الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إشكالات مركبة

إشكالات مركبة

كاظم الموسوي

”.. بين الاختلاف والوحدة مسافات، لا يمكن اجتيازها إلا بالتسامح والحرية، والاعتراف بقانون التعدد ومبدأ التنوع. لذلك فإن الاختلاف المفضي إلى الوحدة الصلبة، هو ذلك الاختلاف الذي تسنده قيم التعدد والحرية وحقوق الإنسان. أما الاختلاف الذي يجافي هذه القيم، فإنه يفضي إلى المزيد من التشرذم والتشتت والتجزئة، حسب ما عبر مفكر عربي آخر. ”
ــــــــــــــــــــــــ
إن إشكالات مجتمعاتنا العربية والإسلامية المعاصرة ليست بسيطة، وإنما هي شديدة التعقيد بما يتطلب تفكيرا معمقا يأخذ في الاعتبار الإجابة عن كثير من الأسئلة الجدلية المتعلقة بمفهومي الوحدة والاختلاف خاصة وما يتفرع منهما في الواقع والراهن العملي والمستقبل المنشود، ما يستدعي ويستوجب أن نحرض أنفسنا على التفكير الخلاق والطرح البناء والتنوع في وجهات النظر، وحتى نكون على مستوى من التفكير والطرح والنقاش، فلا بد لنا من تجسيد وتفعيل تعريفات متعددة للمفهومين وفي إطار وحدة الهدف وحق الاختلاف. ولو أردنا أن نتأمل وأن ننظر في واقعنا ومكاننا ومدى تقبلنا ورفضنا لها، فإن عالما، على سبيل المثال، كمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت اليوم تكشف عن خلل كبير في مدى استعدادنا للحوار مع الآخر وتقبل رأيه، أو رفض هذا الرأي بآليات الرفض الحضارية المعروفة، وكذلك نرى ذلك في بعض البرامج الحوارية أو في عدد آخر من وسائل الاعلام العربية خصوصا. ان من لا يملك المنطق السليم في التفكير الواعي، يصبح أسيرا لغرائزه الذاتيّة، فيجد نفسه أمام قوة ضغط عاطفيّة، ونتيجة لهذا الضغط الحسّي فإن الطريقة الجسدية هي السبيل الوحيد لإفراغ هذا الضغط، كما رأى مفكر عربي. وهذه الاشكاليات المستجدة او القديمة المعروفة تتطلب دائما منا الانتباه لها والعمل على التفكير الموضوعي فيها، فالاختلاف وفق هذا المنظور ضرورة لما له من وظيفة في بلورة معنى الوحدة وهويته الحضارية والإنسانية. وبين الاختلاف والوحدة مسافات، لا يمكن اجتيازها إلا بالتسامح والحرية، والاعتراف بقانون التعدد ومبدأ التنوع. لذلك فإن الاختلاف المفضي إلى الوحدة الصلبة، هو ذلك الاختلاف الذي تسنده قيم التعدد والحرية وحقوق الإنسان. أما الاختلاف الذي يجافي هذه القيم، فإنه يفضي إلى المزيد من التشرذم والتشتت والتجزئة، حسب ما عبر مفكر عربي آخر.
يمكن الإشارة بعجالة من خلال دروس التجربة ان من الأخطاء التي وقع فيها العرب والمسلمون في التاريخ الحديث، رؤيتهم المنمطة لمفهوم الوحدة، واستيعابهم لها عبر رؤية سائدة عن هذا المفهوم، التي يمكن تلخيصها في المطابقة وإلغاء حالات الاختلاف والتعدد والتباين الطبيعية والتاريخية والثقافية..
ازاء كل ذلك، يضعنا تعريف المفهومين أمام تحديات لا بد من مواجهتها لتفسير وإنجاح ما نصبو إليه من اهداف بناء مجتمعات تواصل تطورها وتكون قادرة على سرعة التقدم والمواكبة للتغيرات والتحولات العالمية، والاستفادة من دروس التجارب السابقة وعبر التاريخ الدائمة. وهي تضع أمام الجميع مسؤولية اليقظة والانتباه والفعل الجدي والمخلص والصادق للتغلب على ما فات وما استجد من مصادر التهديد والخطر. ومن بين ابرز التحديات اليوم في عالمينا العربي والإسلامي سياسيا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا وقانونيا:
التحدي الأبرز والرئيس يكمن في الكيان الصهيوني وسياساته العنصرية واحتلاله الاستيطاني وغطرسته العسكرية وعدوانه المستمر، والذي يشكل عقبة كبيرة امام الوحدة العربية والإسلامية من خلال احتلاله واستيطانه وعنصريته وتشريده للشعب الفلسطيني، بل هو سبب رئيس في تعميق الاختلاف وتكريس الانفصال والتفرقة بين الشعوب والأوطان، فضلا عن مهماته العسكرية والسياسية الاستراتيجية في العالم العربي والإسلامي، ودوره في تقسيم المنطقة جغرا استراتيجيا ومخططات الهيمنة وفرض الامر الواقع. هذا التحدي لا بد من مواجهته بما يمكن على مختلف الأصعدة وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في وطنه وتكامله مع باقي اجزاء الوطن العربي والإسلامي. وهذا التحدي يستهدف تعميق الاختلاف والخلاف وتمزيق الوحدة والائتلاف. ولهذا فوجوده انتهاك للأمة وانتزاع لحقوق مشروعة لشعب هو جزء من الأمة والهوية والتراث. وهو تحدي متنوع على مختلف الاصعدة ومتشابك مع مخططات استراتيجية لأعداء الوحدة والتقدم لمجتمعاتنا العربية والإسلامية ايضا.
التحدي الثاني يرتبط باستمرار الهيمنة الاستعمارية الامبريالية بأشكال جديدة وقديمة ومساع مستمرة لفرض وسائل النهب والاحتكار وتكريس التبعية والتخلف وغيرها على الكثير من البلدان العربية والإسلامية، والسيطرة على منابع الطاقة وزرع القواعد العسكرية والتهديد بالاحتلال والغزو، كما حصل فعليا في غزو واحتلال افغانستان والعراق، وإقامة الأحلاف والمعاهدات العسكرية وغيرها من اشكال الهيمنة والسيطرة المباشرة وغير المباشرة. والتصريح بنظريات مختلفة كالفوضى الخلاقة او شرق اوسط جديد او كبير وغيرها، او شن الحروب الاستباقية كما سمتها ورفعت لها شعارات مخادعة، تحت اسم “مكافحة الارهاب” ومعلوم دورها ونشاطها في تأسيس منظمات الارهاب والتنسيق معها، او التخطيط لها والعمل لاستخدامها ذريعة لمشاريعها العدوانية.
والتحدي الآخر يرتبط بكيفية تفهم الاختلاف والتنوع الديني والثقافي، والأساليب التي تتعامل معه، وما يوضع له من مخططات الفتنة والتقسيم الديني والمذهبي والعرقي في العالمين العربي والإسلامي. والعمل على تمزيق الهوية الجامعة بتكريس الهويات الفرعية وتغليبها والدس فيما بينها في اطار وتجديد صناعة القاعدة الاستعمارية المعروفة: فرق تسد. وكذلك في غرض التفتيت والتدمير للوحدة والجماعة. وهي مخططات استعمارية عملت عليها منذ دخولها لأول مرة في القرون السابقة لأراضي بلداننا وتعمقت بعد اكتشاف البترول والموارد الأخرى، وانتهاك ونهب هذه الثروات الطبيعية وحرمان شعوبنا منها. وتشكل هذه التحديات خطرا فعليا وتهديدا لوحدة الأمة والعالمين العربي والإسلامي والسلم والأمن الدوليين. وهذا التحدي هو الاخطر وهو مصدر من مصادر تهديد القوى الاستعمارية الصهيونية التي تعمل عليها في مشاريعها في العالمين العربي والإسلامي.
وهناك ثمة تحديات اخرى نوقشت في مؤتمر عقد في بغداد، مؤخرا عبر تعاون بين مراكز ابحاث عراقية، مثلتها المجموعة العراقية للدراسات الاستراتيجية برئاسة الدكتور واثق الهاشمي، وتركية، بإدارة منظمة تاسام، ومشاركة ممثلين من رابطة التعاون الاسلامي. وعالجت جانبا مهما من جوانب هذه المساعي وتبيان مساراتها وتطوراتها وتداعياتها ومستقبلها. خصوصا في التركيز على ثقافة التنوع والتسامح والعدالة واحترام الحقوق وتبادل المنفعة المشتركة والخطط الاستراتيجية للبناء والتغيير، ونبذ ثقافة العنف ومحاربة مصادرها ومحاكمة دعاتها والمروجين لها أو الممولين لشحنها.

إلى الأعلى