الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الأشكال السّردية والفنيّة في القصة القصيرة جدا ( 2 ـ 2 )

الأشكال السّردية والفنيّة في القصة القصيرة جدا ( 2 ـ 2 )

إعداد: عزيزة الطائية

4. توظيف الكائنات الحية
لا يخفى أنّ قصص الحيوان والهوام الأخرى، كالنّملة والفأر والكلب والذئب إلخ على سبيل المثال، كانت في الغالب موجهة بفكرتين في الحكي القديم:
- انتقاد الواقع وإصلاح عيوبه
- توفير شروط التّشويق بالنسبة للقارئ، أي: اختصار واحد من أهم العناصر الجمالية للحكي، وهو عنصر التّمثيل الرّمزي.
ولا نعتقد أنّ (القصة القصيرة جدا) تختلف كثيراً في نوعية علاقتها بقصص الحيوان عن الفنون القصصية الأخرى قديماً وحديثاً، مثل النّوادر العربية التّوجيهية والقصة القصيرة. في (الق الق ج) أصبح موجهاً أساساً للقارئ، نجد لدى الكاتب وليد النبهاني قصة بعنوان (بديهة) يقول فيها: “الذّبابة تطير منذ مدة، والضفدع ذو اللسان الطويل لا يستطيع أنْ يلتقطها طائرةً بسبب بطء بديهته. ستسقط الذّبابة في الأرض كي يلتقطها الضّفدع، وستزحف بديهته ببطء إلى أنْ يحدث ذلك”20
نجد للخطاب المزروعي (ق ق ج) مكثفة بعنوان (فقد)، يقول فيها: “قبيل المغرب أخذ العصفور يتنقل بين غصن الشجرة وعمود الكهرباء، كان يحمل حبة قمح في منقاره. غاص بين وريقات الشجرة وأغصانها، أخذ يزقزق زقزقة تفطر القلب، بعد أن اكتشف سقوط عشه سقطت حبة القمح قبل أن تسقط دمعته”21. التّعارض القائم في هذه القصة بين التّنقل والسّقوط، وبين العصفور وحبة القمح له دور رئيسي في تحريك أسئلة ما حول الدّلالات الخلفية للنّص. كما أنّ قلب الوضعية المعتادة لعملية السّقوط، يعمق البعد الدّلالي لسقوط حبة القمح قبل سقوط الدمعة؛ وهنا بالذات يكمن المدلول الإنساني والقيمي، لكن كلّ المعاني تبقى في حيز الاحتمال لا غير. تقوم القصة بكاملها على المفارقة الدّالة؛ فإن تكون إنساناً حالما ليس دليلاً على أنك سعيداً كالعصفور، وجعل العصفور هنا يعبر عن حاله بتقنية تمثيلية؛ لتسريب موقف الكاتب الضّمني من إشكالية الحياة الإنسانية.
هذا ما يؤكد أنّ (الق الق ج) في عُمان التي وظفت الحيوان والكائنات الأخرى، جعلت من أولوياتها الدّفاع عن القيم الإنسانية ومحاولة المشاركة الفعّالة عن طريق الكلمة المبدعة لتغيير السلوك البشري السلبي.
في نماذج قصصية أخرى يتم توظيف (الكلب)، لما له من ارتباط بالإنسان، ولما يحمله من دلالات (منحطة) في الثقافة العربية على الخصوص، وأحيانا تستغل –تخييليا- صفاته الحميدة، وأهمها الوفاء؛ لبناء الدّلالات الرّمزية في النّص، هذا ما نجده ماثلاً في (ق ق ج) لحمود سعود، حاول من خلالها أنْ يثير أسئلة حول الواقع السيئ، لكن بطريقة إيحائية تعتمد أولاً على نباهة القارئ، وثانياً على استحضار ظروف الواقع الاجتماعي المعيش.تصور هذه (الق الق ج) وعنوانها: (كلب) طفلاً يسرق كلب جده يسرق أحلامه، ومع موت الكلب والجد ظل نباح الكلب يطارده في كل الأرصفة والأحلام. “(…) مدّ الكلب قائمتيه، رفع رأسه إلى السّماء. فتح فمه للنجوم، ظل يمتص بلسانه حلم الطفل من كل النّجوم. بلا حلم، بلا ماء بلا نجوم ظلّ يحترق عطشاً… تمدد على فراشه مرة أخرى، ظل يلعن الكلب ويلعن الشياطين حتى أذّن حميد بن ناصر لصلاة الفجر. مات الكلب ومات جده، ولكن ظلّ نباح الكلب يطارده في كل الأرصفة والأحلام والقرى والمدن”22. هذه القصة تثير تساؤلات كثيرة، وهي قابلة لنقاش حاد حول موضوع الحرية والقيد والواقع العنيف، الذي يسيطر على أحلام الطفل، لا بدّ من تحويل مدلول التّخييل في هذه القصة إلى وضعية الإنسان في الواقع، فهو مخير بين وضعين مأساويين أحلاهما مرّ-كما يقال- في الحالة الأولى يفقد كرامته وهو طليق، وفي الثانية يفقد حريته وهو قانع بالفتات. تطرح هذه (الق الق ج) سؤالاً متعلقاً بالجانب الذي تمّ استثماره في هذا الكائن الأليف: هل الوفاء أو الوضاعة؟ نستطيع أنْ تستبعد الدلالة الأولى، لأنّ القصة لا تشير إلى أي مؤثرات سياقية تؤكدها. بينما بينما يبدو أنّ الكلب حين توفي صاحبه (الجد) سيطر برعب على أحلام الطفل. هنا تأخذنا القصة بالضرورة إلى توسيع مجال التّأويل: ليشمل حياة المجتمع الإنساني التي لا تخلو –أحياناً- ممن يمكن وصفهم بالكلاب الشّرسة، هل يمكن أنْ يكون الكاتب فكّر في جميع هذه الدلالات التي تحدثنا عنها؟. المهم أننا حاولنا القيام بتأويلات افتراضية؛ بناء على ما تقدمه هذه (الق الق ج) من معطيات سيميائية، دالة إيحائياً على كل ما قدمناه من تأويلات.
سنجد عند القاص وليد النبهاني يوظف (الدّيك) وبطريقة مباشرة تحمل بعض (العنف المقصود) في الكتابة السّردية، بدأت القصة هكذا: “يئس الديك من بلدته حين لم يعرف كيف يجعل من صياحه ثروة فيها، فقصد بلدة لم يكن بها ديك على أمل أن تستيقظ على صياحه لتقتات بما تناثر من ذهب الشمس في الصباح الباكر…”23.
وسنرى في قصة أخرى لسعيد السيابي توظيفاً موفقاً، النبات بصورة مكثفة الصياغة بعنوان (ميلاد): ”
“غرست ثلاث بذور.
نبتت واحدة.
أنتجت ثلاث سنابل”24.
استخدام غرس النبتة جاء ترميزياً، والغاية الأساسية من مثل هذه (الق الق ج) هي إدانة جشع الأنماط البشرية التي تدوس كلّ القيم المعتمدة في الواقع، وتهدر كرامة الآخرين. ومن الملاحظ أنّ (الق الق ج) في عُمان كمثيلاتها في الوطن العربي -على العموم- اتجهت نحو هذا الهدف الأساسي الأخلاقي في معظم نماذجها الموفقة؛ ولعل ذلك يرجع إلى ما تتعرض له الكرامة الإنسانية في شتى المجالات والمواقف من إهدار منهجي. فالعالم الحالي بما يشهده من صراعات وحروب ومجاعات وهجرة وهيمنة الشركات العالمية الكبرى، وخضوع القيم لمنطق الرّبح والخسارة، جعل الإنسان معرضا أكثر للمظالم، وساهم الأفراد أنفسهم –أحياناً- في تقوية الاتجاه نحو السّخرية من القيم واعتبارها خيالياً، إنسانياً، عديم الفائدة؛ وكان لا بدّ أنْ يأتي رد الفعل المضاد من الإبداع السّردي الذي تكيّف مع ظروف العصر ومقتضيات الإيجاز والسّرعة؛ ليعيد إقامة بناء صرج القيم. تكتب ليلى البلوشي (ق ق ج) بألياف المعاناة الإنسانية، عنوانها: (تحد) “في لحظة ما، قام بجمع المصاعب والكوارث والهموم التي اجتاحت حياته دفعة واحد وصنع منها سلما للصعود…!”25. في نفس الاتجاه يرسم حمود سعود صورة قاتمة عن السلوك البشري اليومي بما يعبر عن فساده، وتفسخه لقصة بعنوان (شاعر وثلاث مقابر): “صباحا دخل المقبرة. بدأ ينثر البكاء على صمت الموتى. بكى وبكى بهستيرية. جرح بكاؤه قدسية المقبرة. خرج منها. لم يدرك لماذا بكى إلى هذا الحد. بعد الظهيرة دخل المقبرة الثانية، أخذ يضحك ويضحك و…. ضحك بصمت لكي لا يشاركه الموتىفي ضحكه. خرج من المقبرة؛ وهو لا يدرك لماذا ضحك إلى هذا الحد. ليلا دخل المقبرة الثالثة. نام في لحد قبر، أخذ يردد بصوت حزين شعرا وغناء؛ في هذه المرة فقط أدرك لماذا أنشد شعرا”26.
5. علاقة القصة القصيرة بالشعر
يدفع الحس الإنساني القاصين الجدد إلى تصيد المواقف والدّلالات الشّعرية في قصصهم الق جدا. وهناك من يعتقد أنّ الفن القصصي الجديد يجسد بخصوصياته البنائية موقفاً شعرياً؛ وهذا ما يجعل مقارنته أيضاً بقصيدة النّثر مستحضرة على الدوام، وودلالة ذلك أنّ الشعرية لا تتجسد في القص بالضرورة من خلال الزّخارف أو الصّور الاستعارية والكنائية، بل هي حاضرة أيضاً باعتبارها موقفا أصيلا تمتلكه الذّات في مواجهة العالم. ومن النماذج الملتبسة بقصائد النثر، نجد القصة التالية للخطاب المزروعي بعنوان (خط): “كان يرسم خطاً أحمر في غرفته المغلقة. تلطخت يداه كثيراً تلك الليلة، وبقي داخل غرفته محاطاً بالخطوط الحمراء”27. فالإضافة إلى الطّابع الشّعري، والتّعبير عن هموم الذّات، نجد استخدام المفارقة بين: (كان يرسم/ والخطوط الحمراء، ولا يغيب في هذا النّص البعد الإنساني الماثل في دورة العمر الضائعة. وهذا النّوع القصصي يبدو ملتبساً –كما نرى- بقصيدة النّثر. تعتمد جمالية النّص على المعطيات الشّعرية التصويرية في المقام الأول، وبعد ذلك يأتي إيقاع الكلمات والجمل، مع استعمال السّجع الخفيف الذي لا يعيدنا إلى الأساليب المثقلة بالمحسنات اللّفظية، بل يبتكر سلاسة أسلوبية جديدة تنتقي من الكلمات لا يتعثر فيه اللسان من حيث اختيار الحروف المتقاربة المخارج. وكثيرا ما اعتبرت بعض اللقطات الشّعرية مجرد قصص ق جداً؛ نظراً لاعتمادها على السّردي، من ذلك بعض الشذرات الشعرية.
كان بودنا أن نتطرق إلى الحديث عن علاقة القصة القصيرة جداً بفنون أخرى غير سردية لولا أننا نرى قصص هذا المبحث على تناول علاقة هذه القصة – بحكم طبيعتها التجنيسية السّردية- بأنواع وأجناس من داخل دائرة السّرد28. فقد وقفت النّاقدة سعاد مسكين عند علاقة القصة القصيرة جدا بالقصيدة، ولا سيما قصيدة النثر، فرصدت مظاهر حضور الثانية في الأولى حاصرة إيّاها في ثلاثة، هي: الإيحائية، والكثافة، والإيقاع. ومن وحي هذه العلاقة نحت بعضهماصطلاحا لتسمية مفهوم القصة القصيرة جداً، هو الأقصودة، وينضاف إلى المظاهر الواردة في كتاب سعاد مسكين نقطة أخرى تعكس الحضور الشّعري في القص القصير جدا مخيالا ولغة، فقد أشار جاسم خلف إلياس إلى بعضها في قوله: “يتحدد التنافذ الشّعري السّردي – تحديداً قصيدة النثر أو الومضة –بالكثافة، والخيال، وقوة الأسلوب، والاستعمال الإيحائي للكلمات؛ إذ تجود اللغة بأقصى طاقاتها التعبيرية دون الابتعاد عن الطّابع السّردي، فالضغط النّوعي المتولد من تماس قصيدة النثر، أو قصيدة الومضة، مع القصة القصيرة جدا يحاول استلاب هويتها في حدّ يصعب التّفريق بينهما”. وانفتحت (الق الق ج) على فنون أخرى بصرية كالتشكيل والسينما، واستفادت منها، ونعتقد مثل هذه القضايا بحاجة ملحة إلى أن تبحث.
نجد نفس الطريقة في الجمع الشّعري والسّردي في نطاق الشذرة التّعبيرية المعتمدة على الإيقاع في ما كتبته رشا أحمد في ديوانها (ضجر الخسارات)، حيث تقول:
“في خانة العشّاق المظلمة
جلست على أريكة الانتظار
بمعطفها الأسود الثّقيل
كاشفة خيبتها، عارية الشّوق، قصيرة الأمل
تعيد ترتيب أقداح خمر العشق في شفتيه
تفتش عمّما بقي من ملامحها”29
أما فتحية الصقري في ديوانها (نجمة في الظل)، تقول:
“هناااك…
على السّاحل المنسي
زهرة تتبتل
لا غيم يفضّ وحدتها
لا منديل…
يمسح وجنتيها الغبار”30.
وكثيراً ما اعتبرت بعض اللقطات الشّعرية مجرد قصص قصيرة جداً؛ نظراً لاعتمادها على الطّابع السّردي، من ذلك بعض الشذرات الشّعرية لعبدالله حبيب، نتذكر منها على سبيل المثال:
“في آخر كل ليلة
يبحث النّجار عن نثارات الخشب
وأنا يهطل عليّ صوتها”31
أما عبدالله البلوشي، يقول:
“زمن لم يجف
طفل يتمدد في عزلة الموت
يصرخ في قبره المقفل:
الكون فوهة فناء
رماد
أنت أيّها العشق”32
يتفاعل الحدث السّردي في هذا المقطع من خلال الحكي الموجود بين قوسين، ويروي فيه الشاعر مأساة الإنسان –إذا ما اعتمدنا على المؤشرات السيميائية النّصية الدّالة، ولكنّها لم تفهم في عمقها المأساوي إلى درجته القصوى، وهو تشخيص (معرفة) (الموت)؛ فما معنى هذا الكلام؟.
إنّ منح الصفة التشخيصية لـ(الموت) يعطيعا قدرة فائقة على الإحساس بمرارة العذاب الذي لقيه الإنسان المستعبد، قدرة تتجاوز إمكانيات الإنسان نفسه؛ لذا عليه أن ينصت لما ترويه (الصراخ) من القبر (المقفل).
أستطيع القول أولا أنّ الإيقاع السّردي الشّعري ليس له رنين، على خلاف ما هو معهود في الشّعر، وكأنّ الشّاعرة يتوقع هنا بمطرقة خشبية على الساحل المنسي، وليس على صفيح نحاسي؛ لأنّ اللحظة الموصوفة تتلاءم مع ارتكاسة اللحن وانكفائه جافا على دواخل الذّات المتألمة إلى حدّ أنّها أشفقت على الزهر الذي يحملها. هذا الصوت الإيقاعي المكتوم يناسب التّعبير عن العذاب المهول، ثمّ إنّ حظوظ هذه المقطوعة من الرّمزية كافية لخدمة الغرض المأساوي إلى حدّ الفناء الصوفي في كنه الألم. يتخلق المدلول العميق للعذاب من المقارنة العكسية بين الذّات والزهرة من حيث القدرة على التّحمل، وهذا ما يمثل مفارقة تزيد تقوية درجة احتمال الذّات بالقياس إلى احتمال الصخرة، على خلاف ما هو معروف واقعياً. يقع في الجانب الآخر من هذه الصورة الشعرية المعقدة تسريب ألم الذّات إلى الصخرة، فهي حاملة للذّات وحاملة لأوجاعها في نفس الوقت، لم يكن في الإمكان جعل هذا المدلول المتشابك مقبولا لو لم يتم تحويل الزهرة إلى كائن له أحاسيس. معكوسة، (فسيزيف) هنا لا يحمل الصخرة، بل هي التي تحمله وتنوء بثقله وعذابه.
هذا النّوع من الحكي الشّعري البعيد في الدّلالات الرّمزية يبقى حاملا لكثير من إمكانيات التّأويل الدّلالي، تماما كما كانت ولا تزال الأساطير القديمة قادرة على أن تحيا بمعانيها الملائمة في كل زمان ومكان. وعصرنا هذا – بما فيه من آلام مبرحة- يجد معناه بسهولة في تضاعيف العالم التخييلي لهذه (الق الق ج): فهي أصدق تعبير عن واقعه المأساوي.
كتبت القاصة ليلى البلوشي في قصة (الأرض): “حين ثبت المولى قواعدها بالجبال وامتدت على كرويتها سهول وبحار وأنهار، كانت تحيا بكرامة، وحين وطأها آدمي التهم الأخضر واليابس؛ وفقدت..!”33. الطابع الشّعري الملحوظ في بداية القصة يبعدها عن السّقوط في النّكتة ، ويقوي بعدها الإنساني في هذا الجزء الأول منها على الخصوص. تعتمد القصة أيضا على المباغتة والإدهاش، وهو ما يُحدِث مفارقة بين الجو الرّومانسي الحالم في البداية وبين منطقة الفزع والرّعب التي دخلت فيها الذّات وسرقت منها حلمها الشّعري الجميل، هذا فضلا أنّ القصة تلامس موضوعاً مرتبطاً بالعصر الحالي الذي يصبح فيه كلّ شيء قابلاً للتدمير والتزييف، حتى صورة الإنسان تخضع لمنهجية الخداع. صحيح أنّ القصة تجنح إلى المبالغة، فالإبداع دائما يهول الوقائع ويرسمها بصورة صادمة؛ لكي يجعلها تُدرك في صورة جديدة وكأننا نقف على حقيقتها لأول مرة. لكن الصورة المرسومة لزيف حقيقة الكائن، تعد صالحة للتعبير عن حالات المبالغة في الظلم والبطش والتّغريب.
6. توظيف الرّمز والإيحاء والحلم
معظم القصص القصيرة جدا ذات القيمة الفنيّة والدّلالية تميل إلى استخدام الإيحاء والتّرميز؛ وهذا ما يقربها من الوظيفة الشّعرية، ومن القصص التي تتخذ فيها الذّات موقفاً يحضر فيه العنصر المأساوي والبعد الإنساني عن طريق الإيحاء والتّرميز. نجد هذا النّموذج لوليد النبهاني، تحت عنوان (جدار عازل): “شك شارون في نزاهة القاضي الإسرائيلي شمشون بعد أنْ وصلته أخبار تفيد أنّه يختلس مواعيد غرامية مع فتاة فلسطينية تدعى دليلة، فأمر ببناء حاجز إسمنتي كبير يفصل بينهما، إلّا أنّه غاب عن شارون أن شمشون يخفي تحت باروكة القضاء شعراً طويلاً يجعله قادراً على تسلق الجدار”34. مدلول (الجدار العازل) في هذه (الق الق ج) يتجاوز نطاق دلالة شخصية شمشون البطل الشّعبي الذي ورد ذكره في الاصحاحات 13- 16، وقصصه التي شاعت في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، لذا فالقصة تحرض القرّاء على استحضار الدّور الإسرائيلي ومآسي التّاريخ المعاصر في آن واحد كما أنّها تعمق، بجعلها ذات أثر مرجعي، فحتى الفتاة الفلسطينية/ دليلة التي تمكنت في الحقيقة من القضاء على القاضي اليهودي شمشون، حيث قصت له شعره الذي هو سر قوته، فنفذ أول عملية انتحارية في التّاريخ بتدمير المعبد على رؤوس المتواجدين فيه. الإيحاء في هذا النّص يكمن في الصّورة غير المألوفة والغريبة، التي استحضر فيها المرجعية التّاريخية وقلبها. فكل العناصر تمّ تشويهها في هذه الصورة. هذه القصة ذات بعد سياسي وحضاري بامتياز؛ لأنّها بهذا المثال الترميزي استحضرت الماضي والحاضر على السّواء، وأثارت بشكل إيحائي مشكلة السّياسة العالمية الجائرة التي تتخذها بعض الدول الكبرى. إنّها قصة مشحونة بالإدانة لقسوة السّياسة المعاصرة ونتائجها الكارثية على الحب والسّلم والحياة البسيطة التي تعود لسالف الزّمن.
فيما يخص توظيف الحلم، نجد أمثلة متعددة تستخدم فيها القصص أبعاداً تسمح بإعادة النّظر إلى مشاكل الواقع أو التّنبيه إلى عناصر الخطر، أو فك مغالق القضايا النفسية المعقدة. في هذا الصدد كتبت ليلى البلوشي (الق الق ج) التالية، وهي بعنوان (قلم): “حين قطعوا لسانه.. اعتقدوا بأنّه سيلتهم كلامه للأبد وحده، لكن روحه المؤثرة جعلته طريقة أخرى لشاركه الآخرون ولائمه”35. الاستماع إلى حال القلم قد يؤلمنا، لكنّه حينما يحكى بمثل هذه هذه المقدمة الحلمية التي لا نعرف في البداية أنّها حلم، وإنّما نكشف ذلك في نهاية القصة؛ يجعلنا لا نتألم فقط، بل نعيش المأساة وكأنّها تعنينا مباشرة، سنعرف إذن في النهاية أن صوت الكلمات لا يزال يطن من الأعماق.
بعض الصور التي تجود بها قرائح كتّاب (الق الق ج) تعمق هول الصّدمات الآتية من الأخبار الصّادمة، فعلى شاكلة ما وجدنا في النّص ترويعاً في النّفس، بحيث يتوقف القارئ ملياً؛ ليرى الحقيقة القاسية التي ربما مرّ عليها عابرا في الحياة العادية، كتب الخطاب المزروعي (ق ق ج)، عنوانها (تظاهر): “قرر أن يتظاهر. في غمرة تظاهره؛ من بين الجمع غمزته عين مخبر، من يومها وهو يتظاهر”36. صورة وقع غمزة العين في النّفس، مع ما في ذلك من الاستمرار على التّظاهر، يضاعف درجة الإصرار والآلام التي أصابت الذّات. الغاية الأساسية من هذا النّوع من القصص هو التّنبيه على أوجاع النّاس التي ما عادت تثير أحداً، ونحن نرى أخبارها وصورها تمرر أمامنا في سحابة كل يوم.
إنّ الكلام الإيحائي أو المشبع بالرّمزية يقلب جميع المعادلات أحياناً، ويدعو إلى إعادة بناء الحقيقة ابتداء من الدّرجة الصّفر، هذا ما نستوعبه جيداً من الكلمات البسيطة التي تستعمل التّشبيه العادي، ولكنّها تحرك الكيان بكامله وتجبره على إعادة النّظر في ذاته وفي علاقته بالآخرين، ففي قصة (محاكاة) كتب سعيد السيابي: “تأكل البطيخ وتضيف عليه السّكر، نهرها جدها: لِمَ كل هذا الإسراف؟!. تركت البطيخ ولم تتفوه بكلمة. جدها لا يستوعب إنّها لم تذقْ طعم الطّفولة منذ طلاق أمها، والدها الشّخص الوحيد في البيت المسموح له بوضع الملح الزائد في الطعام”37.

الخاتمة
إنّ هذه الخصائص للـ(الق الق ج)، تفتح لنا باباً جديداً لفهم خصائص هذا الشّكل الأدبي الذي يمكن اعتباره من أحدث الأشكال وأقربها منّا عهداً.
إنّ كتابة (الق الق ج) تحتاج إلى مهارة سردية، وقدرة متمرسة، لا يجيدها إلّا متمرس لفنه أولاَ، وكاتب مرهف، شديد التوتر، يملك خاصية القنّاص المتربص اليقظ. الذي يقبض على اللحظة والموقف والحدث الذي لا يتكرر، ثم يصبه في هذه السّطور المدهشة القليلة؛ ولمنّها مع ذلك قادرة على إلقاء حجر الدّهشة في بركة الذاكرة، فتنداح دوائرها حاملة آلاف الصّور والذكريات والمقارنات والمشاعر.
وأخيراً نرى أنّ (الق الق ج) تمتلك دهاء مفرط الاستشعار، وهي متسلحة بكل الأدوات التعبيرية الرحيمة والقاسية على السّواء. من يعتقد أنّها سهلة ومختزله وغير مُكلّفة، يكون قد انخدع فيها، وسقط في مهاويها. هذا ما يفسر لنا كيف أننا قد نقرأ أحيانا مجموعة قصصية منها، تحتوي على ما يقرب المائة قصة ولا نظفر بواحدة أو اثنتين تستحقات الاعتبار، وقد لا نظفر بشيء على الإطلاق.

الهوامش :

1 حميد لحمداني، القصة القصيرة جداً في أفق التّعريف وتحليل نماذج، مجلة قوافل، العدد29، ديسمبر 2012.
أحمد جاسم الحسين، القصة القصيرة جدا، انظرص42، 48، 49، 52.2
3 حميد لحمداني، مجلة قوافل، ص80.
4 لقد أفدت من تقسيم حميد لحمداني للأشكال السّردية، راجع مجلة قوافل.
5 الخبر في الأدب العربي: دراسة في السّردية العربية، محمد القاضي، منشوراتكلية الآداب، منوبة 1989، ص58، 62.
حميد لحمداني، القصة القصيرة في أفق التّعريف وتحليل نماذج، مجلة قوافل، العدد29، 2012. 6
محمد القاضي، مرجع سابق، ص64. 7
8 نعني محمد القاضي في كتابه، الخبر في الأدب العربي.
المرجع نفسه، ص89.9
المرجع نفسه، ص695. 10
وليد النبهاني، سرنمات، ص3311
الخطاب المزروعي، سيرة الخوف، ص19112
تيث: امرأة في اللغة الشحرية. الهامش، ص99. انظر كذلك صفحات الهامش: 17.9713
ليلى البلوشي، قلبها التاسع، ص80. أشارت الكتابة في الهامش بواقعية القصة. انظر هوامش الصفحات: 27، 35، 41، 68، 9214
ليلى البلوشي، المصدر نفسه، ص89.15
سعيد السيابي، رغيف أسود، ص72. 16
وليد النبهاني، مصدر سابق، ص48. 17
حمود سعود، عمامة العسكر، ص93. 18
الخطاب المزروعي، مصدر سابق، ص53.19
20 وليد النّبهاني، مصدر سابق، ص42.
الخطاب المزروعي، مصدر سابق، ص29.21
22 حمود سعود، مصدر سابق، ص85.
23 وليد النبهاني، مصدر سابق، ص25.
24 سعيد السيابي، مصدر سابق، ص73.
25 ليلى البلوشي، مصدر سابق، ص75.
26 حمود سعود، مصدر سابق، ص87.
27 الخطاب المزروعي، مصدر سابق، ص111.
28 انظر علاقة (الق الق ج) بقصيدة النثر:
- سعاد مسكين، القصة القصيرة جدا في المغرب، ص21- 22.
- جاسم خلف إلياس، شعرية القصة القصيرة جدا، ص78.
29 رشا أحمد، ضجر الخسارات، ص44.
30 فتحية الصقري، نجمة في الظل، ص21.
31 عبدالله حبيب، فاطمة، ص48.
32 عبدالله البلوشي، برزخ العزلة، ص9.
33 ليلى البلوشي، مصدر سابق، ص61.
34 وليد النّبهاني، مصدر سابق، ص36.
35 ليلى البلوشي، مصدر سابق، ص22.
36 الخطاب المزروعي، مصدر سابق، ص45.
37 سعيد السيابي، مصدر سابق، ص76.

إلى الأعلى