الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ

أصيلة

سيف يبحث عن أصيلة منذ أن كان في التاسعة من عمره وحين وجدها وقف مذهولا وقد اعتراه فرح لم يشعر به من قبل ابدا عرفها من الوهلة الاولى هي هي التي في ذهنه لا شك في ذلك، سيف عشق الفلسفة والرحيل الابدي والطبيعة والمدن، مدينة العين لندن باريس سويسرا البندقية شيراز وأصيلة امرأة عن ألف امراة وسيف يطيل السفر ويكره القرار في مكان واحد يعبر القارات، هوس السفر والعشق والجنون واللامعقول وشغف الفلسفة المثالية والواقعية والبرجماتية وتفرعاتها والتقدمية وعصر الحداثة وما بعد الحداثة وعصر التنوير وسيف يردد قول سقراط: انه لا يعرف الا شيء واحد انه لا يعرف شيئا، وأصيلة حاضرة دوما يشرب من كأس حبها دون ارتواء ويمضي في دروب شتى لا يعرف لها نهاية ولا يريد ان يعرف، وسيف لا يهدأ، عجلة تدور بشراسة واصيلة حب يوقد جذوة فكره هذا الجنون سواحل نائية شواطئ وامواج هادرة عقل وهذيان سيف مصاب بحمى العشق والجنون والرحيل.
سيف لماذا تجهد نفسك اخلد للراحة قليلا سيف ضلال وضياع هدى وتقوى علم وجهل وتجاهل وجري حثيث وراء السراب مدن ونساء وسفر واصيلة منشغل بكل هذا يا رب من يطيق هذا انه فوق الاحتمال من القى بي في هذا الأتون فليسامحه الرب قال سيف واستمر في مغامراته وتجاربه ورحيله يتعلم ويقرأ ويسافر ورأسه مرجل يغلي ونفسه قلقة، درس الشريعة والقانون والتاريخ والادب واتجه فجأة الى دراسة التربية حتى عاوده الحنين الى القانون وحصل على رخصة المحاماة وعاد الى التربية وخاض تجربة التدريس ثم الادارة، هذه سيرة الشتات وسيف يبحث عن شيء ما وعن الجديد والمثير والغريب من التصرفات يجلد ذاته ويلومها لكن شيطانه المارد يوقظه فيعود اكثر عنفوانا وجنونا تسيل دموعه في صمت ينظر الى آفاق الوجد البعيدة ويهوى الندى والقمر والنجوم والسماء والليل ويغوص في اعماق الفلسفة حتى اوشك أن يغرق سيف يا سيف وسيف يرحل والرحيل مؤلم لا ينام الليل قبل السفر ويرغب في العودة سريعا يمقت الغربة لوعة شراع سفن تائهة نوارس راحلة صباحات غربة ومقاهي الوجع ليل طويل وفنادق موحشة، قال سيف لا استطيع ان أحب كل مدينة أزورها ولا أن أعشق كل امرأة التقيها يحب اصيلة جدا وحبها أمل باسم وشمس مشرقة وحياة مفعمة بالسرور اورقت الغصون واخضرت روحه عقب جفاف حين عرف اصيلة جاءته البشرى ان العيد قادم ابتسم قلبه ورفرف الفرح حوله كان يسير وحيدا والآن الحب يرافقه وأصيلة جمعت كل لطف النساء وجمال النساء رقة الورد نقاء الثلج روعة الحياة ونظارة الشباب أصيلة تملأ حياته بهجة بعد الآن لن يسافر وحده يحمل حبها وصورتها سافر وفي فندق كواليتي ويسلي بعث لها صورته جالس على اريكة الفندق وقد بدأ هادئا وبقايا حزن قديم يلون ملامحه ورغب لو كانت معه وهو يدلف الى متحف مدام تسو ليصورا معا مع تماثيل مشاهير العالم المصنوعة من الشمع وتمنى لو أن اصيلة ترافقه لزيارة معالم لندن برفقة المرشدة التي لا تكف عن الكلام المتواصل وحين اخبر اصيلة ارسلت له وجوها مبتسمة من بريطانيا ركب السفينة الى هولندا قضى الليل مرتاحا برفقة صديقه البحر وفي الصباح جلس على شرفة السفينة وبه شوق عارم لأصيلة لو كانت بجانبه الآن يتبادلان همسات الحب امستردام والقارب الزجاجي يطوف به ارجاء المدينة وحيدا الا من طيف اصيلة كيوكينهوف ،حديقة الزهور، الاقحوان ، الربيع ، واصيلة الغائبة سيف والطبيعة والاشواق المتأججة شعور قاتل بالغربة والفراق.
يزور مصنع الجبن ومصنع الاحذية الخشبية ويرفض التقاط صور لا تكون اصيلة معه بابتسامتها الساحرة وفي كاتدرائية كولونيا في المانيا يمشي بين الشموع ويريد ان يوقد شمعة لأصيلة تضئ جنبات نفسه العشق والوله والمطر الغزير لا طعم لرحلة في نهر الراين دون اصيلة وفي هايد لبرج يبيت سيف ساهرا وبه حنين الى رمال القوع في مدينة العين وقت الضحى وشتاء دافئ وامطار تنبت عشبا مزهرا مع سيارته لوحدة بين كثبان الرمل العالية الى النمسا ومتحف الكريستال يشتري عقدا لأصيلة جبال الالب والمسارات الضيقة سحر الطبيعة والبيوت في الاودية وسفوح الجبال والثلوج ويقضي سيف ليلة في فندق يقع في سفح جبل الليل والمطر الثلج والظلام والمنحدرات المغطاة بالثلج والظلام والمنحدرات المغطاة بالكروم ويتذكر سيف صحراء الربع الخالي ودلة القهوة والتمر وبدوي يعزف على الربابة اشعار العاشقين ورياح عذبة تهب من الجنوب وفي ايطاليا يركب سيف القارب الى ساحة القديس سانت مارك وقصر دوجي وبرج الاجراس وجسر التنهدات وفي البندقية يصعد الجندول عبر القنوات المائية روما الفلاسفة والتاريخ والمسرح الروماني وفي الفاتيكان يتسلى بالنظر الى التماثيل المنتصبة بشموخ واضح فوق المباني. فلورنسا مهد عصر النهضة سانتا كروتشي هنا دفن مايكل انجلو وجاليليو، يتبادل سيف الحديث مع بنجالي سبق له العمل في الخليج العربي وعرب مغاربة يبيعون الرسومات والملابس الرخيصة ويفرون حين يأتي افراد الشرطة وشيخ تونسي يبيع القهوة والشاي على دراجته الهوائية يتألم سيف ويغادر فورا وتزدحم بداخله صور قاتمة عن بعض بلدان العرب ميلان الانيقة عاصمة التصميم ومن كل مكان يشتري سيف هدية تذكارية لأصيلة واصيلة تلزم الصمت ولا ترد على رسائله يرضى عليها ويزعل وهو بعيد عنها هل تعتقدين ان لي قلبا من حجر هون عليك يقول الرفاق مشتاق للبلد طالت الرحلة وطال الغياب جو غائم وامطار تأتي على غير موعد وغابات وانهار وبحيرات، صاح أحد المسافرين مازحا كأننا دخلنا الى الجنة ونحن لا ندري الفيلسوف يسكن اعماق سيف والبداوة تنتصر على التمدن والعشق والاسفار وترانيم الحنين وأصيلة الأمنية والحلم سويسرا جولة في جبال الالب يونجفر اويوخ اعلى اوروبا انترلاكن والمناظر الخلابة وسيف وهم الفراق اه لو أن اصيلة معي لا معنى لهذا.
التزلج على الجليد واللعب على الثلج بلدة لوتير برونين بحيرة لوسيرن ورحلة عبر القطار وقصر الجليد على قمة أطول الانهار الجليدية في جبال الالب يشتري سيف علبة شوكولاتة سويسرية لأصيلة حين سخرت البائعة منه عندما سألها إن كانت العلبة تحتوي على الكحول أو منتجات الخنزير كاد ان يبطش بها كتم غيضه وأخفى حزنا عميقا وفي الطريق بين سويسرا وفرنسا ينزوي سيف في الحافلة صامتا ومتأملا معرضا عن احاديث الركاب والنكات والضحك والمرح، ينتظر رسالة اصيلة ويتبرم من طول الطريق والسائق البرتغالي دمث الاخلاق يسأل سيف عن الحزن، لا شيء غير العشق يفعل هذا
باريس الازياء والفن والموسيقى والرقص المتاحف والاناقة متحف اللوفر لوحة الموناليزا جسر الكسندر قوس النصر ميدان الكونكورد لانفاليد الشانزليزيه الصعود الى المستوى الثالث من برج ايفل وجولة في نهر السين وزيارة لأقدم مصنع للعطور وقنينة عطر لأصيلة واصيلة حاضرة في كل التفاصيل واللحظات، وفي غرفة الفندق الصغير في ضواحي باريس تصله رسالة اصيلة مختصرة ورسمية ومع هذا يحتفل بها في مطعم لبناني وسط باريس بتناول وجبة العشاء والسهر حتى آخر الليل وفي الصباح يعبر القنال الى لندن ثم يعرج الى آسيا وفي شيراز يحكي للورد والتفاح واللوز عن حبه لأصيلة، وفي كيرلا في الهند يخوض امواج البشر والشوارع الضيقة والوحل ويرسل لها صورته وهو يركب التوك توك، وفي مسقط ينتظر زيارتها سوف يصارحها بحبه ينثر بين يديها هدايا ويقدم قلبه قربانا لها وسيف يعيش الوهم والفلسفة والرحيل والعشق الذي يلازمه يحلم ان يستيقظ من هذا الوهم ويتحرر من قيود العشق والفلسفة والرحيل في يوم من الأيام وما زال ينتظر هذا اليوم.

سالم بن نجيم بن محمد البادي

إلى الأعلى