السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / علاقة جمال عبدالناصر بعلي محسن البرواني والحزب الوطني الزنجباري تقارب أم تباعد وهل أخطأ عبد الناصر في عدم مساعدته زنجبار 1964

علاقة جمال عبدالناصر بعلي محسن البرواني والحزب الوطني الزنجباري تقارب أم تباعد وهل أخطأ عبد الناصر في عدم مساعدته زنجبار 1964

كانت سياسة عبد الناصر قائمة على دعم الحزب الوطني الزنجباري ودعم العرب والحكم العربي في زنجبار ( تابعة لدولة تنزانيا بشرق أفريقيا حاليا ً) وحركات التحرر من الاحتلال . ففي عام 1954 بدأت الإذاعة المصرية إعداد برامج موجهه للسكان في شرق أفريقيا باللغة السواحيلية فبثت 90 دقيقة يومياً ، وكذلك اهتمت مصر بالتعليم فى زنجبار فمنحت لعلي محسن أربعين بعثة دراسية لأبناء زنجبار وكذلك تم إرسال أربعة مدرسين إليها فى العام الدراسي 1961 / 1962. في الوقت الذي لقي فيه الزعيم جمال عبدالناصر شهرة عالمية خاصةً بين شباب زنجبار العربي وكانت الثقافة المصرية قوية هناك وكانت اهتمامات عبد الناصر بتنمية العروبة واهتمامه بالدائرة الأفريقية مما جعله يبدأ علاقة صداقة وتأييد للعرب فى زنجبار, وتأييد الحزب الوطني الزنجباري.
وفى أواخر عام 1955 ظهر الحزب الوطني الزنجباري Zanzibar National Party على أثر المقاطعة العربية للمجلس التشريعي وكان يتميز بأنه حزب متعدد العرقيات ونادي بالتمثيل العمومي في المجلس التشريعي وكذلك مطلب الاستقلال وانضم له مجموعة من القرويين نصف .
كان اتجاه الحزب الوطني الزنجباري إلى مصر واضحاً ففي مارس عام 1959 منعت بريطانيا على محسن وقادة حزب Z.N.P من حضور مؤتمر الأفروأسيوى بالقاهرة. وفى عام 1960 تم فتح مكتب للحزب فى القاهرة ورأس المكتب علي سلطان الذي بدأ فى نشر مجلة شهرية تحت عنوان (الفجر فى زنجبار) ومثّل سليمان مالك الحزب الوطني الزنجباري فى مؤتمرات القاهرة وأكرا وباندونج وكوناكرى وقبرص واليابان. في عام 1961 ذهب علي سلطان إلى كوبا لحضور الذكرى السنوية الثانية لثورة كاستروCastro وتم فتح مكتب للحزب الوطني الزنجباري هناك . وحصل علي محسن البروانى على 40 منحة دراسية من عبدالناصر مما جعل الحزب الأفروشيرازى( الحزب المعارض للوجود العربي ) يأخذ منحى معاكس لكسب التأييد البريطاني وكانت بريطانيا قلقة من اتجاه الزنجباريين للتعليم فى مصر وتأثرهم بالثورة المصرية. ومن القاهرة قام أحمد رشاد بمهاجمة الاحتلال حيث قام بإذاعة نشرة بالسواحيلية منددة بالاحتلال البريطاني لزنجبار (1890- 1964) وكان قد حل محل شريفة اللمكي أخت أحمد اللمكى ، وكان يؤيد أحمد رشاد زنجباري آخر وهو مسعود العبادي صاحب إذاعة أفريقيا الحرة التي أظهرت حركة الكفاح الافريقى ضد الاحتلال الاوربى مثل حركة الماو ماو فى كينيا وحركات التحرر في أوغندا وزنجبار وناميبيا ونددت بالعدوان الثلاثي على مصر وأرادت بريطانيا أن تمنع بث إذاعة صوت العرب وإذاعة أفريقيا الحرة حتى لا تغطى أحداث العدوان.
كانت مصر في عصر عبدالناصر تنوى بناء جامعة اسلامية بجزيرة زنجبار لمسلمى شرق ووسط إفريقيا وإلحاق مستشفى كبير ومسجد استقبل الشيخ علي محسن مهندسا مصريا فى يوم 11 يناير 1964 وحال الانقلاب دون ذلك. اتسعت الهوة بين زنجبار وبريطانيا عقب زيارة الشيخ على محسن البروانى لمصر 1958 وتغير موقف النائب فى مجلس العموم البريطانى من قضية دعم زنجبار إلى النقيض, وحكى عنه ( ولكن ما الداعى إلى ذهابه إلى مصر ؟ كل الافارقة يأتون إلى بريطانيا) وبدأ حملة شعواء على الحزب الوطني حيث عقد مؤتمر صحفي فى نيروبي قال فيه ( أن زنجبار يجب أن يحكمها الافارقة وليس العرب) وقرر دعم الحزب الافروشيرازى .
أما عن الموقف المصري وموقف الزعيم عبد الناصر من الانقلاب يناير 1964 فعندما وصلت الأخبار إلى القاهرة عن حدوث مذبحة ضد العرب في زنجبار أدت إلى مقتل الآلاف من العرب أرسل جمال عبد الناصر، محمد فايق ، مدير مكتب الرئيس للشئون الإفريقية الذي وصل بعد مرور 72 ساعة من الانقلاب وكان كل همه الاطمئنان على صديق له ولمصر هو علىّ محسن الذي أطاح به الانقلاب. وكان جمشيد قد رحلته بريطانيا إلى لندن وكان يحمل طلباً من جمال عبد الناصر بعدم إيذاء علىّ محسن وأكد له كارومى أن علىّ محسن لم يقتل وأنه بخير في السجن ولكنه لم يقابله ، وأخذه إلى بيته ليتأكد من وجود عائلته . وطلب محمد فايق من كارومى وقف المذابح حتى لا تأخذ بعدا عنصرياً أكثر مما أخذت في منطقة شرق أفريقيا. ويقول محمد فايق أن موقف مصر كان داعماً لثورات التحرر الوطني في أفريقيا.
ويقول محمد فايق( مسئول الشئون الأفريقية في عهد عبدالناصر) في كتابه عبد الناصر والثورة الأفريقية أن عبد الناصر وجد أن اعتراف مصر السريع بالثورة يضع حداً للمجازر ضد العرب في زنجبار التي قد تمتد إلى الساحل الأفريقي .وأن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عرض على جمشيد أن يقوى سلطانه بالسلاح والرجال لكنه رفض واكتفي فقط بطلب أم كلثوم وغيرها من المطربات المصريات.
ولقد تحدد موقف عبد الناصر فيما يلي:
1- ربما لم يكن يعي الوضع في زنجبار على حقيقته وزعم كما زعم الكثير أنها ثورة أغلبية أفريقية ضد أقلية عربية تملك السلطة والمال.
2- ربما علمّ الحقيقة ولكنه كان متورطاً في حرب اليمن فلم يكن في استطاعته أن يتورط في حرب عربية أخرى وخافت إسرائيل من أن يصبح البحر الأحمر بحيرة عربية حيث وجود القوات المصرية باليمن.
3- ربما رأى أن تدخل مصر يُؤخذ من منظور عنصري على أنها دولة عربية مما يُغضب الدول الإفريقية التي كان عبد الناصر يسعى لإقامة علاقات قوية معها للوقوف ضد التوسع الصهيوني في أفريقيا والحد منه .
4- كذلك عندما علم بالانقلاب ولجوء السلطان إلى المملكة المتحدة وقيام نظام جديد وجد أنه من الحكمة الاعتراف بالنظام الجديد حتى لا تتسع دائرة القتل في صفوف العرب فطالب بوقف المذابح .
علي أية حال فإن عبد الناصر أخطأ في تقدير الأمور وما حدث كان مؤامرة دولية اشتركت فيه ( بريطانيا – اسرائيل – تنجانيقا ) فلم يكن في استطاعة عبد الناصر الوقوف ضدها واعترف بإتحاد زنجبار مع تنجانيقا في القاهره في القمة الإفريقية في 1964م ورحب بنيريري رئيس تنزانيا في القاهرة وقام بإغلاق بيت الزنجباريين في منشية البكرى بالقرب من منزله هكذا هي السياسة وتغير المواقف طبقا للظروف والمصلحة.

د.صالح محروس محمد محمد
باحث ومحاضر بجامعة بني سويف
salehmahrous@gmail.com

إلى الأعلى