الأحد 22 أكتوبر 2017 م - ٢ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / المرّيخي .. وحيدا على ظهر الكوكب الأحمر
المرّيخي .. وحيدا على ظهر الكوكب الأحمر

المرّيخي .. وحيدا على ظهر الكوكب الأحمر

لآلاف السنين، شغل المريخ أو الكوكب الأحمر بال ومخلية الجنس البشري بشكل لافت، فكثرت حوله الأساطير والروايات الشعبية، بين من يعتقد أنه مأوى لفضائيين يراقبوننا بشغف وينتظرون اللحظة المناسبة للاستيلاء على كوكبنا الأزرق (اعتقاد خيالي بحت اقرب الى افلام هوليوود)، وآخرون يجزمون أن ما يظهر منه عبارة عن قنوات استعملها سكانه البائدون في التنقل والتجارة.
علاقتنا بالمريخ توضحت أكثر مع تقدم العلم، ولعل اكتشافات وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) والتى كان آخرها تدفق مياه سائلة بشكل موسمي على سطح الكوكب الأحمر أكبر دليل على تجاوزنا لأساطير أسلافنا.
عملت (ناسا) منذ أن استطاعت البشرية اختراق الغلاف الجوي للأرض وعمل رحلات الى الفضاء، على تقريب المريخ من سكان الارض حيث سعت ومازالت، لخلق حضور بشري على المدى الطويل فوق سطح الكوكب الأحمر، وإرسال البشر لبحث كيفية استمرار الحياة على هذا الكوكب المجاور للأرض. وأعلنت الوكالة تحديا يحمل اسم (رحلة إلى المريخ)، طارحة أسئلة مثل، ماذا تحتاج لجلبه؟ ، كيف يمكن تقليص الحاجة لخدمة التوصيل في المستقبل من أجل إقامة وجود بشري متواصل على كوكب يبعد 140 مليون ميل عن الأرض؟. وتتطلع (ناسا) لأول هبوط للإنسان على سطح المريخ عام 2030.
تلك الأفكار حول إمكانية انتقال البشر للعيش على هذا الكوكب الأحمر ووجود حياة على سطحه، لم تشعل بال (ناسا) فقط، بل تغلغلت الى أروقة هوليوود، التى بدورها تناولتها في العشرات من شرائطها، منها ماهو كوميدي كـ (Rocket Man ) و(Mars Attacks) الذي يحكي عن غزو المريخ للأرض، ومنها الخيال العلمي الذي يرصد الوحوش التى تعيش على سطح الكوكب كـ (John Carter) و(Doom) وغيرها.
ورغم أن جدل إمكانية الحياة على كوكب أخر غير الأرض، قائم حتى يومنا هذا، الا أن تلك الفكرة مازالت تداعب الكثيرين من صناع السينما، حيث تعود للشاشات اليوم في إطار أحدث نسبيا وأقرب الى دراسات (ناسا) من حيث القواعد الفيزيائية.
المريخي (The Martian) : فيلم خيال علمي أميركي مقتبس من رواية تحمل نفس الأسم للأديب الشاب آندي وير، والتى انتشرت عن طريق الصدفة البحتة، وأصبحت من مجرد قصة مجانية على صفحات الانترنت بمدونة وير الخاصة، الى ‏الرواية الأكثر مبيعا سواء للنسخ الورقية او الالكترونية في قائمة نيويورك تايمز للروايات (حتى الآن)، الأمر الذي سارعت من خلاله كبرى استوديوهات السينما الاميركية (Twentieth Century Fox) الى شراء الحقوق الخاصة لتحويل الرواية لفيلم سينمائي.
كتب سيناريو الفيلم درو غودارد، بينما قام بإخراجه المخضرم ريدلي سكوت في رابع تجاربه مع الخيال العلمي بعد (Blade Runner)، (Alien ) ولكننا نعرفه أكثر بفضل فيلمه الشهير (Gladiator ) أو المصارع لراسل كرو.
من المعروف أن سكوت ضمن الرواد الذين أعادوا صياغة أفلام الخيال العلمي، لكن أعماله من تلك النوعية جاءت تحمل قدر كبير من التشاؤم والسوداوية، لكنه اليوم يبتعد عن هذا النمط مع الاحتفاظ بنفس درجة الطموح البصري التي ميزت تقريبا كل أعماله.
وبرغم أحداث الشريط الخيالية تدور بعد عشرين عاما من الآن، إلا أن المخرج فضل أن تكون التقنيات الفضائية فيه مستوحاة من تقنيات حقيقة ابتكرتها ناسا بالفعل، خصوصا وأن ناسا تعمل بالفعل على خطة طويلة الأمد لإرسال رواد فضاء للمريخ بحلول عام 2030، كما أشرت سابقا، وهي نفس الفترة التي تدور فيها تقريبا أحداث الفيلم. بعض مشاهد الفيلم تم تصويرها في وادي رم بالأردن، وبعضها داخل ستوديوهات على خلفيات خضراء لإضافة الجرافيك، وكلها تقريبا كنتيجة نهائية خلقت فعلا إطارا لونيا وبصريا جذابا ومُقنعا لكوكب آخر.
الفيلم من بطولة الممثل مات ديمون الذي برغم شهرته لا يملك سجلا حقيقيا من النجاح التجاري بعيدا عن سلسلة(Bourne) التي قدم منها 3 أفلام حتى الآن. يجسد ديمون رائد الفضاء (مارك وايتني)، اختيار جيد للدور، خاصة أنه يمتلك ملامح بريئة تجعل من التعاطف معه في مأساته الذي سنعرفها في السطور القادمة، أمرا سهلا.
يشاركه البطولة جيسيكا شاستاين، وكريستين ويج، وشون بن، في أداء جيد أيضا.

……………………………..

احداث
على ظهر المريخ ، يقوم طاقم (ناسا) الأحمر، نسبة الى إسم الكوكب، بجمع عينات صخرية من على سطح الكوكب الاحمر، في الغضون يتلقى الطاقم أوامر بالعودة الى السفينة، عقب تحذيرات بهبوب عاصفة رملية قوية بغضون دقائق، الامر الذي يحول دون تنفيذ مهمتهم.
واثناء عملية الاخلاء، تضرب العاصفة الهوجاء، رواد الفضاء الأربعة، بشدة وتصيب أحدهم، مارك وايتني، الذي يخاله الجميع قد توفي مما يضطرهم للرحيل مخلفينه وراءهم ومؤونة تكفي لقضاء 31 يوما فقط.
……………………………..

وحيدا
يستفيق وايتني على صوت تحذير بوجود ثقب في بذته الفضائية، وتنبيهات بانخفاض في مستوى الاكسجين، ليكتشف تعرضه لإصابة في بطنه يتمكن من علاجها.
لكن هذا لم يكن يؤرق وايتني بقدر التفكير في كيفية تكيفه مع كوكب يخالف كل قواعد عالمه، باستخدام المعدات والموارد التي تبقت من رحلة الطاقم، على أمل التواصل مع ناسا من جديد لإرسال نجدة، أو البقاء على قيد الحياة وانتظار الرحلة القادمة إلى المريخ بعد أربع سنوات.
وايتني لم يسلم نفسه لتلك الهواجس، بل يعتمد على ما لديه من براعة، وذكاء، وشجاعة لكي يستمرعلى قيد الحياة، وبعد محاولات عدة، ينجح وايتني، من خلال خبرته بعلم النباتات وعمله كمهندس زراعي، في الحصول على الماء عبر حرق الهيدروجين ومن ثم استنبات ثمار البطاطس من النوع الذي ينمو بداخل الصوبات الزجاجية، في تربة تدخل في تركيبها فضلاته المجمدة والمجففة.
على الجانب الآخر وعلى بعد ملايين الأميال، يتأكد العاملون بوكالة ناسا، من نجاة مارك وايتني من العاصفة وبقاؤه على قيد الحياة، وذلك عن طريق رصد تحركاته بالمريخ بواسطة الاقمار الصناعية، بينما يقوم الاخير بتسجيل يومياته للكاميرات، يوضح فيها المُستجدات، وطريق معالجته للأزمات التى تواجهه.
……………………………..

تواصل
جهود حثيثة من الطرفين، لإنقاذ الرجل المريخي، كما أطلق عليه زملاؤه العاملون بوكالة ناسا، ففي الوقت الذي يقاوم فيه وايتني ويصارع من أجل البقاء على قيد الحياة، يعمل فريق من العلماء في ناسا بدون كلل على ايجاد طريقة تمكنهم من استعادته سالما إلى ارض الوطن.
يتمكن وايتني من التواصل مع مركز التحكم الأرضي لـ (ناسا) عبر مستكشف قديم تابع للوكالة، كانت اطلقته في احدى مهماتها الاستكشافية بالمريخ في التسعينيات، وعن طريقه يتمكن أيضا من مخاطبة أفراد طاقمه الذين يعانون من حالات تأنيب الضمير، عندما يعلموا بنجاة زميلهم وايتني، وهم الآن في طريق عودتهم الى وطنهم!.
يخيم اليأس على الرجل المريخي، عندما يتعرض لحادثتين متتاليتين، الاولى عندما تشتعل غرفته المخبرية التى يزرع بها البطاطس عن طريق الخطأ، وعليها لن يتمكن من تكرار تجربة الاستزراع، الثانية عندما ينفجر مسبار ناسا بعد دقائق من اطلاقه، والذي كان يحمل له المؤن لحين عملية انقاذه، فيبدأ بمراسلة زملائه والتحدث عن الموت والوداع وأشياء من هذا القبيل السوداوي.
……………………………..

بعيدا عن الكوكب الأحمر
دائما ما نحتاج في حياتنا خطة بديلة، اذا حوصرنا بالفشل، وبالتالي فإن وكالة ناسا التى تضم أفضل العناصر البشرية في كافة المجالات، لابد أن تمتلك أكثر من خطة، لإنقاذ ابنها الضال الذي يبعد عنها ملايين الأميال.
الخطة تقتضي الرجوع بـ (هيرميس)، السفينة التى تحمل زملاء وايتني، ناحية المريخ بعد مرورها بالغلاف الجوي للأرض وتزويدها بالمؤن عن طريق مسبار فضائي آخر، وعند نقطة تقاطع السفينة هيرميس بمركبة وايتني بالفضاء يتم سحبه باتجاههم. بعد مواجهة بعض المشاكل التقنية، والصعوبات يتمكن الطاقم من استعادة زميلهم وايتني والعودة به سالما الى أرض الوطن، بعد غياب لهم استمر قرابة الـ3 اعوام.
فيلم المريخي، يحمل رسالة واضحة بشأن آمال وطموحات الانسان الكبيرة لوضع أول قدم على الكوكب الاحمر، وغريزة الحياة بمساعدة الهندسة والعلم كافية للبقاء على قيد الحياة كما علمنا مات ديمون، وأفضل ما اتسم به الشريط تلك التفاصيل التقنية الواردة ضمن أحداثه والقابلة للتصديق، إلى حد يعطي المرء شعورا بأنها قد تتجسد بالفعل على أرض الواقع. فهو حاول بشكل كبير احترام كل ماهو علمي.
السيناريو يتسم بطابع عتيق وتقليدي بل وثقيل الظل قليلا؛ وهو أشبه بمغامرة تم تجميع مكوناتها بالاستعانة بكثير من قطع الغيار المألوفة والمستهلكة بإفراط، فمن اليسير التنبؤ بمسار أحداثه.كما أن خاتمته خلت من القوة . ايضا من الامور التى انتقدها بشدة في الشريط، أنه أفرط بتصويره لحجم التضامن الدولي مع رائد الفضاء القابع على سطح المريخ، فلك أن تتخيل أن الجميع يصطفون لدعم هذا الرجل المريخي!.
إجمالا يمكن أن اعتبر الفيلم أقوى وأوضح (دعاية) هوليوودية لناسا، حيث شاركت الوكالة رسميا بالفعل في دعمه منذ البداية، وقدمت من خلاله تسع تقنيات ستعتمدها في رحلتها المأهولة والمنتظرة إلى هذا الكوكب بحلول العام 2030. شىء جيد بالطبع أن يندمج الطرفان لصناعة فيلم مفيد لكليهما، لكن على المستوى الدرامي هنا، دفع الفيلم تقريبا ضريبة المشاركة.

رؤية : طارق علي سرحان
Mr.tarek3010@hotmail.com

إلى الأعلى