الجمعة 28 يوليو 2017 م - ٤ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / نافذة لغوية (180) :قضية المصطلحات العلمية العربية (2/6)

نافذة لغوية (180) :قضية المصطلحات العلمية العربية (2/6)

نبعت غزارة المصطلحات العلمية في الوطن العربي من تعدُّد الجهود التي نهضت بهذا العبء القومي. وكان من البديهي أن تتفاوت حظوظ الأفراد من التوفيق في العثور على المصطلحات الملائمة للمفهومات العلمية، تبعاً لما يملكون من ثقافة وتجربة وقدرة لغوية. ومن ثَمَّ ظهرت مصطلحات عدة لمفهوم علمي واحد، وأخرى لكلٍّ منها عدد من المفهومات. وكان ذلك كافياً للدعوة إلى توحيد المصطلحات العلمية في الوطن العربي. والحقُّ أن شعور العلماء العرب بضرورة توحيد المصطلحات العلمية ليس جديداً ، لكنّه يبدو كذلـك تبعاً للإخفاق المتكرّر في تجسيد هذا التوحيد. وإذا أهملنا جهود الأفراد في توحيد المصطلحات لاحظنا أن الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية أدرجت موضوع توحيد المصطلحات العلميـة في جملة أعمال المؤتمر العلمي الأول (الإسكندرية – أيلول/ سبتمبر 1953)، ثم جمعت المصطلحات العلمية الموضوعة في الأقطار العربية وصنّفتها صنفين: صنفاً اتُّفق عليه وصنفاً اختُلف فيه، في محاولة منها للانطلاق من الموحَّد وتأجيل النظر في المختلف حوله إلى فرص أخرى. كما أشرفت الإدارة نفسها على أول مؤتمر لتوحيد المصطلحات والذي عُقِد في الجزائر بين 11 – 14 / 2 / 1964 ، وقدَّمت العون لمكتب تنسيق التعريب لينهض بجزء من هذا العبء الضخم. بيد أن النتائج التي حقّقتها جامعة الدول العربية لم ترتفع إلى مستوى الجهود الطيِّبة التي بذلتها في هذا الحقل، أو هكذا ظنّت فئة من العلماء العرب.
لقد وضع العلماء العرب آلاف المصطلحات العلمية، وصنعوا عشرات المعجمات بجهودهم الفردية والجماعية، بعون من الجهات الرسمية والمجامع اللغوية أو دون عون منها، واكتسبوا تجارب خوّلت بعضهم الحديث عنها حديث العارف بأسرارها وتاريخها وإيجابياتها وسلبياتها. بيد أنني، في حدود ما أعلم، لا أعرف واحداً منهم شكا من أن اللغة العربية حالت يوماً دون وضعه مصطلحاً من المصطلحات العلمية. بل إنني قرأتُ شيئاً مخالفاً هو الإقرار بمرونة اللغـة العربية وطواعيتها لاستيعاب العلم الحديث:
- قال الدكتور محمد ظافر الصوّاف في الموسم الثقافي الخامس لمجمع اللغة العربية الأردني، عمَّان، 1987، ص 8 : (أتكلّم عن تجربتي الشخصيـة في هذا المجال، فأرى أنني قد تعلّمتُ وعلَّمتُ العلوم والصناعات باللغة العربية فلم أجد صعوبـة سوى أنني أحتاج إلى التفتيش عن المصطلح المناسب أو صياغته بنفسي).
- وقال عبد القادر المهيري في مجلة المعجميّة، العدد 1، جمعية المعجميّة العربية، تونس 1985: (المشكل الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بالنسبة إلى اللغة العربية لا يتمثَّل في مدى قدرتها على أن تسع مفاهيم الحضارة الحديثة وتواكب ما يبتكره العلماء… فالتساؤل عن مثل هذا لا معنى له من وجهـة نظر اللغوي، أو هو يدلّ على نظرة ساذجة للأمور).
- وقال مصطفى الفيلالي في كتابه ( التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت 1982،ص467/468) : (إنّ قرناً كاملاً من المجهودات اللغوية العلمية على مستوى مجامع اللغة العربية قد زوّد اللغة العربية المعاصرة بالأدوات الفنية الكافية انطلاقاً من طاقاتها الذاتية. ووُفِّق اللغويون والكُتَّاب والألسنيون وأصحاب العلوم الصحيحة العرب إلى إثراء المعجم العربي بعشرات آلاف المصطلحات العلمية نحتاً وتعريباً واقتباساً).
والدليل على صدق هؤلاء العلماء ذلك الرصيد الضخم من المصطلحات العلمية في المكتبة العربية. إذ لولا مرونة اللغة العربية لما وُضِعت آلاف المصطلحات العلمية في الطب والفيزياء والكيمياء والاتصالات والزراعة والمواصفات والمقاييس وغيرها. أليس ذلك دليلاً على أن القول بصعوبة اللغة العربية وهم أو حديث خرافة يُراد منه التشكيك في قدرة اللغة العربية على استيعاب العلم ومواكبة المدنية الحديثة؟.
ويُخيَّل إليَّ أن قضية توحيد المصطلحات العلمية ذات شقّين: شق لغوي وشق سياسي. بل إنني أدّعي أن جامعة الدول العربية نجحت في توحيد المصطلحات العلمية شأنها في ذلك شأن عدد وافر من العلماء الذين نهضوا بالعبء نفسه. وأستند في ادِّعائي إلى تمييزي السابق بين شقّي التوحيد اللغوي والسياسي. ذلك أن جامعة الدول العربية صنّفت المصطلحات التي وضعتها الأقطار العربية صنفين: المتَّفق عليه والمختلف حوله، وقد عمّمت الأول وتركت الثاني عرضة للمناقشة. ويهمني هنا الصنف الأول المتَّفَق عليه. فهذا الصنف يضم المصطلحات العلمية الموحَّدة، ولو لم تكن هناك إمكانية للتوحيد لما كان لهذا الصنف وجود. ومعنى التوحيد في مصطلحات هذا الصنف هو الاتفاق على مصطلح محدَّد لتصوُّر معيَّن، وهو عمل لغوي صرف. ولو انتقلنا إلى الصنف الثاني المختلف حوله لما تغيّر في الأمر شيء. إذ إن اختلاف الدول العربية يعني عدم اتفاقها على مصطلح معيّن لتصوُّر محدّد. والمرجَّح أنه كانت هناك مصطلحات عدّة لتصوُّر واحد، أو كان للمصطلح الواحد تصوّرات عدّة. وهذا الاختلاف لغوي أيضاً لأنه يدور حول الاجتهادات اللغوية للعلماء العرب في أثناء وضعهم المصطلحات الملائمة للتصوّرات العلمية. أما الشق الثاني السياسي فلا علاقة له باللغة العربية؛ لأنه يعني أن الجامعة العربية عمّمت المصطلحات لكنّ الدول العربية، منفردةً ومجتمعةً، لم تضعها موضع الاستعمال. لكنني هنا قادر على القول إنه لا علاقة للغة العربية بقضية الإخفاق في استعمال المصطلحات الموحَّدة. وقد آن الأوان للتمييز بين توحيد المصطلحات العلمية بمعنى الإمكانية اللغوية، وتوحيدها بمعنى استعمالها في الدُّول العربية. فاللغة العربية قادرة على التوحيد؛ أي أن بنيتها قادرة على وضع المصطلحات للمفهومات العلمية. وما ذكرتُه عن عمل الجامعة العربية مجرد مثال لتجسيد هذا الأمر، تكرّر كثيراً في مكتب تنسيق التعريب، وفي المجامع اللغوية العربية، وفي المحاولات التي بذلها العلماء العرب.

د.أحمد بن عبدالرحمن بالخير
استاذ الدراسات اللغوية بكلية العلوم التطبيقية بصلالة
balkher1971@yahoo.com

إلى الأعلى