السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تحولات القصيدة العامية في منطقة الخليج

تحولات القصيدة العامية في منطقة الخليج

أغمض عينيك. تأمل، وحاول معي تصوّر واقع القصيدة العامية في منطقة الخليج العربي هذه الأيام؟
الشعر كائن حي يتسم بالديمومة الدنيوية، وشيطانه من المنظرين إلى يوم يبعثون. متقلب الأحوال والأمزجة. يتجدد شبابه، وتتكرر شيخوخته. يمرض حظه، وتعتلٓ حظوته، ولا يموت. لا يلبث أن ينبعث كطائر الفينيق من الرماد.
وعندما غلبت العامية على ألسنة العرب من أبناء الخليج في وقت ما، من القرنين الخامس والسادس الهجريين (رأس الألفية الأولى الميلادية) وجد الأدباء في العامية بديلاً ثقافياً لاستمرار الحركة الشعرية، بينما خفت الصوت الفصيح، وانزوى في حلقات العلم، وقرائح اللغويين على قلتهم.
وخلال القرون الثمانية التي أعقبت ظهور الشعر العامي حدثت تحولات كثيرة على أصعدة اللغة، والأوزان، ونظام التقفية، والشكل الشعري، حتى تقولب الشعر العامي في مستويات ثلاثة، هي:
١- مستوى النظم الإلقائي، وتنضوي تحته القصائد الشعرية التي تنظم بقصد الإلقاء.
٢- مستوى الارتجال اللحظي، وتنضوي تحته فنون شعرية عديدة، كالقلطة والحداء والهوبال والدارمي، وغيرها من الفنون الشعرية المرتجلة.

٣- مستوى التغني الشعري، وتنضوي تحته فنون شعرية كثيرة يقصد منها التطريب، كالسامري والهجيني والعرضة والموال والتغرودة والونة والكسرة وأغاني العمل والبحر بكافة أنواعها.
ويعدّ القرن الميلادي العشرين عصر التطورات الهائلة على كافة الأصعدة عالمياً، وعلى صعيد الشعر العامي، شهد هذا القرن دخول القصيدة العامية عوالم جديدة، ابتداء من التدوين، مروراً بالصحافة المطبوعة، والمسموعة، والمرئية، وانتهاء بظهور القنوات الفضائية، والمهرجانات الكبرى، ومواقع الإنترنت في أواخر هذا القرن، ناهيك عن ولوجها موضوعات، وأغراض شعرية جديدة.
في أوائل القرن العشرين بدأ الاهتمام بتدوين تراث القصيدة النبطية في مخطوطات أو مطبوعات رائدة، وبدأت الساحة الشعرية العامية تكسب مساحات جديدة إعلامياً، حيث حفل النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي بمئات المطبوعات التي عنيت بتدوين التراث الشعري العامي للمنطقة، ومنذ إصدار (عبد الله الحاتم) و(خالد الفرج) لكتابيهما (خيار ما يلتقط من الشعر النبط) و(ديوان النبط) في أوائل عقد الخمسينيات فتح الباب لإصدار مجاميع شعرية حوت جانباً كبيراً من ذلك التراث، فتوالت الإصدارات في معظم دول الجزيرة العربية والهلال الخصيب.
ورغم الإقليمية والقبلية التي اتصفت بها كثير من هذه المجاميع، إلا أنها قدمت في النهاية صورة بانورامية لوجه المنطقة الأدبي في القرون السابقة، كما أنها أسهمت في حفظ تراث إنساني كان معرضاً للضياع بسبب الاعتماد على الرواية الشفهية، إضافة إلى التغير السريع الذي طرأ على الظروف الاجتماعية والسياسية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وباختصار، فإن حركة الشعر العامي في القرن العشرين، كانت متسارعة الخطى، مذهلة التطورات.
وفي السنوات القليلة الماضية حدثت تحولات متسارعة في حياتنا.. الشخصية والعامة. تغير العام سياسياً ويتغير وسيتغير بوتيرة مجنونة، واجتماعياً وثقافياً أدت الثورة التقنية وتؤدي وستؤدي إلى تحولات هامة نشهد آثارها يومياً.

وليس الشعر، والعامي منه، بمعزل عن هذه التحولات، وهي تستأهل بالفعل وصف التحولات، ولا أقول تطورات، فبعضها كان إلى الأمام، وبعضها إلى الخلف، كما أن تحديد ذلك يختلف حسب توجه المتابع، وذوقه، وميوله.
وسنحاول هنا رصد أهم التحولات التي طرأت على القصيدة العامية في منطقة الخليج العربي في السنوات الأخيرة على مختلف الأصعدة:
أولاً: الصعيد الإعلامي، وآلية تناقل القصيدة
قبل سنوات قليلة تفاءلنا كثيراً، ونحن نرى وسائل نشر القصيدة العامية تتعدد بشكل كبير من خلال: (الصفحة الشعرية في الجرائد والمجلات – المجلة الشعبية المتخصصة – حركة نشر الدواوين الورقية – البرامج الإذاعية والتلفزيونية – القنوات الفضائية المتخصصة – فضاء الإنترنت – الأمسيات الشعرية – المهرجانات الشعرية الكبرى – المسابقات الشعرية المحفزة للشعراء – الديوان المطبوع – الديوان الصوتي).
ولكن سرعان ما تقلصت هذه المساحات بشكل ملحوظ، فأفق النشر الصحافي للقصيدة العامية، يكاد ينسدّ أمام الشعراء، بإغلاق معظم مجلات الشعر العامي، (إن لم أقل كلها)، أبوابها في السنوات الأخيرة، وتضعضع حال الصفحات الشعبية داخل الجرائد الورقية، مع انكساف شمس الصحافة الورقية أصلاً.
وحتى من تبقى من فلول القراء (التقليديين) للدواوين المنشورة ورقياً، انحاز لعالم الرواية الشبابية، وكتب “الخواطر” متذبذبة الهوية الأدبية، كما قلت رقعة وجودهم أصلاً لصالح القراء (المشاهدين) في عوالم التواصل الاجتماعي.
أما هوجة الفضائيات المهتمة بالشعر العامي، وفي ظل سعيها لتنمية مواردها الضئيلة، فقد تركت الشعر جانباً، والتفتت لمزاينات الإبل، وهوايات القنص، ومحاورات القلطة، وتقلصت مساحات الشعر الصرف، واختفت (أو تكاد) الحوارات والتحقيقات والقراءات التي تثري وتثقف متابع الشعر العامي.

وكذلك الحال بالنسبة لمهرجانات وأمسيات ومسابقات الشعر، فقد خف بريقها، وتناقصت أعدادها، وأعداد متابعيها، مع انحسار موجة التعلق العامي بالشعر عموماً لصالح منتجات الثورة التقنية الجديدة.
قديماً، كان الراوي أو الشاعر يلقي قصيدته على رؤوس الأشهاد في منبر، أو محفل، أو مجلس ما، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار، القول بأن الشعر ظاهرة صوتية، كما يرى بعض المنظرين، تحمساً له من بعضهم، واستصغاراً من شأنه من قبل البعض الآخر، تناقل القصيدة يعود يوماً بعد آخر إلى أصوله القديمة: بدأ شفاهياً، وعاد شفاهياً. بعد أن استنفد الكتاب الورقي دوره، (أو يكاد)، وعاد ليكون مرجعاً للحفظ، لا أداة للتفاعل مع الشعر، بعد أن عبرنا جميعاً مرحلة التناقل عبر الوسيط الورقي لمدة قارب الستين عاماً، وها نحن نعود لتناقله شفاهياً، عبر إعلام مرئي (مشاهَد): في تلفزيون، أو يوتيوب، أو انستغرام، أو سناب، أو عبر رابط في الواتس أب وتويتر.

ثانياً: على صعيد شكل القصيدة
جسم القصيدة أصابه الضمور: بدأ رشيقاً سامقاً في القصائد الطويلة، وفي حقبة الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ومع رسوخ قدم الصحافة الشعبية، بدأنا نرى محاولات تكثيف النص في (7 – 10 أبيات) في زمن (البدر والفيصل ومساعد ونايف وفهد)، وأصبح عدد الأبيات العشرة يعد كافياً لإنجاز قصيدة تعتبر طويلة، بعد أن كان هذا العدد من الأبيات في عهود سابقة يخرج النص من دائرة القصيدة إلى دائرة المقطوعة القصيرة.
وبالإضافة إلى الكم، بدأت القصيدة تتخلص من مفهوم الرسالة التي يتوجب لها مقدمة ومتن وخاتمة، بحيث صار الشاعر يلج موضوع نصه مباشرة، وينتهي بنهاية ذلك الموضوع.
ثم عاد جسم القصيدة إلى الطول في زمن (ضيدان وحامد وجار الله)، إلى أن جاءت الضربة القاصمة بقرار تقني عالمي، عبر برنامج تويتر، وقيد الـ 140 حرفاً، والذي جعل كثيراً من الشعراء يقصرون إبداعهم على البيتين أو الثلاثة بالكثير، للتكيف مع هذا القيد التويتري.
ونتيجة لهذا (الريجيم الإبداعي)، نلاحظ أن عدداً لا يستهان به من شعراء الساحة بدأوا بإصدار دواوين شعرية، مؤلفة من مقاطع لا يزيد عدد أبياتها عن عدد أصابع (الدجاجة).
وكم نتمنى أن يؤدي هذا الريجيم إلى تكثيف النصوص فكرة وصورة ولغة، لا أن يسبب استسهالاً للنظم، فقصر النص لا يعني البتة قصوراً في الجرعة الإبداعية داخل النص، وهذا ما نتمنى أن يعيه الشعراء (التويتريون) جيداً.

ثالثاً: صعيد دور الشاعر
دور الشاعر تحوّل هو الآخر، بسبب التماس شبه المباشر بالمتلقي في مواقع التواصل الاجتماعي، فانقاد الشاعر نحو رغبة الجمهور، وعلى العكس من رغبتنا باستغلال الشاعر العامي هذا التماس لأداء دوره المهم كمثقف يحمل رسالة تجاه جمهوره، صارت أحلام النجومية والشهرة، و(الرغبة في التكسب المادي والمعنوي) هي المحدد الرئيس لما يقدمه الشاعر من نتاج، وبالتالي صار الشاعر تابعاً للذوق السائد، وصدى لأصوات الوضع السائد.
فإن تأقلمت لهجة الجمهور (من الإقليمية)، تأقلم الشعراء ونصوصهم معها، وبعنصرية، وإن شاعت هوجة المدح هاجوا معها، وإن مالت الكفة للفخر مالوا معها، وإن شاعت المطولات أطالوا، وإن تقصقصت تقصقصوا، ومع الخيل يا شقراء!!

رابعاً: صعيد المدارس الشعرية
كان لدينا مع بداية القرن الحادي والعشرين ثلاث مدارس شعرية واضحة المعالم تكاد تكون متبلورة، ينتمي إليها الشعراء، وتنضوي تحت لوائها نصوصهم، ويمكن تحديدها كالآتي:

مدرسة القصيدة التقليدية بشكلها الأصيل، وأفكارها السائدة، وطريقة التناول المألوفة.

2. مدرسة التجديد على صعيد الألفاظ، والصورة الشعرية، والموضوع، مع المحافظة على الشكل الموروث للقصيدة النبطية من حيث الوزن والقافية.
3. مدرسة القصيدة الحداثية، والتي استوردت مفهوم الحداثة من الشعر الفصيح، فبدأت تحاول الخروج على الأطر المتوارثة، فظهرت قصيدة التفعيلة، بل وبدأت محاولات لم تتكلل حتى الآن بالقبول والرسوخ للاستفادة من قصيدة النثر الفصيحة في عوالم الشعر العامي.

وهنا لنا وقفة،
لقد فشل مشروع قصيدة الشعر الحر (التفعيلة) في أن يأخذ لنفسه مساحة لائقة في منطقة الخليج العربي، وفي تشكيل مبدعها، وحشد متلقيها العامي في ساحتنا الخليجية!، هناك نجاح لأسماء قليلة، وهناك قبول غنائي لها، وهناك منظّرون ومبشّرون يحاولون دفع التجربة إلى الأمام بأيديهم المجردة.
وهكذا يظل الشكل (النبطي) الموزون المقفّى مسيطراً على الشعر العامي، والمساحة الإعلامية المفرودة له، وعلى القنوات الفضائية المهتمة بالشعر العامي، والمسابقات الشعرية السخية المتابعة جماهيرياً.

ولكن لماذا كان هذا الفشل؟
تعالوا نتذكر أولاً أسباب ظهور قصيدة التفعيلة في الشعر العربي الفصيح في منتصف أربعينيات القرن الماضي، وانتشارها، وذيوعها!
كانت الأسباب في رأيي تعود إلى انقياد للشعر العالمي الحديث، وتأثير الشعر المترجم على ذائقة الشعراء، بالإضافة إلى الشعور بعدم مقدرة الشعر التقليدي للقصيدة على الإتيان بالجديد المبهر!

وقد ساعد هذا الشكل وجود موجة من المبدعين الحقيقيين الذين حملوا لواء قصيدة التفعيلة، ورسخوه في قلوب المتلقين، من أمثال السياب ونزار قباني وأمل دنقل ومظفر النواب ومحمود درويش وسعدي يوسف، وغيرهم.
ولكن هل تولدت ظروفاً كهذه للشعر العامي في منطقة الخليج، مثلما تولدت للشعر العامي في مصر مثلاً، بوجود جاهين والأبنودي ونجم؟
وهل تحمس رواد القصيدة الحرة في الخليج، وقادوا مشروعهم، ووجهوا الذوق العام إلى آفاق الحداثة والتطوير في اللغة والشكل والتوجه، وظلوا مخلصين له حتى النهاية؟
أترك الجواب لكم!
ولكن فشل قصيدة التفعيلة رغم إمكانية نجاحها، لا يعني إعلان الهزيمة القاضية للشعر الحديث!
فحداثة الشعر تسربت إلى عمق القصيدة المغرقة في تراثية مفردتها، وأصالة شكلها الفني.
وهكذا يرفض الشعر العامي انطباق مسيرة الشعر الفصيح عليه، مؤكداً خصوصيته الفنية، ولذا فإن نجاح الشعر الحر الفصيح في تقديم مشروعة الجاد بشكل ناجح جداً لا ينسحب على حالات إبداعية أخرى!

خامساًً: صعيد بنية القصيدة العامية
حدث تحول واضح على صعيد المفردة واللفظ، مع ظهور جيل متعلم ومثقف من الشعراء العاميين، وبدأت القصيدة النبطية تقترب شيئاً فشيئاً من منطقة اللغة الوسطى المشرئبة أعناقها إلى اللغة الفصيحة، والتي لا يصعب فهمها على أي عربي من المحيط إلى الخليج.
وداخل النص حدث تحول على صعيد الصورة الشعرية، فلم تعد الصورة هي وحدها المستسقاة مما هو معاش ومتوارث من الصور البسيطة، بل بدأ الشاعر يبحث عن تركيب الصور الجديدة بل والمعقدة أحياناً لتكوين علاقات جديدة بين الأشياء وغير مألوفة وواردة أحياناً.

كما حدث تحول على صعيد الأغراض الشعرية وموضوعات القصائد، فمع تطور الحياة وتعقيداتها لم تعد الأغراض الشعرية المألوفة من مدح، وحماسة، وفخر، ورثاء، وغزل، وشكوى، ونصيحة، وما شابه قادرة على احتواء موضوعات.
فبدأت تظهر موضوعات وأغراض جديدة كالهم القومي، وقضايا الإنسان، والتفاعلات العالمية في مجالات الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وغير ذلك من موضوعات تطلب ظهورها تجاوب الشاعر مع قضايا عصره، وتطوراتها.

سادساً: صعيد النقد والدراسات البحثية:
ومن التحولات التي شهدتها العقود الأخيرة، ظهور حركة نقدية ناشئة، ونزعة بحثية جادة، فيما يتعلق بدراسة الشعر العامي في منطقة الخليج العربي.
بدأ النقد الشعري في عالم القصيدة العامية ينتقل من ارتجالية الانطباعات الشفوية لدى بعض المتذوقين الحاذقين، إلى ظهور حركة نقدية، وبدأ التنظير النقدي يظهر في مقالات وكتب خاصة، وبدأت تبرز لنا محاولات جادة لتطبيق النظريات النقدية الحديثة على النصوص الشعرية العامية، ولكن هذه الجهود ما تزال بحاجة إلى رفدها، ودعمها بجهود أكثر، سواء برفدها بأسماء أكثر، أو خلق مساحات جديدة لنشر نتاج النقد.
كما أن الدراسات البحثية بدأت تكثر حول الشعر العامي في منطقة الخليج، وكثير منها يتخذ من شروط البحث الأكاديمي منهجاً لعمله، إذ لم يعد مقبولاً تلك الكتب العفوية، بدائية المنهج، سطحية المحتوى، وهي إن تواجدت، فيجب ألا تقبل سوى في إطار كتب الإمتاع والمؤانسة!
ومما يدل على أننا أمام تحول إيجابي في مجال نقد الشعر العامي ودراسته هو ذلك العدد من المؤتمرات والحلقات النقاشية والمحاضرات التي تعقد لهذا الغرض، وبعضها قامت بتنظيمه جامعات ومؤسسات أكاديمية في المنطقة مما أنهى، أو يكاد، القطيعة السابقة بين هذه المؤسسات وشعرنا العامي.

……

ختاماً
هذه كانت محاولة متواضعة لرصد أهم التحولات التي طرأت على القصيدة العامية في السنوات الأخيرة، وهي تحولات متسارعة تحتاج إلى تلاقح الأفكار، وتبادل الآراء، والأهم من رصدها، هو استغلالها، وتوجيهها نحو الرقي بالواقع الشعري، فالشعر العامي هو رافد من روافد ثقافتنا وحضارتنا، ومنجزنا الذي سنورثه للأجيال، ونعبر به عن واقعنا، وأحلامنا، وانتصاراتنا، وانكساراتنا.

ألقيت هذه الورقة في ملتقى عمان الشعري الخامس

إبراهيم الخالدي
كاتب وشاعر كويتي

إلى الأعلى