلى شبه تحول في ميل مُكتسب من خلال التجربة الذاتية وتجربة الآخرين لها. كثيرون يفسرون عملية “شبه التحول” هذه إلى أن حقائق التكنولوجيا أصبحت بديلا للأيديولوجيات .. فمثلا هننجتون يرى في مؤلفه” صراع الحضارات”: أن صراع الايديولوجيات انتهى بانتصار الحضارة الغربية على سواها. هناك الكثير من المواضيع الإعلامية المتوجّب العمل عليها من الفضائيات العربية (وبخاصة أننا نواجه عدوا صهيونيا خطط منذ البداية للسيطرة على عصبي الحياة: المال والإعلام باعتبارهما شرطا ضروريا لنجاحه في إقامة دولته واستمرارها حتى اللحظة) تعابير مثل: تزييف الوعي الجماهيري، التضليل الإعلامي، الحرب النفسية الإعلامية، الإعلام ودعم الشعور بالمواطنة … وغيرها!.
وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة هي المصدر االأهم (ربما؟) بين مصادر التوجيه والتثقيف في أي مجتمع، وهي ذات تأثير كبير في جماهير المتلقين المختلفين، المتباينين في اهتماماتهم وتوجهاتهم ومستوياتهم الفكرية والأكاديمية والاجتماعية.وهذا ما يكسبها أهميتها في عملية بناء المجتمعات، ويمكن الزعم بأنها احد العناصر الأساسية في المساهِمة في تشكيل الوعي المجتمعي، وحتى في تحديد جزء كبير من سماته الرئيسية. وإذا كان دور وسائل الإعلام في أي بيئة مجتمعية يتحدد بالأثر الذي تستطيع أن تحدثه فيها، فمن الممكن أن نقسّم وسائل الإعلام باعتبار تأثيرها في المجتمعات قسمين: قسم إيجابي، وقسم سلبي. كما يمكن تفريع القسم الأول منهما إلى اتجاهين: سلبي وإيجابي، وذلك باعتبار الهدف الذي يسعى إليه القائمون على كل اتجاه، ولأن الإيجابية والسلبية من الأحكام النسبية، ليست ثابتة أو محددة. لذا فإن الضابط الذي يُستخدم هذين الحكمين على أساسه هنا هو ضابط الانسجام مع متطلبات الهوية العربية في ما يُقدَّم إعلاميًا عبر القنوات المختلفة، من حيث طبيعة المادة المقدمة، وما ترسخه من قيم فكرية وثقافية واجتماعية. لقد أصبح الإعلام العصب الأهم في عملية التطور المجتمعي.
ما يجري حاليا من هبة شعبية فلسطينية سائرة بخطى حثيثة للتحول إلى انتفاضة، هذه يتوجب أن يكون لها شعار تعمل من أجل تحقيقه، من خلال قيادة موحدة تضع برامج نضالها وتحدد مجالات فعلها المقاوم يوميا، وتحدد الاسس الكفيلة باستمراريتها! الشعب الفلسطيني في نضاله يسبق دوما قياداته الرسمية، هذه التي ستجد نفسها مضطرة لمحاولة اللحاق به وإلا سقطت!. أيضا علينا عدم المطالبة بتسييد نمطية الانتفاضتين الاولى والثانية، فلا ظاهرة تتكر بصيغتها السابقة، وهناك قاعدة فلسفية تقول: ” التاريخ يكرر نفسه مرتين ولكن في المرة الأولى يكون مأساة وفي الثانية مهزلة”. لا نريد لا المأساة ولا المهزلة! كما أن مقاومة شعبنا ليست تعبيرا عن حالة “يأس” مثلما يزعم البعض! بل هي فعل مقاوم ناتج عن وعي حقيقي لمتطلبات المرحلة.
في الجانب المقابل هناك قمع سوبر فاشي متطور، سوبر نيوكولونيالي وسوبر عنصري .. انظروا إلى تعليقات الشارع الإسرائيلي على جرائم جيشهم ومستوطنيهم والمستعربين، وهي على نمط: (اقتلوا العرب،أبيدوا أطفالهم ،العرب خنازير،لصوص، قتلة ومنحرفون.. الخ) لم يبق وصف خسيس إلا ووصمونا به!. في دراسة حديثة للبروفيسور دانييل بارنال الاستاذ بجامعة تل أبيب، ذكر نتيجة مفادها: أن 124 كتابا من المناهج الدراسية في الكيان (تشكل 89% من كل الكتب المدرسية) تحتوي على ابشع التعابير العنصرية ضد العرب. بالمقابل بلغت الوقاحة بالكيان إلى مطالبة السلطة الفلسطينية، والحكومتين الأردنية والمصرية ( وهي التي وقعت اتفاقيات مع الكيان) تعديل المناهج الدراسية للطلبة، وحذف كل ما يتعلق بالعداء لإسرائيل، منها. أيضا: يعتبر نتنياهو ان مقاومة الفلسطينيين هي نتيجة تحريض الرئيس عباس على إسرائيل!.
بالرغم من انني لست اعلاميا، ولو امتلكت رأسمال يوما ( وهذا مستحيل!) لما افتتحت شركات أو سعيت لتطوير رأسمالي، وإنما لافتتحت صحيفة وفضائية!.

إلى الأعلى