الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مَنْ يحمي مزارعي البلاد العربية ؟!

مَنْ يحمي مزارعي البلاد العربية ؟!

طارق أشقر

أثار إعلان الوكالة الدولية لأبحاث الأورام التابعة لمنظمة الصحة العالمية الذي صنف مادة (جلايفوسات) التي تدخل في تركيب عدد من المبيدات الزراعية بأنها مادة يحتمل أن تكون مسببة للأورام للبشر، ضجة إعلامية في المجتمعات الزراعية بالولايات المتحدة الأميركية تبعها رفع عدد من الدعاوى القضائية من مزارعين أصيبوا بأورام سرطانية مختلفة بسبب استخدامهم لمبيدات زراعية باسم (راونداب ) وهو من ضمن مركبات مادة جلايفوسات المتهمة بالأذى.
ولم يكتف المزارعون الأميركان برفع الدعاوى القضائية، بل اتهموا الشركات المنتجة لمبيدات الحشائش المحتوية على مادة (جلايفوسات) المسرطنة، بأنها ضللت الجمهور والجهات الرقابية لفترات طويلة من الزمن، فيما دافعت بعض تلك الشركات عن هذه المادة بأنها آمنة إذا تم استخدامها وفق التعليمات ! .
في البدء لابد من التضامن والإطراء على تلك المجموعة من المزارعين الأميركيين الذين رفعوا الدعاوى القضائية، رغم أنهم ضحايا وقد لايفيدهم اي حكم قد يصدر في صالحهم طالما ان السرطان يهدد بقاءهم في الحياة طويلا ، غير ان مجرد التلويح بالسعي وراء الانصاف قد يعتبر وسيلة من وسائل الضبط والرقابة القبلية غير المباشرة على كافة الشركات العالمية ذات العلاقة بالانتاج الغذائي.
وفيما تسود قناعة بأن الضحايا الأميركان سيتم انصافهم في المحصلة النهائية كون تظلمهم أودع جهة قضائية بغض النظر عن جغرافيتها المكانية. ولكن يبقى السؤال الذي قد لايجد إجابة شافية هو: من يحمي مزارعي البلاد العربية من الآثار الجانبية للمبيدات الحشرية التي صنعت بأمانة علمية (منقوصة)، وذلك في وقت تسجل فيه الإصابة بأمراض السرطان زيادة مرعبة في كافة دول الشرق الأوسط بلا استثناء.
يكون السؤال ملحا عندما نعلم ان هناك قطاعا عريضا من المزارعين في عدد ليس بالقليل من الدول العربية يستخدمون مبيدات حشائش ومبيدات ضد الآفات الزراعية تحصل عليها دولهم ضمن ( إعانات) من منظمات دولية، او ضمن قروض زراعية من منظمات أخرى، خصوصا وأن كثيرا من القروض والاعانات الدولية يكون الجزء الأكبر منها خبرات أجنبية ومنتجات ذات علاقة بنوع القرض او المنحة وكلاهما اي الخبرات والمنتجات يكون مصدرها الدول المقدمة للمنحة والقرض.
وفي هذه الحالة ينطبق المثل الشعبي (كيف لك ان تكون شحاذا وتتأمر) بمعنى ان من يسأل الناس العون ينبغي ان يقبل بما يقدمونه له دون أن يتخير. وبهذا تجد كثيرا من الشركات الأجنبية الراغبة في الترويج لمنتجاتها وبيعها في دول نائية بعيدا عن عيون الرقابة والمطاردة، تجد فرصتها لبيع منتجاتها وقبض الثمن غير آبهة بما قد يحدث من كوارث على حياة البشر المساكين خارج بلدانها.
ويزداد التساؤل الحاحاَ عندما نواجه أنفسنا بحقيقة ضعف اجهزة الرقابة الغذائية والزراعية في غالبية الدول العربية، وذلك لافتقارها للكفاءات العلمية في مجال الصناعات الكيمائية وللمعامل المتطورة القادرة على الكشف الدقيق على المركبات الكيمائية وتحليلها لمعرفة ما إن كانت ضارة بصحة الانسان على المدى البعيد ام غير ذلك. فضلا عن أن تلك الشركات تحتفظ بسر التركيبة العلمية لمنتجاتها بحجة ( حقوق الملكية الفكرية).
كما يزيد الأمر تعقيدا عندما تأتي مبيدات الحشائش الزراعية ومبيدات الآفات الزراعية أو الاسمدة بشكل تجاري عبر مستوردين من البلاد العربية نفسها، فتكون صحة الانسان في غالب الأحيان وليس (في كل الأحوال) بين سندان المصالح التجارية الذاتية ومطرقة ضعف الرقابة على كل ما له علاقة بالمنتجات الغذائية. … فيظل السؤال قائما دون اجابة وهو من يحمي مزارعي البلاد العربية بل ومستهلكي المنتجات الزراعية التي استخدم في انتاجها مبيدات مسرطنة؟

إلى الأعلى