الإثنين 29 مايو 2017 م - ٣ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إذا تباطأ النمو الاقتصادي للصين..!

إذا تباطأ النمو الاقتصادي للصين..!

جواد البشيتي

اقتصاد الصين (ثاني أكبر اقتصاد في العالم) إذا تباطأ نموه شرعت اقتصادات العالَم تسير في مسارٍ هابط، واستبدَّ الذعر بالأسواق المالية العالمية.
لقد تباطأ النمو الاقتصادي في الصين، وهبطت أسعار الأسهم الصينية هبوطًا هو الأسوأ منذ 2007، فاتَّسَع وتَعاظَم بيع الأسهم في الأسواق العالمية، فهبطت وانهارت أسعارها، وتكبَّدت هذه الأسواق، من ثمَّ، خسائر كبيرة؛ وكان السبب هو خشية المستثمرين من أنْ يتسبَّب تباطؤ النمو الاقتصادي في الصين (وهي ثاني أكبر مُصَدِّر للسلع والخدمات في العالَم) بهبوط في سائر اقتصادات العالَم.
الصادرات الصينية في أزمة؛ فتصريف السلع الصينية في الأسواق العالمية يُواجِه الآن صعوبة متزايدة؛ وكان لا بدَّ للصين، من ثمَّ، من أنْ تلجأ إلى الحل الذي تستكرهه الولايات المتحدة وسائر الغرب ألا وهو خفض قيمة اليوان، فقرَّر مصرفها المركزي خفض سعر صرفه مقابل الدولار؛ لكنَّ هذا الخفض، الذي غايته الصينية هي تعزيز الصادرات، رَفَع منسوب الخوف لدى المستثمرين في العالَم؛ فَهُم فهموه على أنَّه إشارة إلى أنَّ اقتصاد الصين قد يكون في حال أسوًا مِمَّا يُظَنَّ.
وينبغي للصين الآن أنْ تُسْرِع في تحصين أسعار أسهمها؛ فاستمرار هبوطها قد يتسبَّب بانهيار أسعار الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا؛ وتوصُّلًا إلى هذا التحصين لا بدَّ للسلطات الصينية من أنْ تتصرَّف بما يسمح بزيادة الطَّلَب الداخلي على الأسهم الصينية.
ومع انكماش الصادرات الصينية لا بدَّ للقطاع الصناعي الصيني من أنْ ينكمش هو أيضًا؛ وقد انكمش انكماشًا هو الأسوأ منذ أكثر من ست سنوات. إنَّ اشتداد صعوبة تصريف السلع الصينية في الأسواق الخارجية يتسبَّب بتراجع الإنتاج الصناعي؛ وهذا التراجع يتسبَّب بتراجع التوظيف والتشغيل والاستثمار، وبتراجع الطلب الصيني على الطاقة، فيَعْظُم الانهيار في أسعار النفط؛ وكان من عواقب هذا الانهيار اشتداد قلق المستثمرين على المستقبل المالي للسعودية التي تعتمد اعتمادا أساسيًّا على عائدات بيع النفط.
لقد تسبَّبت الصين بصدمة للأسواق العالمية بخفضها قيمة اليوان (دعمًا لصادراتها). وهذا الخفض أثار المخاوف من “حرب عملات”؛ لكنَّ اقتصاد الصين ما زال أقوى ممَّا يعتقده كثير من المستثمرين.
إنَّها الصين التي سنة 1989 تبادلت مع الرأسمالية الغربية “الإنقاذ”؛ وعلى ما قال وزير الخارجية البريطاني الأسبق ديفيد ميليباند، مُحْسِنًا الوصف والمقارنة، أنقذت “الرأسمالية” الصين إذ سَمَحَ “نظامها الشيوعي” لاقتصادها بتناول ما يشبه “الفيتامين الرأسمالي”، أي بالتزاوج مع شيء من “نظام السوق الحرَّة”، فشرع ينمو نموَّا تسبَّب بتنامي القلق الغربي (الرأسمالي) من المارد الصيني (الاقتصادي والديمغرافي والحضاري..) الذي خرج من قمقمه.
أمَّا في سنة 2009 فظَهَر “المُنْقَذ الصيني” على أنَّه “المُنْقِذ” للرأسمالية الغربية من أزمتها المالية والاقتصادية الكبرى؛ وقد (بل سوف) يكتب التاريخ “سنة 2009 أنقذت الصين النظام الرأسمالي العالمي”.
والولايات المتحدة ما عاد لديها من خيار غير تجرُّع تلك الحقيقة الصينية المرَّة المذاق في فمها، فإنَّ وزيرة خارجيتها الأسبق مادلين أولبرايت اعترفت بهذه الحقيقة إذ قالت: “كانت الولايات المتحدة قوَّة اقتصادية عظمى في نهاية القرن المنصرم؛ وقد شرعت الصين تتحوَّل إلى قوَّة اقتصادية عظمى في القرن الحادي والعشرين”.
وبحسب تقويم “جولدمان ساكس”، سيتجاوز حجم الاقتصاد الصيني، سنة 2025، حجم اقتصاد الولايات المتحدة؛ وسيتضاعف سنة 2050.
أمَّا الخبير الاستراتيجي مارتن جاك (مؤلِّف كتاب “عندما تحكم الصين العالم”) فيؤكِّد أنَّ الدولار سيخلي المكان للعملة الصينية (اليوان) وستتلوَّن، من ثمَّ، الحضارة الغربية بلون الحضارة الصينية العريقة.
إنَّ اقتصاد الصين العظيم المتعاظِم، بفضل مزاوجته بين مزايا “الاقتصاد الاشتراكي” ومزايا “اقتصاد السوق الحرَّة”، يقوم على التصدير، متَّخِذًا من الولايات المتحدة سوقًا كبرى لصادراته. ويُظْهِر هذا الاقتصاد، في نموِّه, ميلًا إلى زيادة الصادرات وتقليل الواردات، وإلى (من ثمَّ) بقاء كفَّة الصادرات راجحةً دائمًا على كفَّة الواردات.
وتوصُّلًا إلى ذلك, تصارع الصين من أجل المحافظة على رخص سعر صرف عملتها (اليوان) نسبةً إلى الدولار، وغيره من العملات الصعبة. ومع اجتماع هذين العاملين (زيادة الصادرات ورخص اليوان الذي أصبح منذ سنة 1996 قابلًا للتحويل) ينمو، ويزداد نموًّا، احتياط الصين من القطع النادر، وهو الآن الأعلى عالميًّا. وللصين مصلحة حيوية في أن يستمر “المُنْفِقون” في الولايات المتحدة وأوروبا في إنفاقهم، فهؤلاء المُنْفِقون، أو المُسْتَهْلكون، كانوا يضخُّون، قبل الأزمة المالية العالمية، أكثر من 9.5 تريليون دولار سنويًّا في الاقتصاد العالمي، ممكِّنين، من ثمَّ، صناعات التصدير الصينية من النمو. إنَّ “المُنْفِقين المُسْتَهلكين” في الولايات المتحدة وأوروبا هم المحرِّك للنمو الاقتصادي العالمي.
إنَّ قوام السياسة الاقتصادية للدولة الصينية هو تشجيع “التصدير”، مع ما يستلزمه ذلك من جهد دائم للإبقاء على سعر صرف العملة الصينية منخفضًا. وهذا التخفيض المصطنع يتسبَّب برفع أسعار السلع الأجنبية في السوق الصينية، فيتقلَّص حجم الاستيراد، ويزداد “الادِّخار” من ثمَّ.
وبسبب فائضها المالي الضخم, والمتأتي من تفوُّق حجم الادِّخار لديها على حجم الاستثمار، أصبحت الصين من كبار الدائنين للولايات المتحدة، عِلمًا أنَّ الضآلة النسبية في حجم الاستثمار تقترن بمعدلات استثمار لم يعرفها التاريخ من قبل لجهة علوِّها؛ لكنَّ لاقتصاد الصين نقطة ضعفه، وهي “الطاقة النفطية”؛ فهذه الطاقة, التي من دونها لا تدور عجلة الاقتصاد الصيني، وصناعاته التصديرية على وجه الخصوص، هي السلعة الأهم في الواردات الصينية. واحتياج الصين المتزايد إلى الطاقة النفطية والغازية الأجنبية هو النابض الخفي لسياستها الخارجية؛ فإنَّ الاقتصاد الصيني مع صناعاته التصديرية يعتمد اعتمادًا أساسيًّا ومتزايدًا على النفط المستورد.

إلى الأعلى