الأحد 22 يناير 2017 م - ٢٣ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : الهجرة .. دروس وعبر

رأي الوطن : الهجرة .. دروس وعبر

تدخل رسالة الإسلام اليوم عامها الهجري السابع والثلاثين بعد أربعمئة وألف، حيث يستقبل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها هذه المناسبة العطرة مستذكرين البدايات الأولى التي عايشها الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم والملمات والصعوبات التي أحاطت به وبدعوته تمهيدًا ليوم الهجرة العظيم، وفي سبيل الدعوة إلى توحيد الباري جل وعلا.
إن هذه المناسبة (ذكرى الهجرة النبوية الشريفة) هي مناسبة لها مكانة عظيمة لدى كل مسلم امتلأ قلبه حبًّا لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام، وانقاد وخضع لرب العزة ذي الجلال مخرج الناس من الظلمات إلى النور، واقتدى بحبيب الرحمن حامل أمانة تبليغ الهداية والسلام، حيث تحل هذه المناسبة بعد عام هجري طوى صحائفه بما له وما عليه، مؤذنة بعام جديد يهل على جموع المسلمين، ويمنحهم مطلعه فرصة لتدارس المعاني الجليلة الكامنة في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام، كيف لا؟ وقد كان في مقدمتها القدر الجامع من الصراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والنور والظلام، والهداية والطغيان، وهو القدر الذي تحلى خلاله المؤمنون الأوائل بالصبر على المكاره وتحمل الإيذاء والاضطهاد ومجاهدة النفس وقسوة الظلم والكراهية، ومقاومة حصار اقتصادي يحول بينهم وبين الماء والزاد، بينما الملأ من قريش يتناجون بالإثم والعدوان في دار الندوة التي تحولت إلى غرفة استخبارات ومطبخ مؤامرات، لوضع الخطط من أجل محاصرة الدعوة الوليدة، والتنكيل بمن آمن بها خصوصًا من المستضعفين والعبيد، ومن أجل التخلص من رمز الدعوة والهداية، ليعيدوا الناس إلى ضلالهم وشركهم ووثنيتهم. ولكن مع ذلك كانت قيم الصبر والتحمل والثبات على المبدأ لمواجهة معسكر عدواني أشد عداوة وفتكًا بالبشر وبالحياة، تؤكد مكانتها ودورها في إثبات المصداقية وصواب التوجه، والإخلاص والصدق مع النفس كمبدأ لحفظ أمانة التبليغ وإيصالها إلى الناس، فكان تأثيرها أشد وأوقع في النفس والقلب، ولم تنجح معه وسائل التهديد والتنكيل والترغيب. كما أن خيار الهجرة كان إحدى الوسائل الفعالة في حفظ أمانة التبليغ، والحفاظ على النفس، وتغيير أساليب المعركة السلمية مع الأعداء وتجنب المواجهة، رغم أن مكة كانت أحب الأماكن إلى قلب الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان تبني خيار الهجرة من مجتمع الشرك والوثنية في قريش إلى مناخ حاضن بالمدينة المنورة، لتوفير فرصة لتدعيم ركائز الدعوة الوليدة ونشرها في محيط أوسع، يمثل تعزيزًا لقوتها ومناعة تحول دون النيل منها. ففي المدينة أديرت أمور السياسة والحرب في أرقى صورها الحضارية والإنسانية، ولم تكن السياسة لاستعباد الناس وسلب حقوقهم، ولا الحروب لسفك الدماء ظلمًا وعدوانًا، ما مكَّن لدعوة الإسلام أن تنهض وتنتشر وترسخ في القلوب والأنفس. ووصل التلاحم والتراحم الرائعان بين المهاجرين من مكة والأنصار في المدينة، ذروتهما باقتسام المال والثروة وسبل العيش بين الفريقين، في توحد جميل يؤكد معاني الأخوَّة في العقيدة، قبل أن تكون بالدم والرحم، ويسقط من حساباته تمامًا أي تفرقة على أساس طائفي عرقي، أو أي مفاضلة بين مؤمن وآخر إلا بتقوى الله، تصديقًا لتعاليم عقيدة تجعل الجميع سواسية كأسنان المشط، ولا يعلو فيها هذا عن ذاك إلا بالارتقاء في مراتب الإيمان وخشية الله تعالى والعمل بما يحبه ويرضاه، الأمر الذي يبني في الأنفس السوية والفكر المنفتح قيم نبذ التطرف والتعصب الطائفي والمذهبي، والتوحد على كلمة سواء أمام الأخطار التي تحيط بالأمة من كل اتجاه.
ونحن نستعرض شريط ذكريات هذه المناسبة العطرة، ليقطر القلب دمًا مما أوصل إليه المسلمون أنفسهم من دمار وخراب واقتتال وتعصب وتطرف، وخنوع للأعداء، وعمالة واقتتال على حطام الدنيا، ترفع خلاله رايات وقد خط عليها أعظم جمل التوحيد والوحدة والرحمة “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، في إساءة واضحة ومخالفة صريحة لهدي الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام. إن احتفالنا نحن المسلمين بذكرى الهجرة النبوية واستحضارنا لأحداثها، ينبغي أن لا يكونا رمزيين وشكليين، وإنما يجب أن نستلهم من الذكرى الدروس والعبر واستخلاص نتائجها وتدبر معانيها لاستعادة ما ضاع، وما سرق منا من وحدة وقوة وتكافل وتراحم وألفة ومحبة.
وبهذه المناسبة نتقدم بالتهنئة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ ولكافة المواطنين والمقيمين والعرب والمسلمين، سائلين المولى العلي القدير أن يعيدها على الجميع وهم بأحسن حال ومآل.

إلى الأعلى