الأحد 28 مايو 2017 م - ١ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / أوكرانيا بين التهديد الروسي وضبط النفس

أوكرانيا بين التهديد الروسي وضبط النفس

” عندما كنا سفراء لدى أوكرانيا قمنا بزيارة قواعد الجيش الأوكراني، وتحدثنا مع القادة والجنود، وراقبنا تدريباتهم، وقيمنا وحداتهم، ورأينا كيف أن هذه الوحدات مجهزة تجهيزا جيدا بالدبابات العملياتية والمدفعية والنقل، بل إن أحدنا رافق وحدة نخبة محمولة جوا كانت درجة استعدادها القتالي ومعنوياتها على عكس الوحدات الأخرى عالية، وبالتالي فإن أي هجوم على القوات أو الأراضي الأوكرانية قد يؤدي إلى حرب دبابات كلاسيكية ودموية لم تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.”
ــــــــــــــــــــــــــــ
الأوكرانيون سوف يقاتلون. فطوال الأيام القليلة الماضية حاول الجيش الروسي استفزاز الأوكرانيين لارتكاب الخطأ الذي وقع فيه الجورجيون عام 2008 بإطلاق الرصاص أولا. لقد قام الروس في البداية بإرسال قوات غير مصنفة إلى قاعدتهم في سيفاستوبول، إلا أن الأوكرانيين لم يلتقطوا الطعم، فقام الروس بإرسال وحدات مدرعة على الطريق إلى سيمفيروبول، عاصمة القرم، غير أن الأوكرانيين لم يردوا على ذلك بالعنف. ثم استولت القوات غير المصنفة على مطارات ومبان إدارية حول القرم، في احتلال فعلي لشبه الجزيرة مما دفع الأوكرانيين لوضع قواتهم العسكرية على أهبة الاستعداد، وقاموا باستدعاء الاحتياطي العسكري ـ لكنهم مرة أخرى لم يشنوا هجوما. إن هذا الكابح حكيم ومؤلم في آن. فإذا هاجم الروس القوات الأوكرانية في القرم أو شرق أوكرانيا فسوف يرد الجيش الأوكراني، وتندلع حرب ستكون فظيعة.
لا الجيش الروسي ولا الأوكراني قوة قتال منيعة؛ ذلك أن الضغوط الاقتصادية استنزفت موارد الجيشين، ودرجة الاستعداد لديهما منخفضة، والروح المعنوية بشكل عام ليست عالية. بيد أن أي هجوم روسي على القوات الأوكرانية أو قيام روسيا بغزو شرق أوكرانيا من شأنه أن يغير جزءا في هذه المعادلة، إذ يتوقع أن تقوم القوات الأوكرانية من جميع أنحاء القطر بالتجمع لتقاوم بشدة هذا الغزو.
عندما كنا سفراء لدى أوكرانيا قمنا بزيارة قواعد الجيش الأوكراني، وتحدثنا مع القادة والجنود، وراقبنا تدريباتهم، وقيمنا وحداتهم، ورأينا كيف أن هذه الوحدات مجهزة تجهيزا جيدا بالدبابات العملياتية والمدفعية والنقل، بل إن أحدنا رافق وحدة نخبة محمولة جوا كانت درجة استعدادها القتالي ومعنوياتها على عكس الوحدات الأخرى عالية، وبالتالي فإن أي هجوم على القوات أو الأراضي الأوكرانية قد يؤدي إلى حرب دبابات كلاسيكية ودموية لم تشهدها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
يجب ألا يحدث هذا.
فلاديمير بوتين ليس مجنونا، فالإدانات المطروحة حتى الآن – إلغاء ملتقى مجموعة الثمانية المقرر عقده في سوتشي، وطرد روسيا من مجموعة الثمانية، وفرض عقوبات مالية شخصية وحظر سفر الأفراد على المسئولين الروس الذين تنتهك أعمالهم القانون الدولي، والانتقاد الشديد لروسيا في اجتماعات الناتو ومجلس الأمن واجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين، بل وفرض عقوبات اقتصادية واسعة كالتي فرضت على جنوب إفريقيا وإيران ـ قد تؤثر في قراراته بشأن الخطوات المقبلة، ومن الواضح أنه كان يريد أن يعيد روسيا إلى المائدة الكبرى، في جهد سينهار أمام عينيه. إن أي غزو لأوكرانيا سيصمه بأنه خارج على القانون الدولي، ولذلك ربما يعيد بوتين التفكير في الأمر.
هذا ويتعين على الأوكرانيين ترك الباب مفتوحا أمام بوتين للتراجع.
وأول شيء يتعين عليهم فعله هو ضبط النفس إزاء العدوان الروسي، وألا يكونوا أول من يطلق الرصاص.
ثانيا عليهم يوضحوا باستمرار أنه لا يوجد خطر على المواطنين الروس ولا المتحدثين الروس في أوكرانيا، وأن الحكومة الجديدة في كييف تنوي تمثيل وخدمة كل الأوكرانيين. ولعل قرار الرئيس المؤقت اولكسندر تورشينوف بالاعتراض على تشريع للتقليل من درجة اللغة الروسية تحرك ملموس يستحق الإشادة.
ثالثا، يتعين عليهم دعوة مراقبين دوليين لمراقبة الحدود الشرقية، وكتابة تقارير عن أي تحركات عدائية، وتطمين المجتمع الدولي بأن الأقليات، بمن فيم الروس، يتلقون معاملة نزيهة.
رابعا، يتعين على الحكومة الجديدة في كييف تقديم وجوه سياسية معتدلة من الشرق، بضمنهم أعضاء حزب الأقاليم الذين تبرأوا من الرئيس فيكتور يانكوفيتش الذي فر الشهر الماضي.
خامسا، على الحكومة الجديدة في كييف أن تجلس مع بوتين في حضور وسطاء دوليين، وبحث العودة إلى ما قبل الوضع الراهن أو التوصل إلى حل وسط يتفق عليه الطرفان، ومن الممكن أن يستند إلى حكم ذاتي معزز للقرم داخل أوكرانيا الموحدة.
ويمكن لأطراف أخرى مد يد المساعدة، ذلك أن الأوكرانيين بحاجة إلى دعم من صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة وأوروبا، كما أنها بحاجة لمعرفة مكانها في أوروبا. فإضافة إلى اتفاقية الارتباط مع الاتحاد الأوروبي التي يتعين توقيعها الآن لا بد من إصلاحات اقتصادية وسياسية، وعضوية الاتحاد الأوروبي إذا أمكن، حتى لو كان احتمالا بعيدا. كذلك يمكن للناتو أن يلعب دورا عن طريق الاعتراف بالخطر الذي تمثله روسيا المارقة على الدول الأعضاء، لا سيما في منطقة البلطيق.
لقد عانت أوكرانيا على أيدي القادة الروس والسوفيت لقرون طويلة ؛ ولا تزال ذكريات الإبادة الجماعية بالمجاعة التي ارتكبها جوزيف ستالين في الثلاثينات من القرن الماضي حية في الأذهان، ولن يستغرق الأمر طويلا لإشعال شرارة العنف، بل الحرب، على حد قول ارسيني ياتسنيوك رئيس الوزراء. قد يحدث وقد لا يحدث أن يقاتل الأوكرانيون، لكن يظل على أوكرانيا وروسيا وأوروبا والولايات المتحدة فعل ما في وسعهم لتجنب الحرب.

وليام تايلور* ستيفن بايفر** جون هربست*** سفراء أميركيون سابقون لدى أوكرانيا خلال الفترة من 1998 ـ 2009 خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز ـ خاص ب (الوطن(

إلى الأعلى