الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الفن التشكيلي .. وأزمة المتطّفلين

الفن التشكيلي .. وأزمة المتطّفلين

نحن اليوم إزاء عدة ظواهر من شأنها أن تنزل أكثر بمستوى الفن التشكيلي، فهذا الأخير يعاني أكثر من أي وقت مضى حمّى التطفل فيبدو انه من صرعات الموضة اليوم أن تصبح تشكيليا.
يتدحرج المستوى شيئا فشيئا أمام هذا الكم الهائل من من يسمون أنفسهم بفنانين وأحيانا عالميين أيضا، تجارب متنوعة على الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي قليلها سمين وأغلبها تشويه، تجد نفسك في دوامة كبيرة قد تعصف بكل ما تملك من قناعات ومعارف حول هذا الاختصاص. فرغم الايجابيات التي تقدمها هذه المواقع في التعريف بالفنانين ومحاولاتهم وآخر إنتاجاتهم والتواصل مع غيرهم وتبادل الخبرات …فهي تفتح المجال اكبر أمام المتطفلين على هذا الميدان سواء من أبنائه خريجي معاهد الفنون الجميلة والذين لا يملكون أي موهبة أو قدرات تقنية أو ذهنية تؤهلهم لدخول عالم التشكيل ومع هذا يتواجدون فيه وينجحون ويتخرجون ومن ثمة يمتهنونه ويهينونه. فقد جاؤوا إلى هذا العالم من باب الصدفة حيث عصفت بهم رياح التوجيه الجامعي الذي يسعى إلى سد شغور المؤسسة الجامعية دون مراعاة لخصوصية هذا الميدان والذي يتطلب حسب رأيي امتحان قبول لضمان الحد الأدنى من المعرفة والموهبة هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى يأتي المتطفلون أيضا من عشاق الألوان والجمال الذين لم يتلقوا أي تكوين أكاديمي والذين لا يمتلكون أي نوع من أنواع الموهبة، يدخلون هذا العالم الملون والمتوهج من باب سدّ وقت فراغ أو للتجول حول العالم والسياحة من بوابة الفن التشكيلي كما يعمد الكثير ممن يمتلكون المال إلى ممارسة التشكيل من باب” البرستيج” والتبجح بالمظاهر والسفر… إلى غير ذلك من النماذج.
زرعت هذه الطفيليات وسط أبناء هذا الميدان ممتصّة كل طاقاتهم الايجابية فيتواجدون قبلهم في الملتقيات والمهرجانات للتهريج ولإفساد الذوق العام وإعطاء فكرة سيئة عن الفنان والفن التشكيلي بصفة عامة وأهدافه.
والأدهى من هذا وأمر أن الكثير من الملتقيات والتظاهرات الفنية اليوم لا تخضع لشروط مشاركة وقبول فهي تقام في اغلبها لنفس العناصر تقريبا كل سنة فلا يسعى منظموها إلى البحث عن مفاهيم و محاور وإشكاليات مختلفة كل سنة وإدماج الجيل الشاب لزرع أعضاء وضخ دماء جديدة بل هي عبارة عن تبادل للدعوات بمعنى إن لم تكن منظم تظاهرة فنية في بلدك لن يكون لك مكان بينهم.
وعادة ما نلاحظ ونميز وجود هؤلاء الدخلاء عن الفن في الملتقيات منذ ملامستهم الأولى للمادة وسطح القماشة حيث يجهلون أبجديات الرسم والتلوين والتكوين ويلجأون إلى التجريد الذي لا يفقهون قواعده فتراهم يسكبون الألوان بصفة عشوائية مع دمج الأصابع والأيادي بطرق تفسد الذائقة. و حتى في المعارض الفنية تلمع أعمالهم بذلك الكم الهائل من الابتذال أو بالتقليد والاستنساخ وغياب كل محاولة اجتهاد أو بحث.
حيث يفتح باب المواقع الفنية ومواقع التواصل الاجتماعي الباب على مصراعيه لصيادي الفرص لاقتناص التجارب وسرقتها ونسبها إليهم فنرى نسخا مشوهة لعدة تجارب أوروبية وصينية ويابانية …..وحتى عربية فهناك عدة تجارب تستحق الاحترام والتقدير لما بذلته طوال مسيرة كاملة للوصول إلى إيجاد أسلوب خاص يستسيغه البعض يسطون عليه ينقلونه ويشوهونه بحرفية بالغة.
وكل هذا الكم الهائل من الابتذال لا ينسحب على الفن في عالمنا العربي فقط بل في البلدان الغربية أيضا أصبحت ظاهرة التطفل منتشرة أكثر بكثير مما لدينا وأصبحنا نرى أشباه فنانين يقومون بأي شيء وينسبونه إلى التشكيل ويروجون له وهكذا دواليك وتساهم دور العرض والجمعيات الفنية واتحاد الفنانين التشكيلين و الوزارات … في هذا اللغط.
ووزارات الثقافة وسلط الإشراف التي تموّل بعض التظاهرات لماذا لا تراقب ولا تتابع ما يحصل خلالها من تجاوزات و محاباة و سرقات وتصفية حسابات؟…
إضافة إلى إقحام من ليس لهم علاقة بالفن وإعطائهم صفة فنان هل أصبحت صفة فنان اليوم تطلق على أي شخص يمسك بفرشاة وألوان ويغتصب القماشة؟
ألا توجد مقاييس محددة لذلك؟
ألا يمكن أن نضع قوانين تنظم هذا الميدان ويعيده إلى المسار الصحيح ليقوم بواجبه تجاه المجتمع والناشئة بالتزام واقتدار؟
أنا فقط أتساءل….
ناهيك على المشاكل والصراعات العلنية و المخفية بين مجموعات وأخرى للفوز بتنظيم تظاهرة أو للحصول على منصب، وهذا الفنان محسوب على تلك الجهة والأخر على الجهة المقابلة، ولوبيات وأحزاب أدخلتنا سردابا مظلما لا علاقة له بالتشكيل وأهدافه الجمالية.
مشاكل أينما وليت وجهك مع وزارات الثقافة ولجان الشراء.. فلم يسلم ميدان الفنون التشكيلية من المحسوبية والفساد والتطّفل وغاص في الوحل وأصبح قبلة لكل من هبّ ودبّ. فانتشرت الأعمال الفنية التي تتوغل في الابتذال والبدائية والفضاضة ومررنا من مرحلة صنع الذوق السليم إلى مرحلة تصدير الذوق السقيم على جناح السرعة، ممارسات لا جمال فيها على كل الأصعدة، الأشكال والألوان والتراكيب و المضامين….، تخلي واضح وصريح عن فكرة الإبدع والمرور إلى السرعة القصوى في الإنتاج وحب الظهور لمجرد الظهور، مستندين في ذلك إما على الاستنساخ والتقليد أو على أساليب تلوح لهم سهلة كالتلقائية والعفوية في الفعل أو إلى تيارات فنية كالتجريد تسمح لهم بسكب الألوان وخلطها على سطح المحمل دون مراعاة ابسط متطلبات العمل الفني… أو العبث بالموروثات و المكتسبات كالخط العربي و الرمز والعلامة وإقحامهم في معترك وحرب فاشلة…إلى غير ذلك من الأحصنة القصيرة سهلة الركوب.
نحن اليوم أمام تحديات لم يواجهها تاريخ الفن من قبل فمثلما نحاول إيجاد الايجابيات في عدة تجارب من حولنا نشجعها و نلقي الضوء على مسارها و أهدافها وجمالياتها ليكون لنا في المستقبل تاريخ فن نعود إليه، كتاريخ يمثلنا ونتعلم منه نتركه لمن سيأتي من بعدنا. نحن أيضا مطالبون بالوقوف أمام كل متطّفل وسمسار ومسئول فاسد حتى لا يتغلغل الابتذال في الفن الذي أصبح جسدا مريضا أنهكه التعب من كثرة المتطفلين وغياب نقد حقيقي بنّاء لا يقتصر فقط على التمجيد حتى لا نقع في فخّ مغالطة أنفسنا قبل مغالطة الجيل القادم.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى