الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / ملامح السياسة الشرعية في مراسلات الإمام راشد بن سعيد اليحمدي

ملامح السياسة الشرعية في مراسلات الإمام راشد بن سعيد اليحمدي

أخرجَ لنا الباحثُ سلطان بن مبارك الشيباني سِفْرًا صغير الحجمِ عظيم الهالة والنفْعِ في فنّه، هذا السِفْرُ هو رسالتان في السياسة الشرعية، للإمام راشد بن سعيد اليحمدي الخروصي، وكانت الرسالتان كما يقول سلطان الشيباني “ضمن محتوياتِ أقدمِ مخطوطةٍ عُمانيةٍ مُكتَشَفةٍ للآن، وهي مجموعُ السِيَر والجوابات المنسوخ في جمادى الأولى سنة 531هـ” والرسالتان مضبوطتان “من نسختهما العتيقة المنسوخة قبل أكثر من تسعمئة عام من الآن”[1] مِنْ هنا يتَضحُ أهمية ونفاسة هاتين الرسالتين، أولا لِقِدَمِهما التاريخي، أي أقدم مخطوطة، وليس أقدم رسالة شرعية، كون كتاب “السير والجوابات لأئمة وعلماء عُمان” المنسوب للشيخ الكندي يحتوي على سِيَر ذات رسائل شرعية أقدم من هاتين الرسالتين، والسببُ الثاني لأهمية هذه الرسالة هو مُنشِؤها أي الإمام راشد بن سعيد اليحمدي، كونه كان إمامًا شاريًا، ويبدو أنه كان فقيهًا متمكنًا، وبليغًا مُصقَعًا.
لكنّ هاتانِ الرسالتان ليستا الوحيدتين للإمام راشد بن سعيد اليحمدي، بل إنّ الإمام نور الدين السالمي أوردَ له في التحفةِ رِسالَتَيْنِ أُخريينِ إحداهما لواليه على منح، والأخرى لواليه على صُحار، هذا ناهيك عن عقد الصُلْحِ الذي عقَدَهُ لتجاوز حادثة عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، ومع أنّ الباحث سُلطان الشيباني أرادَ أنْ ينشر هاتين الرسالتين مُستقِلّتين ضمن “ذخائر عُمان الأشتات المؤتلفات” غير أني تمنّيتُ لو أضاف رِسالتي الإمام لِواليَيْهِ على منح وصُحار ضمن هذا السِفْر المطبوع، ليكتملَ لنا جُزءٌ مِنْ أجزاءَ رسائل السياسة الشرعية لهذا الإمام خاصة، ولتكون مرجعًا وذاكرة للسياسة الشرعية التاريخية للعمانيين والمُسْلمين بصورةٍ عامة، هذه الذاكرة التي تطورتْ وبُني على أضوائِها آراءٌ فقهيةٌ جديدةٌ على الدلائل الشرعية الثابتة. ومِنْ ذلك الرأي الذي تمنيتُهُ سأحاولُ الاِلمام بهذه الرسائل للإمام راشد بن سعيد اليحمدي قراءةً توضّحُ أهم ملامحها، غير مُتَشَيِّئَةٍ أنْ تفَنّدَ أُصولَها الفقهية أو باحثةً لأسبابها التاريخية، فذلك يحتاجُ ما لا يتّسِعُ له هذا المقال، ولا أطالُهُ بعجزي وضعف فهمي.
رسائل الإمام في السياسة الشرعية:
يهتمّ الفكر السياسي الإباضي بمسؤوليات الإمام كما عرّف حقوقه، وأفردَ لذلك المساحات الواسعة في كتاباته في فن السياسة الشرعية، لذلك كان على الإمام أن يتفقد ولاته ووزراءه وسائر الموظفين عنده، فإن اطلع على خيانة من أحدهم عاقبه، وعزله، و»إذا رفع إليه المسلمون مظلمة من عامل، قبل منهم ورد عماله ورعيته إلى الحق…« وعليه »أن يعزل الوالي إذا شكته الرعية ولا يكلفهم عليه البينة: أنه قد أحدث حدثاً يستحق به العزل، ولكن يعزله ويولي غيره)[1] وهذه الرسائل الشرعية التي عُرف بها الإمام راشد بن سعيد، تكشف جانبًا مِنْ جوانب شخصيته، منها الجانب الإداريّ والإستراتيجي، فالإمامُ كان يكتبُ بعض رسائلهِ بخطّ يده لِمُختلف طبقات حكومته من ولاةٍ وقضاة وقادةٍ عسكريين، وهذا يعني اطلاعه على كلّ شوارد الأمور صغائرها وعظائمَها، وكان على معرفةٍ بكل أطراف وتفاصيل القضايا، أحداثا وشخوصًا، فيكون وجها لوجهٍ، أي “قيادة الدولة مع المسؤولين تحت إمْرَتِهِ” ، أولًا بالتوجيه الإداري المغلّف بالنصح والتوجيه أو الأمر بالحزم، فيكون هذا إذا اقتضى الأمر حُجّة ودليلا على مشروعية “العمل بالقضاء والسيف”، إضافة للترتيب الإداري الذي عمل به الإمام راشد بن سعيد، فكان يواجه بالتعامل ويوجه الخطاب لمن يستلزم معهم الخطاب الرسمي، كما هو الخطابُ مع “أبي غسان مالك بن شاذان” ، أو إنه يُخاطب واليَه لحزم الأمور، كما هو الوضع في رسالته لواليه على منح، بل إننا نجدُهُ يُصرِّحُ بالتراتبيةِ الإدارية وذلك في رسالته لأبي المعالي محمد بن قحطان بن محمد بن أبي القاسم، الذي يبدو أنه كان واليه على صُحار، فبعد المقدمة الموشّاةِ بالآيات القرآنية ذات الفحوى الوعظي للنصح والإرشاد، -وهذه صفة عامّة في معظم رسائله تنمّ عن تقوى وعِلْمِ – نجدُهُ يحثٌّهٌ على المساواة بين الرعية، وهي قيمةٌ تتكرر أيضًا عند الإمام راشد بن سعيد حتى في رسالتِهِ ومحاججته لأبي غسان مالك بن شاذان، فيقولُ لواليه على صحار: “ولا تمنع تقية أن تساوي في الحق بين وضيع الناس وشريفهم، وقويهم وضعيفهم، وبغيضهم وحبيبهم، وبعيدهم وقريبهم، وقد جعلتُ حماية صحار وما يتّصل بها من “العفة” إلى “صلّان” إليك وعوّلتُ فيها عليك، فَقُم فيها، ولَّيْتُكَ مِنْ ذلك حقّ القيام، واستفرغِ الطاقة منك بالجهد التام، وشمِّرْ فيه عن ساق الجد” ويتضحُ لديه حسُّ الترتيب الإدارية في نظام دولته في صرامته ونهيه له في تعدّي المحظور، ولو اضطرّه الظالمون لذلك فيجبُ عليه أنْ يرفع الأمر إلى (القاضي بصحار حتى يحكم عليه بما يلزمه من فعله ويعاقبه بما يستحقه على فعله، ….، وكُنْ للقاضي أبي سليمان مناصرا ومُعاونا ومُؤازرا، فقد أوجبت له ذلك عليك ما دام في حكمه عادلا، وبطاعة ربه عاملا).
أما رسالته لواليه على منح أبي محمد عبدالله بن سعيد فتدور في الفَلَكِ نفْسِهِ تقريبا، وهي التوجيه والإرشاد فيما يخصٌّ أمورَ الدولة، لكنها تتضمن توجيهًا أمنيًا حازمًا لِحِفْظِ الاقتصاد الوطني، بأنْ يأخذ بالحزم على مَنْ يدّعي أموالًا ليست له، وإنْ جاءَ بأدلّةٍ موهومةٍ “كصكوكٍ مُزوّرة ربما” بل يذهبُ فيها لشهادةِ أهل البلد، فكتب الإمام فيها “بخط يدِهِ” “سلام عليك فإني أحمد الله إليك وآمرك بطاعة الله وأوصيك وأنهاك عن معصية الله القادر عليك، وبعد هذا فإني أُعلمك -نصَرَ اللهُ الحقَّ بك- أن الأطماع قد اتسعت في أموال الناس، وجعل كلُّ مَنِ ادّعى في مالِ رجُلٍ دعوى طرَحَ يده فيه ، والوجه أن تنادي في البلدان كلُّ من يطرح يده في مالٍ في يَدِ غيرِهِ يحوزهُ ويمنعه ويدّعيه مُلْكًا له، فإنه يُعَاقب على ذلك ولا يحصل على شيء غير العقوبة، ولا تطلب عليه البيّنة العادلة، بل يرجع في ذلك إلى قول أهل البلد، فاعرف ذلك واعمل به ولا تقصر فيه حتى تنحسم مادة الطمع ويزول الظلم وينغلق هذا الباب؛ ولا تؤخر ذلك إن شاء الله”
ومن توجيهاتِهِ العسكرية التي يتضحُ فيها قوة شكيمة هذا الإمام، أنه يطلُبُ ممن مسَّتْهُ “معرّةُ الجيشِ” أنْ يصلَ له ليأخذَ حقّه له من جيش الإمام، وهنا نشدد لفتَ النظر، أنّ المُخَاطب الآخر في الرسالة بَعْد السرِيّة هم أهل الأرض التي غزاها جيشُ دولة الإمام، وذلك عملًا بقول أنه لا يُستحلُّ أموال ولا أعراض المسلمين في الحرب، فأيّ شكيمة وعدل من الإمام راشد بن سعيد أنْ يأخذَهُ زهو القوةِ، وخيلاء الانتصار عند العدل حتى لِمَنْ كان عدوه في ساحة المعركة، وهو عدل يفوق نصحه لذلك العدو قبل الغزو، فما أحلى رسالتُهُ لبعض سراياه التي قال فيها “فإن كان أحد مِنْ أهل هذه السريّةِ قد ركب جَوْرًا وفعل فعلا منكورا فأنا بريءٌ منه،…، وما بعثتُ هذه السريّة حتى نهيتُهم عن ظُلْمِ العباد وأمرتهم بطاعة رَجُل من أهل الصلاح والرشاد، فإن كانوا تجاوزا في ذلك إلى ما لا يجوز فعليهم وِزْرُ ما فعلوه وضمان ما أتلفوه على الناس وأحدثوه، ولستُ بداخل معهم في عصيان ولا مشارك لهم في ضمان؛ فإن يكن أحد يدّعي على أحد من أصحاب السريّة حقًا فَلْيَصِلْ إليّ حتى أوصله إلى ما يجب في الحَقِّ له، وليس عليّ عِلْمُ ما غاب عني، ولا إنصاف من لَمْ يَطلب الإنصاف مني، ولن تقوم الحجة على العسكر بالخط والقرطاس، وكلام من لا يلتفت إلى كلامه من الناس، ..” فاجتماع الخصوم لا بُدّ منه، لأنه “لن تقوم الحجة على العسكر بالخط والقرطاس، وكلام من لا يلتفت إلى كلامه من الناس” .
*
أمّا الرسالتان الموجّهتان لأبي غسّان مالك بن شاذان ، الذي يبدو أنّه من وجهاء قومِهِ القبليين”العسكريين”، ومن لهم نفوذ وسطوةٌ قويّة، فهما كفِلْقَتي نواة، الرسالة الأولى فحواها طلب التدخل العسكري لحسم نزاع، والرسالة الثانية كانت شفاعة منه لإطلاق سراحٍ مُعتقل اسمه “عبدالله بن محمد بن القاسم”، وهاتان الرسالتان تُظهران نفوذُ “أبي غسّان مالك بن شاذان” وإلّا ما كان الإمام ليبعث له بجوابٍ كتلك الرسائل المطولة التي تُوجد في كتاب “الرسائل والجوابات لأئمة وعلماء عُمان” والتي تكونُ عادَة في مسألة جليلةٍ، أو حدثٍ حادثٍ، أو بين علية القوم، ولولا هذه المكانة أيضًا ما كان لأبي غسّان أنْ يتجرأ ويطلُب من الإمام راشد أنْ يتدخل عسكريًا،– وربّما كان ذلك منه جسّ نبضٍ للإمام خشية أنْ يكون ضمن البغاة، وبما أنّ سيرة الإمام أكثرُها ضائعٌ وعاش تجربة تمرُّدٍ عليه، فلا أعلمُ هل كان لأبي غسّان دورٌ مِنْ بَعْدُ في التمرُّدِ أم لا، مع العلم أنّنا لَمْ نجد مِنْ أبي غسّان ما يدلُّ أنه طلب منه معونة بالسلاح أو مددًا بأيّ شيء، مع تذكّر أنّ قوات الإمامة العسكرية في تلك الفترة كانت مكونة في معظمها من القوة القبلية العسكرية.

يونس البوسعيدي

إلى الأعلى